الاقتصاد العراقي بين الأزمات الإقليمية والاختلالات البنيوية

علي سامي فالح

2026-07-11 04:48

في كل مرة تشهد المنطقة توترًا سياسيًا أو أزمة اقتصادية عالمية، يتجه التركيز نحو الاقتصاد العراقي الذي يُعد من أكثر الاقتصادات تعرضًا لتبعات العوامل الخارجية. ويرجع هذا الأمر إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية، مما يجعله سريع التأثر بالتغيرات الدولية على المالية العامة وسوق الصرف ومستويات النشاط الاقتصادي.

غير أن تقليص المشكلة إلى مجرد تأثيرات خارجية يفتقد لدقة التشخيص لما يواجهه الاقتصاد العراقي. فمعظم الدول تتأثر بالتوترات السياسية والأزمات المالية العالمية، إلا أن درجة التأثير تتفاوت وفقًا لقوة ومرونة اقتصاداتها. ومن هنا يبرز التساؤل المهم: لماذا يكون تأثير الأزمات أكبر على الاقتصاد العراقي مقارنة باقتصادات أخرى تمتلك ذات الموارد أو حتى أقل منها؟

تكمن الإجابة في العوامل الداخلية قبل النظر إلى العوامل الخارجية. فما زال الاقتصاد العراقي يعاني من اختلالات هيكلية متراكمة على مدار عقود، أبرزها ضعف التنويع الاقتصادي وهيمنة القطاع العام والاعتماد المطلق على النفط في الميزانية العامة. كما تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعل أي انخفاض في أسعار النفط أو اضطراب في الأسواق العالمية يتحول بسرعة إلى تحدٍ مالي يؤثر على الإنفاق الحكومي وفرص الاستثمار والعمل.

ورغم أن ارتفاع أسعار النفط في السنوات الماضية أوجد للحكومة فسحة مالية مفيدة، إلا أنها لم تُستخدم بكفاءة لإعادة هيكلة الاقتصاد أو بناء قاعدة إنتاجية تقلل الاعتماد على النفط. ولا تزال قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الحديثة تحتل نسبًا ضئيلة مقابل الإمكانات التي يمتلكها العراق، مما يجعل الاقتصاد متوقفًا في دورة من الانتعاش المؤقت عند ارتفاع أسعار النفط وضغوط مالية عند تراجعها.

التطورات الإقليمية الأخيرة تكشف عن حقيقة أخرى بالغة الأهمية تتمثل في أن الموقع الجغرافي للعراق يمثل إمكانيات اقتصادية كبرى بقدر ما يمثل تحديات سياسية. فبموقعه الاستراتيجي في قلب شبكة من الممرات التجارية وطرق الطاقة، يتمتع العراق بإمكانية التحول إلى مركز لوجستي يربط بين الخليج وتركيا وأوروبا. بيد أن استفادة العراق من هذه الإمكانيات تتطلب وجود بيئة استثمار مستقرة، ومؤسسات اقتصادية قوية، وسياسات واضحة تمنح المستثمرين الثقة في الإدارة الفعالة للمشاريع الاستراتيجية بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

مشروع طريق التنمية يُعد فرصة تاريخية ينبغي التخطيط له بشكل متكامل مع خطط تطوير القطاع الصناعي والمناطق الاقتصادية الخاصة والخدمات اللوجستية. أما إذا تم التعامل معه كمشروع نقل فقط، فإنه لن يحقق التحول الاقتصادي المرجو، مهما بلغت كلفته الاستثمارية.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال أهمية الحوكمة الاقتصادية لتحقيق تنمية ثابتة وقادرة على مجابهة الأزمات. فالنجاح يتطلب أكثر من مجرد زيادة الإنفاق العام، بل يحتاج إدارة كفؤة للموارد، وتوضيح التشريعات، واستقرار السياسات، ومكافحة الفساد، وتطوير النظام المصرفي، وتحسين بيئة الأعمال. هذه الملفات أصبحت أكثر إلحاحًا اليوم لأنها تشكل الأساس لثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

إعادة ترتيب أولويات السياسة الاقتصادية تصبح ضرورة مُلحة، حيث لم يعد التركيز على تعظيم الإيرادات النفطية كافيًا في عالم يتوجه نحو التحولات في مصادر الطاقة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة. ويتعين أن يشمل الاستثمار في رأس المال البشري وتحفيز الابتكار ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتطوير التعليم التقني والمهني جزءًا من رؤية اقتصادية طويلة الأمد.

بوجهة نظري، التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد العراقي ليس نقص الموارد بل غياب استراتيجية اقتصادية مستقرة. تتغير السياسات الاقتصادية مع كل تغيير حكومي، بينما تحتاج التنمية إلى رؤية تمتد لعقود وتتفق عليها مؤسسات الدولة وتلتزم بتنفيذها بعيدًا عن المتغيرات السياسية.

تجارب الدول المختلفة أثبتت أن الاقتصادات القوية ليست تلك التي لا تواجه الأزمات، بل تلك القادرة على امتصاص الصدمات والتكيف معها. العراق يمتلك من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والطاقات البشرية ما يؤهله ليكون اقتصادًا مؤثرًا إقليميًا. لكن هذا لن يتحقق إلا بانتقال السياسة الاقتصادية نحو إدارة التنمية بدلًا من إدارة الإيرادات ومعالجة الأزمات استباقيًا لبناء اقتصاد قادر على تفادي آثارها المتفاقمة.

التهديدات الإقليمية ستظل جزءًا لا يتجزأ من الواقع الجيوسياسي المحيط بالعراق. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التهديدات من كونها مصدرًا للمخاطر إلى دافع للإصلاح الاقتصادي. يعلّمنا التاريخ الاقتصادي أن الدول التي حققت النجاح لم تكن بالضرورة تلك التي واجهت أزمات أقل، بل كانت الأكثر استعدادًا لمواجهتها والأفضل في تحويلها إلى فرص للانطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة.

* مدرس مساعد وباحث في الاقتصاد والتخطيط الاقتصادي

ذات صلة

الشِرك بثوبٍ جديد!وظيفة الدولة في عصر التحول الرقمي.. قراءة في الحالة العراقيةالإمام السجاد (ع) وإدارة المرحلة الأخطر في تاريخ الأمة الإسلاميةالنهي عن معاداة الآخرين في كلام الإمام السجاد (ع)في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف