الإيجابيات الخاطئة وهندسة الخداع في القرار الاقتصادي العراقي

اماني بركان

2026-07-11 04:37

على مدى عقود طويلة، عانى الاقتصاد العراقي من أزمة حادة وعميقة في جوهر صناعة القرار الإستراتيجي؛ وهي أزمة لا تعود لقلة الموارد أو انعدام السيولة، بل تنبع مباشرة من عقلية الإدارة المالية والمؤسساتية التي اعتمدت في تقييماتها وتقاريرها الرسمية على انحيازات بشرية وتخمينات محكومة بالانطباعات اللحظية العابرة.

بدلاً من تفكيك البيانات بناءً على احتمالات واقعية رصينة، جرى توجيه السياسات الاقتصادية العامة عبر حدس بشري ينبهر بالصعود المؤقت والمفاجئ لأسعار النفط في الأسواق العالمية، ويتجاهل في الوقت نفسه الأخطار الهيكلية الصامتة التي تنخر في جسد الدولة اليومي. 

إن هذا الخلل الفكري قادنا إلى الوقوع في فخ ما يمكن تسميته "الإيجابيات الخاطئة"، وهي المؤشرات المضللة التي توحي بالاستقرار والأمان بينما يتحرك الواقع الفعلي نحو منحدر مالي خطير.

أولاً: وهم الطفرات المؤقتة وثقب النفقات التشغيلية

تُعرَّف الإشارة الإيجابية الخاطئة في واقعنا المحلي بأنها الطفرة المالية المؤقتة التي تضلل صانع القرار، وتدفعه للاعتقاد بأن الاقتصاد الوطني قد دخل مرحلة التعافي والنمو، في حين أن العمق الهيكلي ينذر بكارثة حتمية. تمثل هذا الوهم بوضوح في طريقة تعامل الموازنات العامة مع الارتفاعات المفاجئة لأسعار النفط الناجمة عن الأزمات الجيوسياسية الدولية؛ إذ تسارع الجهات التخطيطية فوراً إلى إعطاء وزن زائد لهذه الطفرات العابرة، وتصنيفها كوفرة مستدامة.

هذا التأطير شديد الخطورة قاد الدولة تاريخياً—ويقودها الآن في موازناتها الثلاثية الطموحة—إلى:

توسيع النفقات الاستهلاكية والتشغيلية على حساب الاستثمار الحقيقي.

تضخيم الكادر الوظيفي الحكومي غير المنتج بشكل مرعب.

تحويل البند التشغيلي إلى ثقب أسود يبتلع جل الإيرادات العامة.

هذا الاسترخاء المالي الخادع يعمي العيون والضمائر عن التآكل الصامت للقوة الشرائية للمواطن، وعن الغياب الكامل للإنتاج الحقيقي في شتى القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة. إن الموظف والمؤسسة ينخدعون بالرقم المطلق للمكاسب والرواتب المؤقتة، غافلين عن حقيقة أن فترات الانتظار الشهري لاستلام الأجور في بيئة اقتصادية راكدة، وفي ظل تقلبات هيكلية تواجه سوق الصرف والامتثال المالي الدولي الصارم، تعني في المنظور الرياضي ضياعاً مستمراً للقيمة الزمنية للنقود، وتآكلاً مستنزفاً لأصول الدولة الصافية ومستقبل أجيالها القادمة.

ثانياً: حتمية الانهيار وتكرار سيناريوهات الصدمة

والنتيجة الحتمية لبناء السياسات على هذه التقارير المنحازة هي الانهيار الحقيقي؛ وهو الصدمة القاسية التي تقع بغتة في الوعي الجمعي والمشهد العام، رغم أنها كانت تراكمية وواضحة جداً في البيانات الصامتة لمن يجيد قراءتها. إن الذاكرة القريبة للاقتصاد العراقي ما تزال تحتفظ بمرارة الصدمات المالية لعامي 2014 و2020، حين انهار سقف الوهم الذي بناه المحللون بمجرد حدوث دورة الهبوط الطبيعية لأسعار النفط.

حينها تحولت الدولة في لمح البصر من نشوة الوفورات إلى ذعر العجز المالي الحاد، وبدأت برحلة البحث المضني عن الاقتراض الداخلي والخارجي بفوائد باهظة تستنزف السيادة الوطنية؛ وهو سيناريو يتكرر التلويح به اليوم عند كل اهتزاز لأسعار الخام دون مستوى الـ 80 دولاراً. تقع مؤسساتنا في هذا المنحدر لأنها تبني تقييماتها لأصول الدولة—من مصانع معطلة، وأراضٍ شاسعة، وبنى تحتية متهالكة—على تفاؤل مفرط وحدس سياسي محكوم بالترضيات، دون فلترة الضجيج الإعلامي الذي يرافق المشاريع التجميلية غير الإنتاجية، ودون حساب دقيق لفرص الاستثمار البديلة وضياع الوقت.

ثالثاً: الحل المقترح.. "بروتوكول المعدل الأساسي" كمخرج بنيوي

لمواجهة هندسة الخداع المالي هذه، وتطهير القرار الاقتصادي من عفوية الغريزة البشرية التي تنبهر بالحدث الأخير المشهور، أصبح من الواجب الوطني الملزم إلغاء الحدس التحليلي الشخصي داخل أروقة وزارة المالية والبنك المركزي، واستبداله فوراً بـ "بروتوكول المعدل الأساسي والتاريخي" (قواعد مالية صارمة تشبه النماذج الهيكلية العالمية الناجحة).

يعتمد هذا المقترح الإصلاحي على ركائز واضحة:

1. التجرد الإحصائي: العودة الصارمة إلى التاريخ الإحصائي الصامت للاقتصاد العراقي على مدى عقدين كاملين، وتجريد القرار المالي تماماً من أثر الأخبار البراقة أو الصدمات المؤقتة.

2. التحفظ السعري المرن: منع صياغة الموازنات العامة بناءً على أسعار النفط اللحظية، واعتماد معدل سعري تحفظي شديد المرونة يراعي أوقات الكساد والأزمات السابقة.

3. الصناديق السيادية الآلية: نقل الإيرادات الفائضة تلقائياً وبقوة القانون نحو صناديق استثمارية سيادية مستقلة.

4. الالتزام بالبيانات الكمية: إلزام الخبراء والمحللين بتقديم احتمالات وبيانات كمية مطلقة وصريحة، خالية من الأوصاف التفاؤلية المطاطية والإنشاء الأدبي الذي يغطي على العجز الهيكلي.

إن إدارة الدولة في عالمنا المعاصر تتطلب إطفاء الغرائز القديمة التي تفرح بالسيولة العاجلة، ونقل الاقتصاد العراقي بصورة عاجلة من عشوائية الحدس المحفوف بالانحيازات إلى انضباط النموذج الرياضي المحكم والآلي، الذي يملك مرونة تلقائية لتقليص النفقات غير السيادية، وفصل ثروات البلاد عن يد التجاذبات السياسية، حمايةً لما تبقى من أمن اقتصادي مستدام.

ذات صلة

الشِرك بثوبٍ جديد!وظيفة الدولة في عصر التحول الرقمي.. قراءة في الحالة العراقيةالإمام السجاد (ع) وإدارة المرحلة الأخطر في تاريخ الأمة الإسلاميةالنهي عن معاداة الآخرين في كلام الإمام السجاد (ع)الاقتصاد العراقي بين الأزمات الإقليمية والاختلالات البنيوية