أميركا تتوسع في طباعة الدولار: كيف سيؤثر ذلك على جيوبنا ومحافظنا الاستثمارية؟
Fifreedomtoday
2026-01-18 12:03
في الاقتصاد، هناك قاعدة لا تتغير: المال الذي يأتي بسهولة، يذهب بقيمته. نحن نشهد اليوم مشهداً مكرراً، لكنه يحدث هذه المرة في الكواليس، بعيداً عن ضجيج العناوين الرئيسية المعتادة. الولايات المتحدة عادت لطباعة الدولار «من الهواء» مرة أخرى، وبوتيرة هي الثانية من حيث السرعة في التاريخ الحديث. دعونا نقرأ ما بين السطور، ونفهم القصة الحقيقية خلف هذه الأرقام، وكيف سيؤثر ذلك على جيوبنا ومحافظنا الاستثمارية.
هل الأرقام تكذب؟
لغة الأرقام باردة، لكنها لا تجامل. العام الماضي وحده شهد قفزة في المعروض النقدي (M2 Money Supply) بقيمة 1.7 تريليون دولار، ليدفع الإجمالي إلى مستوى قياسي يقارب 27 تريليون دولار. نحن لم نشهد توسعاً نقدياً بهذه الشراسة منذ ذروة أزمة الوباء. الفارق هذه المرة؟ لا توجد أزمة صحية عالمية نراها بالعين المجردة، بل توجد أزمة مالية يتم «ترقيعها» بالورق المطبوع.
لماذا لا نسمع صوت المطابع؟
في السابق، كان «التيسير الكمي» حدثاً إعلامياً صاخباً. اليوم، ما يحدث هو ما يمكن تسميته بـ «الضخ الصامت». منذ منتصف عام 2023، تم ضخ أكثر من 3.7 تريليون دولار في النظام المالي؛ نحن نتحدث عن أكثر من 100 مليار دولار شهرياً تتدفق بهدوء إلى الودائع البنكية وأسواق المال. هذا التدفق ليس مصمماً ليصل إلى يد المواطن العادي فوراً (على شكل شيكات دعم)، بل ليدعم «السيستم» البنكي ويمنع تصدعه. إنه تدفق غير مرئي للعامل البسيط، لكنه ملموس جداً في أسعار الأصول التي ترفض الهبوط.
هل هي صدفة أم استراتيجية نجاة؟
قبل عامين فقط، كان الحديث كله عن «سحب السيولة» ومحاربة التضخم، وفجأة، وبدون سابق إنذار، فُتحت البوابات على مصراعيها. لماذا؟ الجواب يكمن في السياسة لا في الاقتصاد. مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية (Midterms)، يصبح الهدف الوحيد لصناع القرار هو تأجيل الانهيار الاقتصادي بأي ثمن. الكساد الاقتصادي (Depression) هو الانتحار السياسي لأي إدارة؛ لذا، الحل الأسهل دائماً هو طباعة المزيد من المال لتغطية الديون وتأجيل المشكلة للمستقبل. إنها ليست صدفة، إنها استراتيجية «شراء الوقت».
ماذا يعني هذا لمحفظتك الاستثمارية؟
عندما تزيد كمية الأوراق النقدية التي تطارد نفس العدد من السلع والأصول، فالنتيجة الحتمية هي ارتفاع الأسعار؛ ليس لأن قيمة الأصول زادت، بل لأن قيمة العملة التي تشتري بها قد انخفضت.
الكاش (النقد): الاحتفاظ بالكاش في ظل هذا التوسع النقدي هو نزيف صامت لقوتك الشرائية.
الأصول (الأسهم، الذهب، البيتكوين): تاريخياً، هذه الأصول هي المستفيد الأكبر من توسع المعروض النقدي M2. هي لا ترتفع بالضرورة، بل العملة هي التي تنخفض أمامها.
الخاتمة: الدرس الذي يجب أن نتعلمه
يتمتع النظام المالي الحديث بطبيعة تضخمية تجعل من الصعب إيقاف وتيرة طباعة النقد أو تغيير السياسات النقدية للدول الكبرى، وهو ما يفرض واقعاً اقتصادياً يتطلب التكيف معه. وفي هذا المشهد، يتجه الوعي المالي نحو تفضيل امتلاك الأصول التي يصعب إصدارها أو مضاعفتها بقرارات سياسية، بدلاً من الاعتماد الكلي على العملات الورقية المعرضة للانخفاض. فالتاريخ الاقتصادي يُثبت أن الأزمات لا تؤدي لضياع الثروات بقدر ما تؤدي إلى إعادة توزيعها، حيث تنتقل القيمة دائماً من الفئات «الأقل استعداداً» إلى الفئات «الأكثر استشرافاً» لمتغيرات السوق.