الأمن والاقتصاد في العراق.. هشاشة مزدوجة

حامد عبد الحسين الجبوري

2026-07-16 04:42

توجد علاقة وثيقة بين الأمن والاقتصاد؛ إذ يرتبط كل منهما بالآخر بعلاقة تأثير متبادل وبدرجات متفاوتة. حيث يسير الاقتصاد بشكل انسيابي كلما كان الأمن راسخًا ومستدامًا، بينما يكون متعثرًا حينما يكون الأمن هشًا ومتذبذبًا. وفي المقابل، يصبح الأمن أكثر هشاشةً وتذبذبًا حينما يكون الاقتصاد ضعيفًا وغير قادر على تلبية الحاجات المجتمعية والأمنية.

ينطلق المقال من فرضية مفادها أن ضعف المؤسسات الأمنية والاقتصادية يؤدي إلى حالة من الهشاشة المتبادلة تؤثر على الأمن والاقتصاد معًا. ورغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات الأمنية في العراق، فإن ذلك لم ينعكس بصورة واضحة على الأداء الاقتصادي.

فلماذا لم تنعكس هذه المؤشرات إلى واقع اقتصادي أفضل؟

سيتم تناول هذا الموضوع وفق النقاط الآتية:

أولًا: هشاشة الاقتصاد العراقي

تُفصح الأرقام النفطية أن العراق يمتلك احتياطيات كبيرة من النفط الخام تُقدر بـ140 مليار برميل، وينتج 3.77 مليون برميل يوميًا، ويصدّر 3.26 مليون برميل يوميًا في المتوسط عام 2025 [i].

هذه الأرقام النفطية، بالتزامن مع ضعف المؤسساتية، أدت إلى هيمنة القطاع النفطي على الاقتصاد العراقي، كما هو واضح في المؤشرات أدناه:

حيث يشكل قطاع التعدين والمقالع، النفط، ما نسبته 32% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، وما نسبته 50.7% بالأسعار الجارية للفصل الثاني عام 2025 [ii].

كما شكلت الإيرادات النفطية، الفعلية، ما نسبته 88% مقابل 12% للإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات للموازنة الاتحادية لغاية شهر كانون الأول من عام 2025 [iii].

ولم تقل نسبة مساهمة صادرات النفط الخام عن 90% مقابل 10% للصادرات الأخرى من الصادرات الإجمالية للفصل الثاني من عام 2025 [iv].

وتجب الإشارة إلى أن فرص العمل مرتبطة بشكل أو بآخر بالنفط عبر الإنفاق العام بشقيه الجاري والاستثماري، حيث إن انخفاض الإيرادات النفطية سيؤدي إلى تخفيض الإنفاق العام، وهذا ما يقلل الطلب وانخفاض فرص العمل وزيادة البطالة.

إذ تقوم الدولة ببيع النفط وتوزع إيراداته على الإنفاق الجاري بنسبة 84% وعلى الإنفاق الاستثماري بنسبة 16% من الإنفاق العام عام 2025 [v].

وهكذا فإن هيمنة النفط على الناتج والإيرادات والصادرات والعمل، مع ضعف المؤسساتية، جعلت الاقتصاد العراقي اقتصادًا ريعيًا هشًا.

ثانيًا: الأمن الهش

يُعرف الأمن الهش بالحالة التي تفقد فيها الدولة القدرة على أداء وظائفها الأمنية الأساسية، وفي مقدمتها حماية أمن المواطنين واحتكار استخدام العنف وفرض سيادة القانون.

هناك العديد من المؤشرات التي تشير إلى الأمن الهش في العراق، ويمكن الإشارة لبعضها في الآتي:

1- مؤشر السلام العالمي

حيث يحتل العراق المرتبة 147 من أصل 163 دولة عام 2025 في مؤشر السلام العالمي [vi]، الذي يتكون من ثلاثة مجالات رئيسة، وهي:

الأول: النزاع المحلي والدولي المستمر، أي مدى انخراط الدولة في نزاعات داخلية وخارجية وحجمها ومدتها ودور الدولة فيها.

الثاني: السلامة والأمن المجتمعي، أي مدى شعور الأفراد بالأمان داخل المجتمع.

الثالث: التسلح والعسكرة، ويقيس مدى تسلح الدولة وعلاقة ذلك بمستوى السلام.

2- مؤشر الدول الهشة

يُقصد بالدولة الهشة الحالة التي تفقد الدولة فيها احتكار القوة، وتتآكل السلطة المشروعة، وعدم القدرة على تقديم خدمات عامة، وضعف القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى.

ورغم التحسن الكبير الذي حصل في مؤشر الدول الهشة من المرتبة الرابعة عالميًا عام 2006 إلى المرتبة 31 عام 2024 من بين 179 دولة [vii]، فإنه لا يزال ضمن المربع الأول في هذا المؤشر.

هذا الترتيب يعطي صورة سلبية عن العراق، مما يضعف جاذبيته للاستثمار والتأثير سلبًا على أداء الاقتصاد. لأن وقوع العراق في المربع الأول يعني ضعف مؤشرات التماسك، جهاز الأمن، النخب المنقسمة، استياء الجماعات، والمؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتعقّد بيئة الاستثمار أخيرًا بدلًا من جاذبيتها.

3- مؤشر مدركات الفساد

رغم تركيزه على الفساد، فإنه يُعد مؤشرًا رئيسًا لهشاشة الأمن، حيث إن غياب المساءلة والمحسوبية يُضعفان مؤسسات الدولة الأمنية، ويجعلانها أداة للتوظيف السياسي بدلًا من حماية المواطنين.

ورغم تحسن ترتيب العراق في مؤشر مدركات الفساد من 171 من أصل 175 دولة عام 2013 إلى 136 من أصل 181 عام 2025 [viii]، فإنه لا يزال ضمن المربع الأول.

ولا يُستبعد أن يكون جزء من هذا التحسن هو نتيجة لسوء درجات الدول الأخرى وليس تحسنًا حقيقيًا، وذلك بحكم ملاحظة الواقع المتمثل في تعقد بيئة الاستثمار لا جاذبيتها.

إذ لم تتم مساءلة ومحاسبة مرتكبي أو من كانوا سببًا لكثير من القضايا، ومن أبرزها سقوط الموصل، وتفجير مراقد الأئمة (ع)، وقتلة المتظاهرين، واستهداف الناشطين والإعلاميين وغيرهم.

ثالثًا: الأمن والاقتصاد في العراق

اتضح أعلاه أن الاقتصاد هش والأمن أيضًا، مما يعني أن كلًا منهما يغذي الآخر بالهشاشة.

بمعنى أن أي ضربة يتعرض لها الأمن تنتقل بشكل تلقائي إلى الاقتصاد، كما أن أي ضربة يتعرض لها الاقتصاد تنتقل بشكل أو بآخر إلى الأمن أيضًا.

حيث يؤثر الأمن في الاقتصاد من خلال ثلاث قنوات:

الأولى: التوقعات؛ الأمن الهش يجعل المستثمرين يتوقعون أن استثماراتهم ستكون عرضة للمخاطر فيحجمون عن الاستثمار.

الثانية: التكاليف؛ لأجل أن يحافظ المستثمرون على أعمالهم القائمة، سيضطرون إلى إضافة تكاليف الأمن، وهذا يقلل أرباحهم ويقلل حافزهم على التوسع.

الثالثة: الهروب؛ إن المستثمر لا يرغب بتعطيل أمواله، وبنفس الوقت لا يريد أن يخاطر بها في بيئة غير آمنة، فيضطر إلى نقل رؤوس أمواله أو استثماراته إلى بيئات أكثر استقرارًا وأقل مخاطرةً.

تجب الإشارة إلى أن استقرار البيئة الاقتصادية لا يرتبط بغياب العنف فقط، بل بوجود مؤسسات قادرة على فرض القانون بصورة مهنية ومستقرة.

فالمستثمر يهتم بوجود مؤسسات يمكن التنبؤ بسلوكها وقراراتها؛ لأن ارتفاع حالة عدم اليقين المؤسسي ينعكس سلبًا على قرارات الاستثمار طويلة الأمد.

ولأجل معالجة الهشاشة الاقتصادية والأمنية، لا بد من معالجة الأمرين كحزمة واحدة، أي العمل على تقوية الاقتصاد من جانب، وتقوية الأمن من جانب آخر، وكلاهما سيصبان في ذات الهدف.

تقوية الاقتصاد

إن تقوية الاقتصاد تتطلب العمل على تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط بحد ذاته، وتوظيف الإيرادات النفطية بما يسهم في تحسين البنية التحتية ومكافحة الفساد بشكل حقيقي. لأن سوء البنية التحتية وانتشار الفساد يمثلان أبرز التحديات التي تقف عائقًا أمام فاعلية القطاع الخاص في الاقتصاد العراقي.

أي لا بد من فتح الباب أمام القطاع الخاص من خلال معالجة هذه التحديات، مع استمرار إشراف الدولة لضمان عدم انفلات القطاع الخاص والإضرار بالمجتمع.

تقوية الأمن

إن تقوية الأمن تتطلب استقلال الأجهزة الأمنية من ناحية لمنع توظيفها سياسيًا، والعمل على تنظيمها في هيكلية واضحة وتحديد أهدافها ومهامها لمنع تضارب قراراتها وصلاحياتها، والعمل بالنافذة الأمنية الواحدة التي تُعنى بتوحيد الإجراءات الأمنية المتعلقة بالمستثمر والمواطن ضمن جهة تنسيقية واحدة.

لأن فقدان استقلالية الأجهزة الأمنية يعني عدم قدرتها على تحقيق أهدافها بشكل مهني، كما أن عدم تنظيمها بهيكلية واضحة يعني استمرار تضارب الصلاحيات والقرارات، وعدم وجود نافذة واحدة، وسوء بيئة الاستثمار أخيرًا.

ولمنع انحراف الأجهزة الأمنية، ينبغي أن تخضع للدستور والقانون والرقابة البرلمانية والقضائية.

تجارب

تشير التجارب إلى أن الشرطة في كندا لا تُعد فرعًا من فروع الحكومة. ففي مقاطعة أونتاريو يتم تعيين ضباط الشرطة من قبل لجان شرطة عامة وليس من قبل الحكومة. هذا الاستقلال يصل إلى درجة أن الشرطة ترفض تنفيذ أوامر الحكومة إذا رأت أنها تخالف أوامر الميثاق الكندي للحقوق والحريات.

فعلى سبيل المثال، خلال وباء كورونا، أصدرت حكومة أونتاريو أمرًا يقيد سفر السكان، لكن الشرطة ظلت تتمتع بهامش مهني يسمح لها بالاحتكام إلى الميثاق الدستوري والقانوني في تنفيذ الأوامر [ix]، مما يعني أن الولاء الأول للشرطة في كندا للدستور والقانون وليس للحكومة.

المملكة المتحدة: يحقق المكتب المستقل لسلوك الشرطة في الشكاوى والادعاءات المتعلقة بسوء السلوك ضد الشرطة، إذ يعمل بشكل مستقل عن الشرطة لضمان الشفافية.

الولايات المتحدة: العديد من المدن الأميركية لديها لجان مراجعة مدنية تقوم بالإشراف والتحقيق في الشكاوى ضد الشرطة. وتتكون هذه اللجان من أعضاء وخبراء من المجتمع الذين يراجعون حالات سوء سلوك الشرطة المزعوم [x].

وبناءً على ما سبق، ولأجل معالجة الهشاشة المزدوجة وتقوية الأمن والاقتصاد، لا بد من العمل على مجموعة نقاط:

1- إصدار تشريع يضمن استقلالية الأجهزة الأمنية عن السلطة التنفيذية، وتكون مسؤولة أمام البرلمان والقضاء وفق الدستور والقانون، وتجريم التدخل الحزبي في عملها مع تعزيز عنصر الشفافية.

2- تنظيم هيكلية الأجهزة الأمنية المتعددة في هيكلية موحدة، وتوضيح أهداف ومهام وصلاحيات كل واحدة منها لمنع تضارب الصلاحيات، وفتح نافذة أمنية واحدة لتبسيط الإجراءات.

3- تحسين واقع البنية التحتية كونها تمثل أحد العناصر المهمة لتشجيع القطاع الخاص على ممارسة أعماله الاقتصادية.

4- مكافحة الفساد بشكل حقيقي؛ لأن الفساد يمثل عقبة أمام انطلاق الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

5- العمل على تنويع الاقتصاد العراقي من خلال وضع سياسات اقتصادية تحفز القطاعات الاقتصادية الأخرى.

بدون العمل على هذه الإجراءات، سيبقى الاقتصاد عرضة للهشاشة الريعية، وستبقى الأجهزة الأمنية عرضة للتأثيرات السياسية، وستستمر حلقة تغذية كل منهما للآخر.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2026

www.fcdrs.com

.............................................

المصادر:

[i] - موقع منظمة أوبك، متاح على الرابط أدناه:

OPEC Digital Publications - Annual Statistical Bulletin

[ii] - البنك المركزي العراقي، التقرير الاقتصادي للفصل الثاني 2025، ص3-4. متاح على الرابط أدناه:

[https://cbi.iq/static/uploads/up/file-17707110877882.pdf](https://cbi.iq/static/uploads/up/file-17707110877882.pdf)

[iii] - وزارة المالية، حساب الدولة لغاية شهر كانون الأول 2025 للموازنة الاتحادية، متاح على الرابط أدناه:

[https://mof.gov.iq/Budget-implementation-Archive.aspx](https://mof.gov.iq/Budget-implementation-Archive.aspx)

[iv] - البنك المركزي العراقي، مصدر سابق، ص25.

[v] - تم استخراج النسبة بالاعتماد على وزارة المالية، مصدر سابق.

[vi] - Institute for Economics & Peace, Global Peace Index 2025, p9.

متاح على الرابط أدناه:

[https://www.economicsandpeace.org/reports/](https://www.economicsandpeace.org/reports/)

[vii] - Fund for Peace, Fragile States Index 2024.

متاح على الرابط أدناه:

[https://fragilestatesindex.org/frequently-asked-questions/what-does-state-fragility-mean/](https://fragilestatesindex.org/frequently-asked-questions/what-does-state-fragility-mean/)

[viii] - Transparency International, Corruption Perceptions Index 2025.

متاح على الرابط أدناه:

[https://www.transparency.org/en/countries/iraq](https://www.transparency.org/en/countries/iraq)

[ix] - لاو دونغيان، الحديث عن مبدأ استقلال الشرطة في الدول ذات القانون العام، مقال منشور على موقع شبكة المعلومات القانونية في جامعة بكين، تمت ترجمته بواسطة غوغل. متاح على الرابط أدناه:

[https://article.chinalawinfo.com/ArticleFullText.aspx?ArticleId=126802](https://article.chinalawinfo.com/ArticleFullText.aspx?ArticleId=126802)

[x] - روكان الدين، إصلاح الشرطة: دروس من الدول المتقدمة، مقال تمت ترجمته بواسطة غوغل، منشور على الموقع أدناه:

[https://newagebd.net/post/opinion/245920/reforming-the-police-lessons-from-developed-nations](https://newagebd.net/post/opinion/245920/reforming-the-police-lessons-from-developed-nations)

ذات صلة

الزواج بوصفه رسالة حضاريةقراءة في المناهج التربوية المستقاة من سيرة الإمام الحسين (ع)هل خسرت طهران ورقة مضيق هرمز؟الزيدي في واشنطن: استحقاق الشفافية الوطنية وسط عواصف الشرق الأوسط الجديدمن ذاكرة الألم إلى هوية النجاح