تآكل الدولار.. وإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للاقتصاد
شبكة النبأ
2026-01-29 03:37
يشهد المشهد الاقتصادي العالمي في الأسابيع الأولى من عام 2026 حالة من الاضطراب الهيكلي والتحولات الدراماتيكية التي لم تعهدها الأسواق المالية منذ سنوات طويلة، حيث تتضافر عوامل سياسية واقتصادية وجيوسياسية لتشكل عاصفة مثالية تضرب مفاصل النظام المالي التقليدي الذي يقوده الدولار الأمريكي.
ففي قلب العاصمة البريطانية لندن، وفي أروقة "وول ستريت" بنيويورك، وفي مراكز التداول الآسيوية في طوكيو وسنغافورة، يسيطر موضوع واحد على أحاديث المصرفيين ومديري المحافظ الاستثمارية وصناع القرار: "أزمة الثقة" المتفاقمة في العملة الأمريكية والبحث المحموم عن بدائل آمنة. لم يعد الأمر مجرد تصحيح فني عابر أو موجة بيع مؤقتة، بل يبدو أن الأسواق العالمية تعيد تقييم علاقتها بالدولار كعملة احتياط عالمية في ظل المعطيات الجديدة التي فرضتها السياسات الاقتصادية والدبلوماسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية. إن البيانات الواردة من الأسواق، والتي تشير إلى انخفاض الدولار لأدنى مستوياته في أربع سنوات وارتفاع الذهب واليورو إلى مستويات قياسية، ليست سوى أعراض لظاهرة أعمق تتعلق بتغير جذري في العقيدة الاقتصادية للبيت الأبيض وتأثيراتها المباشرة على تدفقات رؤوس الأموال العالمية.
شرارة يوم التحرير
تبدأ القصة من واشنطن، حيث أدى النهج المتقلب الذي تبنته إدارة الرئيس ترامب تجاه التجارة الدولية والدبلوماسية، فضلاً عن الهجوم المستمر وغير المسبوق على استقلالية مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي)، إلى زعزعة الأسس التي استند إليها المستثمرون لعقود في تقييمهم للأصول الأمريكية. فخلال العام الأول من ولايته الثانية، وفي الأسابيع الأولى من عام 2026، وجد المستثمرون أنفسهم مضطرين لإعادة النظر في توقعاتهم المتفائلة بشأن استقرار الدولار. لقد كانت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب فيما أطلق عليه "يوم التحرير" بمثابة الشرارة التي أشعلت عمليات بيع واسعة النطاق للأصول الأمريكية، حيث فسر السوق هذه الخطوة ليس فقط كإجراء حمائي، بل كإعلان عن مرحلة جديدة من الحروب التجارية التي قد تعزل الاقتصاد الأمريكي وتضر بتنافسيته على المدى الطويل.
وقد تعمق هذا الشعور بالقلق مع تصريحات الرئيس التي رحب فيها صراحة بضعف الدولار، واصفاً قيمته المتدنية بأنها "رائعة" وأن العملة في "وضع ممتاز"، وذلك في رد على أسئلة الصحفيين في ولاية أيوا. هذه التصريحات، التي خالفت العرف السائد لرؤساء الولايات المتحدة الذين دأبوا تاريخياً على دعم سياسة "الدولار القوي"، أرسلت إشارات واضحة للمضاربين بأن الإدارة الأمريكية لا تمانع، بل وربما تسعى، إلى خفض قيمة العملة لدعم الصادرات وتقليص العجز التجاري، مما شجع على تكثيف عمليات البيع ودفع مؤشر الدولار للهبوط إلى مستويات 95.56 نقطة، مسجلاً بذلك أسوأ أداء سنوي له منذ عام 2017، مع خسائر تجاوزت 9% في العام الماضي واستمرار النزيف بنسبة 2.3% في شهر يناير وحده.
تسييس السياسة النقدية
ولعل أخطر ما في هذه الأزمة هو طابعها المؤسسي؛ فالأسواق المالية لا تكترث فقط بالأرقام الاقتصادية، بل بحالة المؤسسات التي تدير هذه الأرقام. وهنا، يبرز الصراع المحتدم بين السلطة التنفيذية والسلطة النقدية في الولايات المتحدة كأحد المحركات الرئيسية لهروب رؤوس الأموال. فقد تجاوز الرئيس ترامب حدود الانتقاد اللفظي للسياسة النقدية، ليصل إلى حد التلويح بإجراءات عقابية ضد قيادة البنك المركزي، حيث أشارت التقارير إلى تحركات لتوجيه تهم جنائية لرئيس المجلس جيروم باول، الذي كشف بدوره عن فتح وزارة العدل إجراءات قانونية ضده.
هذا التهديد المباشر لاستقلالية "الفيدرالي"، المترافقة مع ضغوط مستمرة لخفض أسعار الفائدة وتوقعات بتعيين رئيس جديد للبنك ينفذ أجندة البيت الأبيض فور توليه المنصب، خلق حالة من عدم اليقين الشديد في سوق السندات الأمريكية. فالمستثمرون الأجانب، الذين يمولون جزءاً كبيراً من الدين الأمريكي، يعتمدون على استقلالية البنك المركزي كضمانة لعدم تسييس السياسة النقدية وعدم السماح للتضخم بالخروج عن السيطرة لأغراض انتخابية. وعندما تهتز هذه الثقة، تصبح سندات الخزانة الأمريكية أقل جاذبية، مما يضغط على الدولار ويدفع العوائد للتقلب، وهو ما حذر منه خبراء استراتيجيون مثل مارك سبينديل من "بوتوماك ريفر كابيتال"، الذي أشار إلى أن هذه المخاطر تدفع المستثمرين لإعادة النظر في الاستثمار بالولايات المتحدة أو التحوط من مخاطر العملة.
الذهب ملاذ آمن من التضخم وتآكل الثروات
وفي ظل هذا المشهد القاتم للدولار، برزت المعادن النفيسة، وتحديداً الذهب، كالمستفيد الأكبر والملجأ الأخير لرؤوس الأموال الباحثة عن الأمان. لقد دخل الذهب فيما يبدو "دورة صعود عظمى" (Super Cycle)، حيث كسر المعدن الأصفر كافة الحواجز النفسية والفنية، متجاوزاً مستوى 5100 دولار للأونصة، ثم واصل صعوده ليخترق حاجز 5300 دولار، مسجلاً قفزات يومية تجاوزت 3% في بعض الجلسات. هذا الارتفاع الجنوني، الذي دفع دويتشه بنك لتوقع وصول السعر إلى 6000 دولار في عام 2026، لا يمكن تفسيره فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل هو تعبير صارخ عن "فقدان الثقة" في النظام المالي القائم على العملات الورقية (Fiat Currency).
إن المستثمرين، سواء كانوا بنوكاً مركزية تسعى لتنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، أو أفراداً يخشون التضخم وتآكل الثروات، باتوا ينظرون إلى الذهب كأصل ملموس وحيد قادر على الاحتفاظ بقيمته في وجه السياسات النقدية والمالية المنفلتة.
ولم تكن الفضة بعيدة عن هذا المشهد، حيث تضاعفت قيمتها أكثر من مرتين، مخترقة حاجز 110 دولارات للأونصة، مدعومة بطلب صناعي قوي ومضاربات تعكس خوف المستثمرين من "فوات الفرصة" (FOMO). ويشير المحللون إلى أن هذا التحول نحو الأصول الملموسة يعكس قلقاً عميقاً من أن السياسات الأمريكية الحالية، بما فيها الزيادات الهائلة في الإنفاق العام واحتمالات الإغلاق الحكومي المتكررة، ستؤدي حتماً إلى تآكل القوة الشرائية للدولار على المدى الطويل.
اليورو والامتياز الباهظ
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أدى ضعف الدولار إلى فرض واقع جديد على الاقتصاد الأوروبي، حيث وجد اليورو نفسه يرتفع بقوة ليتجاوز حاجز 1.20 دولار للمرة الأولى منذ منتصف عام 2021. هذا الصعود القوي للعملة الأوروبية الموحدة يحمل في طياته آثاراً مزدوجة ومعقدة؛ فمن ناحية، يمثل الارتفاع خبراً ساراً للمستهلكين الأوروبيين والأسر، حيث يساهم في خفض تكلفة الواردات المسعرة بالدولار، وعلى رأسها النفط والطاقة والمواد الخام، مما يعزز القدرة الشرائية ويكبح جماح التضخم المستورد.
كما أنه يعزز من جاذبية الديون السيادية الأوروبية كبديل استثماري للسندات الأمريكية، مما يعيد للأذهان مصطلح "الامتياز الباهظ" الذي تمتعت به أمريكا طويلاً، والذي قد تبدأ أوروبا في تذوق جزء منه. ولكن من ناحية أخرى، يشكل هذا الارتفاع كابوساً للمصدرين الأوروبيين، الذين يعتمدون على التنافسية السعرية في الأسواق العالمية. فالصناعات الألمانية الثقيلة، وقطاع السيارات، وشركات السلع الفاخرة الفرنسية مثل مجموعة "LVMH"، تجد نفسها الآن أمام تحديات مزدوجة: رسوم جمركية أمريكية محتملة بنسبة 15% من جهة، وعملة قوية تجعل منتجاتها أغلى ثمناً للمشترين الأجانب من جهة أخرى. هذا الوضع قد يضغط على البنك المركزي الأوروبي للنظر في خفض أسعار الفائدة لحماية النمو الاقتصادي، في وقت تحاول فيه أوروبا الحفاظ على استقرارها المؤسسي الذي وصفه المحللون بأنه ميزة تنافسية مقارنة بالفوضى السياسية في واشنطن.
حذر ياباني من غضب امريكي
وفي آسيا، لا يقل المشهد تعقيداً، حيث يواجه الين الياباني تقلبات حادة تعكس التوتر بين قوى السوق والسياسات الحكومية. فقد استفاد الين من ضعف الدولار ليرتفع مبتعداً عن مستوياته المتدنية السابقة، مسجلاً مستويات حول 152 مقابل الدولار، ومدعوماً بتكهنات قوية حول تدخل منسق محتمل بين السلطات الأمريكية واليابانية لضبط سوق الصرف. وتكتسب هذه التكهنات مصداقية من التقارير التي أفادت بقيام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بفحص أسعار الصرف مع المتعاملين، وهو إجراء يُنظر إليه عادة كخطوة تمهيدية للتدخل الرسمي.
ومع ذلك، يظل الموقف الياباني حذراً، فالولايات المتحدة في عهد ترامب تركز بشدة على العجز التجاري وتتهم شركاءها التجاريين، بما فيهم اليابان والصين، بالتلاعب بالعملة لخفض قيمتها عمداً. وقد عبر ترامب عن ذلك صراحة بقوله إنه خاض "معارك شرسة" مع هذه الدول لأنها تسعى لخفض عملاتها، مما يضع طوكيو في موقف دقيق: فهي ترغب في وقف انهيار الين لحماية اقتصادها من تضخم الواردات، لكنها تخشى في الوقت ذاته من إغضاب واشنطن إذا ما اُعتبرت تحركاتها تلاعباً في السوق. وفي أستراليا، استفاد الدولار الأسترالي من ضعف نظيره الأمريكي وصعود أسعار السلع، ليسجل أعلى مستوياته منذ مطلع 2023، مدعوماً ببيانات تضخم محلية قد تدفع البنك المركزي هناك لرفع الفائدة، في تباين واضح مع التوجه الأمريكي نحو الخفض.
أوراق ضغط جيوسياسية
إن التحليل المتعمق لهذه المعطيات يقودنا إلى النظر في البعد الجيوسياسي لهذه الأزمة الاقتصادية. فسياسات الإدارة الأمريكية لم تقتصر على الجانب الاقتصادي البحت، بل تضمنت تحركات وصفت بأنها "عدائية" و"غير منتظمة" على الصعيد الدولي. فمن التهديد بالسيطرة على جرينلاند، إلى التلويح برسوم جمركية عقابية على الحلفاء الأوروبيين بسبب خلافات سياسية، وصولاً إلى التدخلات في فنزويلا، خلقت هذه السياسات بيئة من "اللايقين" الشامل.
ويرى المحللون الاستراتيجيون أن هذا الخلط بين السياسة والاقتصاد، واستخدام الأدوات المالية كأوراق ضغط جيوسياسية، يدفع دول العالم والمستثمرين العالميين لتسريع خططهم لتقليل الاعتماد على الدولار والنظام المالي الأمريكي. إن ما نشهده هو تسارع لاتجاهات التنويع، ليس فقط في المحافظ الاستثمارية، بل في هيكلية الاحتياطيات الدولية، حيث يصبح الذهب والعملات البديلة ضرورة استراتيجية للأمن القومي الاقتصادي للدول، وليس مجرد خيار استثماري.
عوامل داخلية تضغط على الدولار
وفي الداخل الأمريكي، تتفاقم الصورة القاتمة بوجود اضطرابات اجتماعية وسياسية تزيد من نفور المستثمرين. فالحملات الأمنية الصارمة على الهجرة غير الشرعية، وما نتج عنها من حوادث مأساوية واحتجاجات شعبية، تضاف إلى مخاطر "الإغلاق الحكومي" المتكررة بسبب الخلافات حول الميزانية، لترسم صورة لدولة تعاني من عدم الاستقرار الداخلي. ويشير مديرو الأصول إلى أن هذه العوامل الاجتماعية والسياسية "تضاف إلى العوامل التي تضغط على الدولار"، وتمثل سبباً إضافياً لأي مستثمر عقلاني لإعادة النظر في وضع أمواله في بيئة تتسم بمخاطر تشغيلية وسياسية متزايدة. وكما أوضح كريس سيكلونا من "دايوا كابيتال ماركتس"، فإن مديري الأصول يحرصون الآن على مواصلة تنويع محافظهم بعيداً عن الولايات المتحدة، انطلاقاً من شعور متزايد بأنهم كانوا "يبالغون" في الانكشاف على السوق الأمريكية، وأن الوقت قد حان لتصحيح هذا المسار.
معادلة اقتصادية جديدة
وبالنظر إلى المستقبل، يبدو أن عام 2026 سيكون عاماً مفصلياً في تاريخ النظام النقدي الدولي. التوقعات تشير إلى أن الدولار سيظل تحت ضغوط بيعية مستمرة طالما استمرت الإدارة الأمريكية في نهجها الحالي، وطالما بقي الاحتياطي الفيدرالي تحت حصار الضغوط السياسية. من المرجح أن نشهد مزيداً من الارتفاعات في أسعار الذهب والسلع الأساسية، حيث تتحول هذه الأصول إلى "عملة الأمر الواقع" في عالم يفتقر إلى الثقة في العملات الحكومية المهيمنة.
وبالنسبة لأوروبا وآسيا، فإن التحدي الأكبر سيكمن في كيفية إدارة اقتصاداتها في ظل عملات محلية قوية ورسوم جمركية أمريكية مرتفعة، وهو ما قد يدفع نحو مزيد من التكامل الاقتصادي الإقليمي وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية كمحرك للنمو. إن المعادلة الاقتصادية التي حكمت العالم لعقود، والقائمة على "دولار قوي" و"استهلاك أمريكي شره"، تبدو اليوم وكأنها تتفكك لصالح نظام جديد متعدد الأقطاب، يتسم بالتذبذب العالي، وتنافسية العملات، وعودة الأصول الملموسة لتلعب دور البطولة في حفظ القيمة.
قواعد اللعبة قد تغيرت
في الختام، يمكن القول إن ما يحدث للدولار في بداية 2026 ليس مجرد تقلبات سوقية عابرة، بل هو انعكاس لتحول عميق في "العقد الاجتماعي المالي" بين الولايات المتحدة وبقية العالم. لقد اعتمد العالم طويلاً على الدولار كمرتكز للاستقرار، لكن عندما يصبح مصدر العملة هو نفسه مصدراً للتقلب وعدم اليقين، فإن البحث عن بدائل يصبح مسألة وقت ومصالح.
إن الرابحين في هذه البيئة الجديدة هم من أدركوا مبكراً أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن السياسة في عهد ترامب باتت هي المحرك الأول للسوق، مما يجعل من التحوط بالذهب، وتنويع العملات، ومراقبة المخاطر الجيوسياسية، الاستراتيجية الوحيدة القابلة للنجاح في عالم مالي يغلي بالمتغيرات. وبينما يراقب العالم قرارات الفيدرالي القادمة وتحركات البيت الأبيض، تظل الحقيقة الماثلة أمام الجميع هي أن "أزمة الثقة" في الدولار قد فتحت الباب واسعاً أمام احتمالات اقتصادية جديدة، قد تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية العالمية لسنوات قادمة.