أسواق النفط تستوعب صدمة الحرب

فيما تتراجع هوامش المناورة

صندوق النقد الدولي

2026-07-28 04:54

بقلم: جون-مارك ناتال، عظيم صادقوف

حال تراجع الطلب وزيادة الإنتاج والسحب من المخزون دون المزيد من الارتفاع في الأسعار. ولكن سرعة تعافي الإمدادات شرط أساسي لتجنيب الاقتصاد العالمي المزيد من الضرر.

كان من المفترض أن يؤدي أكبر اضطراب شهدته سوق النفط العالمية منذ عقود إلى قفزة حادة في الأسعار. ولكن عقب الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط الخام مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، سرعان ما استقرت ضمن نطاق تراوح بين 90 و100 دولار للبرميل، وهو مستوى أدنى بكثير مما كان يخشاه كثيرون. فما الذي جنب الأسواق قفزة سعرية أكبر؟ الإجابة تكمن في مجموعة من العوامل التي ساهمت في امتصاص الصدمة الأولية، وإن كان قسطا كبيرا من هوامش المناورة قد استنفد بالفعل.

وهناك طائفة كبيرة من الأسباب التي كان من الممكن أن تفضي إلى قفزة مؤلمة في أسعار النفط. فقد أدت الحرب فعليا إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ما حجب عن الأسواق نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي. وأعاد المنتجون في منطقة الخليج توجيه أكبر قدر ممكن من الإمدادات. فأرسلت المملكة العربية السعودية النفط عبر خط أنابيبها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما دفعت الإمارات العربية المتحدة بميناء الفجيرة، الواقع خارج المضيق، إلى حدود طاقته الاستيعابية القصوى تقريبا. ومع ذلك، لم تعوض هذه المسارات البديلة سوى جزء يسير من الإمدادات التي فقدتها الأسواق نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وبخلاف النفط الخام، شهد إنتاج المنتجات المكررة تراجعا ملحوظا في منطقة الخليج، وكان التأثير أشد وطأة على منتجات الديزل ووقود الطائرات التي تستحوذ المنطقة على نحو 10% من إمداداتها العالمية.

 {img_1}

وبحلول نهاية مايو، كانت الأسواق قد فقدت أكثر من 1,1 مليار برميل من إمدادات النفط الخام، أي ما يعادل نحو 10 أيام من الاستهلاك العالمي المعتاد. وقد فاق هذا العجز المستويات المسجلة في المرحلة ذاتها من صدمة النفط عام 1973، والحرب العراقية-الإيرانية، وحرب الخليج.

 {img_2}

امتصاص الصدمة عبر ثلاث قنوات

كيف نجح النظام العالمي في امتصاص اضطرابات بهذا الحجم؟ في الأيام السابقة للحرب، تجاوز المعروض مستوى الطلب بنحو مليوني برميل يوميا، مما شكل خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمة. وخلال الفترة من مارس إلى مايو، ساعدت ثلاثة عوامل في سد الفجوة:

كان انكماش الطلب هو العامل الأهم على الإطلاق، ولا سيما في آسيا، إذ أدى ارتفاع الأسعار إلى خفض الاستهلاك ولجوء الاقتصادات إلى بدائل مثل الفحم والطاقة المتجددة. غير أن الطلب على النقل ظل أكثر استقرارا، مما يعزى جزئيا إلى سقوف أسعار الوقود وإعانات الدعم والخصومات الضريبية التي ساهمت في احتواء الأثر، ولكن على حساب المالية العامة.

وخارج منطقة الخليج، تجاوز الإنتاج التوقعات، حيث ارتفع بما يقارب مليوني برميل يوميا عن مستوياته في عام 2025. وجاءت الولايات المتحدة في الصدارة، مع ارتفاع الإنتاج في فنزويلا وغيانا وروسيا أيضا.

واحتوت المخزونات ما تبقى من تأثير الصدمة. فقد أمكن سد العجز السوقي، المقدر بنحو 4 ملايين برميل يوميا في الفترة من مارس إلى مايو، بالكامل تقريبا من خلال السحب من المخزونات العالمية، بما في ذلك المخزونات التجارية في الصين والاحتياطيات الاستراتيجية.

 {img_3}

التعافي لن يكون فوريا

قبل التصعيد الأخير في التوترات، أدى الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إعادة فتح المضيق إلى هبوط حاد في الأسعار، مدفوعا في المقام الأول باحتمالية عودة النفط العالق على متن الناقلات في الخليج إلى الأسواق سريعا. ومع ذلك، لا يزال عدم اليقين يهيمن على الآفاق، بما في ذلك الإطار الزمني المتوقع لاستعادة حرية الملاحة فعليا عبر أهم نقطة اختناق نفطية في العالم، ومدى سرعة تعافي حركة الشحن والتأمين واستعادة ثقة الشركات لاحقا.

وتشير تقديرات القطاع إلى أن استئناف حصة كبيرة من تدفقات النفط بعد إعادة فتح الممر المائي بالكامل سيستغرق من شهرين إلى ثلاثة أشهر. وعلى المدى الأطول، هناك مخاوف من أن توقف الإنتاج لفترة مطولة قد يؤدي إلى خسائر دائمة في الناتج، لا سيما في البلدان التي تفتقر إلى التمويل اللازم لإعادة تشغيل الآبار.

ومتى بدأ تعافي المعروض، لن يتسنى سد العجز النفطي إلا تدريجيا، مما سيؤدي إلى تراجع المخزونات قرب الحدود الدنيا التشغيلية، أي المستوى الذي يصعب دونه على المنظومة المادية مواصلة عملها بكفاءة.

دروس لصناع السياسات

لا تزال صدمات الطاقة مؤلمة. وقد أمكن احتواء وقع الصدمة الأولي هذه المرة بفضل هامش المناورة الذي أتيح لأسواق الطاقة. غير أن هذا الحيز تضاءل بالفعل مع تجدد التوترات في مضيق هرمز، ويواصل انحساره في ظل استخدام الطاقة الفائضة وانكماش الطلب والسحب من المخزونات. وما لم يعاد بناء هذه المخزونات، سيجد العالم نفسه في موقع أكثر ضعفا عند مواجهة الصدمة التالية.

وتبرز ثلاثة دروس يمكن لصناع السياسات الاستفادة منها:

المخزونات مهمة. وإعادة بنائها أمر ضروري للاستعداد للصدمات المستقبلية.

الاعتماد على نقطة اختناق واحدة يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر عديدة. وتنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك مصادر الطاقة المتجددة، لا يقل أهمية عن تنويع مسارات الإمداد.

الدعم المقدم للمستهلكين ينبغي أن يكون مؤقتا وموجها إلى الفئات الأكثر احتياجا لحماية الموازنات الحكومية والحفاظ على الإشارات السعرية التي تشجع على توفير الطاقة وكفاءة استخدامها.

وقد أتاحت مرونة أسواق الطاقة وسرعة استجابة السياسات مهلة كافية للاقتصاد العالمي للتكيف مع التطورات. ومن شأن التوصل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران أن يهيئ الفرصة لاستعادة الإمدادات. غير أنه لا تزال هناك حاجة ماسة إلى جهود مكثفة لتعزيز صلابة إمدادات الطاقة وتنويعها ومنع صدمات النفط من زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.

https://www.imf.org/

ذات صلة

زيارة الأربعين وتجليات الهداية الإنسانيةالزائرين المشاة ورسالة التغيير عند أبواب الحكامالعراق يحتاج إلى ثورة فكر قبل ثورة إجراءاتهل تؤدي موجة مكافحة الفساد الحالية إلى الإصلاح السياسي في العراق؟بين السلطوية والتساهل: كيف تبني المرونة التربوية الواعية صلابة الأبناء النفسية؟