معضلة السجين.. التوازن بين المنافسة والتعاون
شبكة النبأ
2026-02-25 04:49
تستعرض هذه المقالة للكاتب إلفيس بيكاردو، المنشورة في موقع Investopedia، مفهوم "معضلة السجين" بوصفها واحدة من أشهر نماذج "نظرية الألعاب" التي صاغها ألبرت تاكر عام 1950. يوضح من خلالها كيف يمكن للمصلحة الفردية العقلانية أن تؤدي إلى نتائج جماعية غير مثالية، محلاً أبعادها الاستراتيجية وتطبيقاتها الحيوية في مجالات الاقتصاد، والسياسة، ومنافسات الشركات الكبرى مثل كوكاكولا وبيبسي، وصولاً إلى تأثيرها في قراراتنا اليومية كالتفاوض على الرواتب أو شراء سيارة.
النقاط الرئيسية
* توضح معضلة السجين كيف تؤدي الأفعال الأنانية إلى نتائج غير مثالية (دون المستوى).
* التعاون ليس دائماً في مصلحة الفرد في سياق هذه المعضلة.
* في عالم الأعمال، يساعد إدراك معضلة السجين على الموازنة بين المنافسة والتعاون.
* قدم ألبرت تاكر معضلة السجين في عام 1950 كجزء من نظرية الألعاب.
* تبين المعضلة كيف تؤثر القرارات الفردية على نتائج المجموعة ككل.
تُعد معضلة السجين مفارقة فكرية صاغها ميريل فلود وميلفين دريشر في مؤسسة "راند" عام 1950، ثم صاغها رسمياً وأطلق عليها هذا الاسم عالم الرياضيات الكندي ألبرت ويليام تاكر.
توفر معضلة السجين، بشكل أساسي، إطاراً لفهم كيفية تحقيق التوازن بين التعاون والمنافسة، ويمكن أن تكون مفاهيمها أداة مفيدة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، تجد تطبيقاتها في مجالات متنوعة تتراوح بين الأعمال، والتمويل، والاقتصاد، والعلوم السياسية، وصولاً إلى الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الأحياء، وعلم الاجتماع.
شرح معضلة السجين
يسير سيناريو معضلة السجين على النحو التالي: تم القبض على مشتبه بهما في جريمة ما، وهما الآن في غرفتين منفصلتين في قسم الشرطة، ولا توجد وسيلة للتواصل بينهما. وقد أخبر المدعي العام كل واحد منهما بشكل منفصل بما يلي:
1. إذا اعترفت ووافقت على الشهادة ضد المشتبه به الآخر، الذي لا يعترف، فسيتم إسقاط التهم عنك ويُطلق سراحك، بينما يقضي المشتبه به الآخر ثلاث سنوات في السجن.
2. إذا لم تعترف واعترف المشتبه به الآخر، فسيتم إدانتك وتقضي ثلاث سنوات، بينما يخرج هو حراً.
3. إذا اعترف كلاكما، فسيُحكم عليكما بالسجن لمدة عامين.
4. إذا لم يعترف أي منكما، فسيتم اتهامكما بجنح بسيطة ويُحكم عليكما بالسجن لمدة عام واحد.
ماذا يجب أن يفعل المشتبه بهما؟ هذا هو جوهر معضلة السجين.
المبادئ الأساسية لمعضلة السجين
هناك مجموعة من المفاهيم الأساسية التي يجب توافرها لكي تعمل مفارقة معضلة السجين، وتشمل:
* ضرورة وجود لاعبين: يتضمن السيناريو فردين أو كيانين متورطين في موقف مشترك، مثل ارتكاب جريمة معاً أو مواجهة قرار متبادل.
* اتخاذ القرارات في وقت واحد: يتخذ كلا اللاعبين قراريهما دون معرفة اختيار الآخر. ويُعد اتخاذ القرار المتزامن جانباً حاسماً في المعضلة، حيث يجب على كل طرف اتخاذ قراره دون النظر إلى قرار الطرف الآخر.
* وجود مزيج من النتائج: "مصفوفة العوائد" هي جدول يوضح المزيج المحتمل للخيارات التي يتخذها كلا اللاعبين والعوائد أو النتائج المرتبطة بكل منهما. وهي تساعد في تصور عواقب القرارات المختلفة.
* إمكانية التعاون المتبادل أو الخيانة المتبادلة: يمتلك اللاعبون خيار التعاون مع بعضهم البعض (اختيار نتيجة مفيدة للطرفين) أو خيانة بعضهم البعض (اختيار نتيجة تخدم المصلحة الذاتية). ينبع التوتر في معضلة السجين من الصراع بين المصالح الفردية والجماعية.
* لكل لاعب استراتيجية مهيمنة: هذه الاستراتيجية هي الخيار الذي يوفر أفضل نتيجة له بغض النظر عن اختيار اللاعب الآخر. وغالباً ما تكون هذه الاستراتيجية هي الخيار العقلاني للفرد، مما يؤدي إلى نتيجة غير مثالية عندما يتبعها كلا اللاعبين.
* افتراض أن اللاعبين يتخذون قرارات عقلانية: وهذا يعني أن الناس يميلون إلى تعظيم مصلحتهم الذاتية. هذا الافتراض هو جانب أساسي في نظرية الألعاب ونموذج الاختيار العقلاني، لأنه يحرك الصراع بين الخيارات.
تقييم الاستراتيجيات المثالية
لنبدأ ببناء مصفوفة العوائد كما هو موضح في الجدول أدناه. تظهر "العوائد" هنا من حيث مدة عقوبة السجن (يرمز إليها بعلامة السالب؛ فكلما ارتفع الرقم، كان ذلك أفضل). تشير مصطلحات "التعاون" و"الخيانة" (العدول عن التعاون) إلى تعاون المشتبه بهم مع بعضهم البعض (مثل عدم اعتراف أي منهما) أو الخيانة (أي عدم التعاون، وهو حال اعتراف أحدهما دون الآخر). يوضح الرقم الأول في الخلايا من (أ) إلى (د) عوائد المشتبه به (أ)، بينما يوضح الرقم الثاني عوائد المشتبه به (ب).
{img_1}
الاستراتيجية المهيمنة للاعب هي تلك التي تحقق أفضل عائد له بغض النظر عن الاستراتيجيات التي يستخدمها اللاعبون الآخرون. الاستراتيجية المهيمنة هنا هي أن يقوم كل لاعب بالخيانة (أي الاعتراف) لأن الاعتراف سيقلل من متوسط الوقت المقضي في السجن. إليكم النتائج المحتملة:
1. إذا تعاون (أ) و(ب) وصمتا، يحصل كلاهما على عام واحد في السجن (الخلية أ).
2. إذا اعترف (أ) ولم يعترف (ب)، يخرج (أ) حراً ويحصل (ب) على ثلاث سنوات (الخلية ب).
3. إذا لم يعترف (أ) واعترف (ب)، يحصل (أ) على ثلاث سنوات ويخرج (ب) حراً (الخلية ج).
4. إذا اعترف كلا من (أ) و(ب)، يحصل كلاهما على عامين في السجن (الخلية د).
لذا، إذا اعترف (أ)، فإنه إما سيخرج حراً أو يحصل على عامين. لكن إذا لم يعترف، فإنه سيحصل إما على عام واحد أو ثلاث سنوات. ويواجه (ب) نفس المعضلة تماماً.
عواقب معضلة السجين
توضح معضلة السجين ببراعة أنه عندما يسعى كل فرد وراء مصلحته الذاتية، تكون النتيجة أسوأ مما لو تعاونا. في المثال أعلاه، التعاون -حيث يصمت (أ) و(ب) ولا يعترفان- سيجعل المشتبه بهما يحصلان على حكم بالسجن لمدة عام واحد فقط. أما جميع النتائج الأخرى فستؤدي إلى حكم لمدة عامين أو ثلاثة أعوام.
في الواقع، الشخص العقلاني المهتم فقط بالحصول على أقصى فائدة لنفسه سيفضل عموماً الخيانة بدلاً من التعاون. وإذا اختار كلاهما الخيانة بافتراض أن الآخر لن يفعل، فبدلاً من الانتهاء في الخيارين (ب) أو (ج) -كما كان يأمل كل منهما- سينتهي بهما الأمر في الخلية (د) ويقضي كل منهما عامين في السجن.
في مثال السجينين، التعاون مع الآخر يؤدي إلى حكم حتمي لمدة عام واحد، بينما الاعتراف قد يؤدي في أفضل الحالات إلى إطلاق سراحه، وفي أسوأها إلى عامين. ومع ذلك، فإن عدم الاعتراف يحمل خطر التعرض لأقصى عقوبة (ثلاث سنوات) إذا كانت ثقة (أ) في صمت (ب) في غير محلها واعترف (ب) بالفعل (والعكس صحيح).
تتكرر هذه المعضلة، حيث يكون الحافز للخيانة قوياً جداً رغم أن التعاون قد يحقق أفضل النتائج، بطرق عديدة في عالم الأعمال والاقتصاد.
تطبيقات معضلة السجين في عالم الأعمال
يظهر مثال كلاسيكي لمعضلة السجين في العالم الحقيقي عندما يتصارع منافسان في السوق. غالباً ما يكون للعديد من قطاعات الاقتصاد منافسان رئيسيان. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، هناك منافسة شرسة بين كوكاكولا وبيبسي في المشروبات الغازية، و"هوم ديبوت" مقابل "لوز" في مستلزمات البناء. أدت هذه المنافسة إلى العديد من دراسات الحالة في كليات إدارة الأعمال. ومن المنافسات الشرسة الأخرى ستاربكس وتيم هورتنز في كندا، وآبل وسامسونج في قطاع الهواتف المحمولة العالمي.
تخيل حالة كوكاكولا مقابل بيبسي، وافترض أن الأولى تفكر في خفض سعر مشروبها الشهير. إذا فعلت ذلك، فقد لا يكون أمام بيبسي خيار سوى أن تحذو حذوها للحفاظ على حصتها في السوق. قد يؤدي هذا إلى انخفاض كبير في أرباح كلتا الشركتين.
وبالتالي، يمكن تفسير خفض السعر من قبل أي من الشركتين على أنه "خيانة" لأنه يكسر اتفاقاً ضمنياً للحفاظ على الأسعار مرتفعة وتعظيم الأرباح. فإذا خفضت كوكاكولا سعرها واستمرت بيبسي في الحفاظ على أسعار عالية، فإن الأولى تكون قد خانت الاتفاق، بينما تتعاون الثانية (بالالتزام بروح الاتفاق الضمني). في هذا السيناريو، قد تكتسب كوكاكولا حصة سوقية وتحقق أرباحاً إضافية أعلى من خلال بيع المزيد من العبوات.
فهم مصفوفة العوائد في معضلة السجين
لنفترض أن الأرباح الإضافية التي تعود على كوكاكولا وبيبسي هي كما يلي:
* إذا حافظ كلاهما على أسعار مرتفعة، تزيد أرباح كل شركة بمقدار 500 مليون دولار (بسبب النمو الطبيعي في الطلب).
* إذا خفضت إحداهما الأسعار (خيانة) ولم تفعل الأخرى (تعاون)، تزيد أرباح الأولى بمقدار 750 مليون دولار بسبب زيادة الحصة السوقية، وتظل أرباح الثانية دون تغيير.
* إذا خفضت كلتا الشركتين الأسعار، فإن الزيادة في استهلاك المشروبات الغازية تعوض السعر المنخفض، وتزيد أرباح كل شركة بمقدار 250 مليون دولار.
{img_2}
هناك أمثلة أخرى شائعة لمعضلة السجين في مجالات مثل تطوير المنتجات الجديدة أو التكنولوجيا، أو نفقات الإعلان والتسويق. فإذا اتفقت شركتان ضمناً على ترك ميزانيات الإعلانات دون تغيير، فقد يظل صافي دخلهما عند مستويات مرتفعة. ولكن إذا خانت إحداهما وزادت ميزانيتها، فقد تحقق أرباحاً أكبر على حساب الشركة الأخرى. أما إذا رفعت كلتا الشركتين ميزانيتيهما، فقد تلغي جهود الإعلان بعضها البعض وتصبح غير فعالة، مما يؤدي إلى أرباح أقل بسبب المصاريف المرتفعة.
التطبيقات الاقتصادية لمعضلة السجين
يُعد الجمود بشأن ديون الولايات المتحدة بين الديمقراطيين والجمهوريين، الذي يظهر من وقت لآخر، مثالاً كلاسيكياً على معضلة السجين. لنفترض أن المنفعة من حل قضية الديون ستكون مكاسب انتخابية للأحزاب في الانتخابات القادمة.
التعاون في هذه الحالة يعني رغبة الطرفين في العمل للحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق بالعجز المتزايد في الميزانية. أما الخيانة فتعني التراجع عن هذا الاتفاق الضمني واتخاذ الخطوات اللازمة للسيطرة على العجز.
إذا تعاون الطرفان وحافظا على سير الاقتصاد بسلاسة، فإن بعض المكاسب الانتخابية مضمونة. ولكن إذا حاول الحزب (أ) حل قضية الديون بشكل استباقي بينما لا يتعاون الحزب (ب)، فقد يكلف هذا العناد الحزب (ب) أصواتاً في الانتخابات القادمة تذهب لصالح (أ). ومع ذلك، إذا تراجع الطرفان عن التعاون وتصلبت مواقفهما، فإن الاضطرابات الاقتصادية الناتجة قد تؤدي إلى مكاسب انتخابية أقل لكلا الحزبين.
كيف تستفيد من معضلة السجين؟
يمكن استخدام معضلة السجين للمساعدة في اتخاذ القرارات في عدد من مجالات الحياة الشخصية، مثل شراء سيارة، أو مفاوضات الراتب، وما إلى ذلك.
على سبيل المثال، لنفترض أنك بصدد شراء سيارة جديدة ودخلت إلى معرض سيارات. المنفعة أو العائد هنا صفة غير عددية (أي الرضا عن الصفقة). أنت تريد الحصول على أفضل صفقة ممكنة من حيث السعر والميزات، بينما يريد البائع الحصول على أعلى سعر ممكن لتعظيم عمولته.
التعاون في هذا السياق يعني عدم الفصال؛ تدخل وتدفع السعر المعلن وتغادر بسيارة جديدة. ومن ناحية أخرى، الخيانة تعني المساومة. إذا خصصنا قيماً عددية لمستويات الرضا (10 تعني رضا كاملاً و0 يعني انعدام الرضا)، ستكون المصفوفة كالتالي:
{img_3}
إذا ساومت بقوة وحصلت على تخفيض كبير، فمن المرجح أن تكون راضياً تماماً (10)، لكن البائع سيكون غير راضٍ بسبب خسارة العمولة (الخلية ب). والعكس صحيح في (الخلية ج). أما في (الخلية أ)، فقد يكون مستوى رضاك أقل لأن دفعك للسعر كاملاً قد يجعل البائع يتساءل عما إذا كان بإمكانه بيعك طرازاً أغلى. الخلية (د) تظهر درجة رضا أقل بكثير للطرفين بسبب المساومة الطويلة التي أدت لتسوية غير مرضية.
كذلك في مفاوضات الرواتب، قد يكون من غير الحكمة قبول العرض الأول الذي يقدمه صاحب العمل. التعاون بقبول العرض الأول قد يبدو حلاً سهلاً، لكنه قد يؤدي إلى خسارة أموال كان بإمكانك الحصول عليها.
مثال اقتصادي كلي لمعضلة السجين
نختتم بالحديث عن ظهور المعضلة في الاقتصاد الكلي، وتحديداً السياسات المالية للحكومات أثناء الركود. تواجه الحكومات خيار تنفيذ سياسات مالية توسعية لتحفيز النمو، لكن فعالية هذه السياسات تعتمد على تصرفات الحكومات الأخرى.
إذا تبنت جميع الدول سياسات توسعية في وقت واحد، فسيستفيد الاقتصاد العالمي من زيادة الطلب الكلي. ولكن إذا قررت دولة واحدة اتباع نهج محافظ (تقشف)، فقد تحقق استقراراً قصير المدى لنفسها، لكن التأثير العالمي قد يكون ضاراً. إذا تعاون الجميع، يتعافى الاقتصاد العالمي بفعالية، أما إذا خانت دولة أو أكثر لتحقيق مكاسب شخصية، فقد يعيق ذلك التعافي للجميع.
الأسئلة الشائعة
* ما هو حل معضلة السجين؟ لا يوجد "حل" صحيح واحد، فهي مفارقة توضح كيف تؤثر القرارات الفردية على نتائج المجموعة.
* ما هي معضلة السجين بكلمات بسيطة؟ يواجه سجينان خيار الاعتراف أو الصمت دون تواصل. اختيار كل منهما يؤثر على الآخر. تتوقع نظرية الألعاب أن الناس سيختارون الخيار الذي يفيدهم شخصياً أكثر، مما يؤدي لنتائج جماعية أسوأ.
* ما هي أفضل استراتيجية؟ المعضلة لا تتعلق بالاستراتيجية المثلى، بل توضح كيف أن تصرف كيانين لمصلحتهما الذاتية لا يحقق الدخل الأمثل لكليهما.
الخلاصة
تظهر لنا معضلة السجين أن العمل وفق المصلحة الذاتية البحتة لا يؤدي دائماً إلى النتيجة المثالية. يجب على الشركات والحكومات والأفراد التفكير في كيفية تأثير التعاون على نتائج قراراتهم للوصول إلى أفضل الغايات الممكنة.