واجب التضامن مع فنزويلا ورفض العدوان

د. احمد ابريهي علي

2026-01-07 03:39

فنزويلا سكانها 28.4 مليون نسمة عام 2024 منخفضاً عن 30.8 مليون نسمة كان عليها عام 2015؛ مساحتها حوالي 916 ألف كيلو متر مربع. موقعها في اقصى شمال أمريكا الجنوبية يحدها البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي من الشمال، كولومبيا من الغرب، البرازيل من الجنوب، وغويانا من الشرق. أقصر مسافة سطحية بين واشنطن وكاراكاس، عاصمة فنزويلا، تقريباً 3300 كيلو متر.

لقد تعرضت فنزويلا، من الولايات المتحدة، إلى مقاطعة إقتصادية وتهديد دائم وحرب إعلامية، أضعفت إقتصادها وأرهقت شعبها. ضغوط أريد منها إسقاط حكومتها من الداخل، ومن ثم تذعن لإرادة واشنطن وشراهتها في عهد رئيسها الحالي لموارد الدول النامية التي تعاني شعوبها شظف العيش، بينما الولايات المتحدة أغنى دول مجموعة العشرين، ومتوسط الدخل للفرد فيها هو الأعلى عدا دول صغيرة مجموع سكانها في كل العالم لا يزيد عن 25 مليون نسمة.

كان متوسط الناتج للفرد سنويا في فنزويلا 4390 دولار للمدة 2005-2015 بأسعار 2015، انخفض إلى 1255 عام 2020 وتحرك إلى 1501 عام 2024، هذه قسوة الحصار. وإستيراداتها بالمتوسط 22% من الناتج المحلي للمدة 2005–2015، تدنّت إلى 11% من الناتج المنخفض أي انها صارت تقريباً 20% مما كانت عليه قبل عام 2016 وهو بيان آخر للأثر التخريبي للحصار والإستعلاء الأمريكي.

أما النشاط الإستثماري فقد إنخفض في الفترة الثانية إلى 13% منه للفترة الأولى، والذي يعني تناقص الأصول الإنتاجية لأن إجمالي الإستثمار أصبح أدنى من المعدلات الاعتيادية للإندثار. وقبل ذلك تراجع إنتاج النفط من 2 مليون برميل أو أزيد إلى حوالي 800 الف برميل يوميا عام 2022، تحرك ليقترب من مليون برميل عام 2025، وذلك لتضاؤل القدرة على التطوير والتشغيل.

مع شدة تلك الضغوط الإقتصادية والتهديد بالقوة العسكرية ووجود معارضة قوية تحصل على مساندة خارجية، لكن الحكومة بقيت صامدة وتستند إلى دعم شعبي واسع. كان الخطاب الأمريكي كثيراً ما يشير إلى النفط، في سياق التوجه نحو الثروات الطبيعية في الخارج. لكن هناك دافع آخر للهيمنة المطلقة على أمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي لموازنة الصعود الإقتصادي المتواصل للصين ومن بعدها، تالياً، الهند. وفي هذا السياق تتطلع إلى إستمالة روسيا، وهي تستجيب، والأمل في إبعادها عن الصين لكي تبقى هذه مشغولة بطموحاتها التجارية والإستثمارية بعيداً عن تطلعات القوة العظمى. وقد صرح الرئيس الأمريكي وكأنه متيقن " شي لا يهمه ما جرى لفنزويلاً سوف تحصل الصين على النفط"

وأمريكا لا تشبع، وبامكانكم الإطلاع على بيانات البنك الدولي لتجدوا أن عجزها التجاري أكبر من مجموع إستيرادات الهند وهذه سكانها أربعة امثال سكان الولايات المتحدة الأمريكية. وحاجة الأخيرة إلى العالم الخارجي أقل، تاريخياً، بدلالة نسبة إستيراداتها إلى ناتجها المحلي التي كانت عليها، لسعتها وتنوع مواردها وتكاملها. الولايات المتحدة تتميز على كل الدول المتقدمة والصين والهند في وفرة الطاقة، فهي المُنتِج الأول للنفط في العالم تليها السعودية وروسيا، وفي الغاز هي الأولى، ايضاً، منذ عام 2009؛ إضافة على مخزونات الفحم التي تضاهي الصين.

ومع هذه الحقائق تجد الكثير ممن يتحدث نيابة عنها بأن إنشغالها في الشرق الأوسط لتـأمين ممرات النفط. والنفط لا يمكن حجبه عن الولايات المتحدة إلاً أن تُحاصر وهذا محال. وهي لا يمكنها، لما تقدم، تبرير حصارها وعدوانها على فنزويلا بمتطلبات أمن الطاقة. إنما ذلك لإستعراض جبروت الدولة العظمى الوحيدة التي لا تتورع حكومتها عن إهانة الكرامة الوطنية للشعوب، في ظل الإلتباس العجيب للقيم، وتدني الأخلاق السياسية. 

وقد هددت الولايات المتحدة كوبا وكولومبيا، ومن قبل طالبت بجزيرة غرينلاند، ودعوة كندا للإنضمام إلى الولايات المتحدة، وفرضت على بنما إلغاء عقودها مع الصين.. وإنسحب الرئيس الحالي من إتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية في سلسلة مواقف تدل على إحساس بتعارض المصالح بين حاكمية النظام الدولي والولايات المتحدة.

الولايات المتحدة توظّف تفوقها التكنولوجي المطلق للهجوم على دولة نامية وإختطاف رئيسها وقتل حمايته بدم بارد، وتهديد نائبة الرئيس بالأسوأ إن لم تمتثل لكل ما يُطلَب منها. وهي التي أفصحت عن طغيانها في تعطيل مبدأ التناسب في إستخدام القوة والغت قواعد الإشتباك في حربها، وإسرائيل، مع لبنان وفلسطين واليمن وإيران. يصرح رئيس الولايات المتحدة وفريقه الحكومي على شاكلته "نحن من سيقود فينزويلا"، في تنكّر واضح لحق الشعوب في تقرير المصير وإستقلال وسيادة الدول. وهي إنتكاسة أخلاقية مرعبة حتى بمقاييس ما كانت عليه الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى... اين يتجه العالم؟.

هذه الدول، مثل فينزويلا، تُعاقَب أيضاً، لأنها تُقيم علاقات إقتصادية مع الصين، والصين تنتفع دون تحمل تكاليف لإسناد هذه الشعوب. الصين حجمها التجاري أكبر من نظيره للولايات المتحدة وفي الصناعة أيضاً، وتكتفي بالإدانة. وروسيا تحتاج ترامب للضغط على أوربا وزيلينسكي، لذا اوصى وزير خارجيتها نائبة الرئيس بالتهدئة والحوار. ودول مجموعة العشرين الأخرى لم تعترض على العقوبات الإقتصادية الأمريكية، وكأنها ليست مسؤولة عن النظام السياسي الدولي. نقرأ للبعض ان السبب في ذلك دكتاتورية وفساد ومخدرات في تلك الدول تسمح للولايات المتحدة التصرف معها دون اعتبار للسيادة والاستقلال وحصانة الرؤساء. لكن للولايات المتحدة تاريخ طويل للتعامل الودود مح حكومات لا تستند إلى شرعية ديمقراطية، في الأساس، ولا هي رحيمة بشعوبها.

في تصريحات المسؤولين الأمريكيين الشركات الأمريكية ستباشر العمل في فنزويلاً، ألا يتطلب الأمر مفاوضات وتعاقد عادل إنتفت شروطه الموضوعية، ماذا تسمى تلك الترتيبات التي ستعمل بموجبها الشركات مع دولة يُختَطف رئيسها وتُهدَّد بقية حكومتها بالأسوأ. ويقال نفس الشيء عن حضور هذه الشركات في دول كانت تحت التهديد بتوجيه ضربات... واخرى ورّطتها في حرب وساومتها على ثرواتها المعدنية.

المعارضة في عدد من الدول تخلت عن شرط الوطنية وتراجعت عن إعلاء قيم الإستقلال والسيادة في صراعها مع الحكومات، ولا تتردد عن الإستعانة بالخارج، وأثبتت التجربة عدم جدوى هذا المنحى، والذي أدى إلى إنهيار الدول وحتى تدمير فرص إستعادتها كما حصل في منطقتنا بعد الانتفاضات منذ نهاية عام 2010. لا شك ان الشعوب في كثير من الدول تعاني فساد الإدارات الحكومية وإنتهاك القوانين، وإستئثار ذوي النفوذ والتفاوت والفقر، وعدم العدالة في فرص الإنتفاع من الموارد العامة، وضعف أو إنعدام المشاركة الشعبية في صناعة القرار. لكن الولايات المتحدة لا تهتم بمصالح الشعوب وحقوق الإنسان أكثر من تمسكها بالهيمنة وإشاعة الخوف من بطشها. ونلاحظ كيف حوّلت سياساتها الشرق الأوسط إلى فوضى وحروب لا تنتهي.

قبل أيام عندما حصلت المواجهات في جنوب اليمن يُصرّح السفير الأمريكي ووزير الخارجية "إن المعارك ينبغي ان تتجه إلى الحوثيين وإيران" وكأنما الحرب مُسلّمة لا بد منها وعلى شعوب المنطقة فقط أن تختار بين من ومن. الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى، والغنية، تتوزع على اطراف النزاعات الدموية، والعالم يفتقر فعلاً إلى قوة من اجل السلام. دول النطاق العربي تشرذمت مجتمعاتها إلى قبائل ومناطق واديان واثنيات، وهذه ايضاً تتقسّم على مقاسات الأحزاب والزعماء. ولذلك صار الإختراق الخارجي مألوفا، وأصبحت مهمات بناء الدول والتوحيد الوطني غاية في الصعوبة. ولا تُستبعَد حروب اخرى إن لم تتحمل قوى التنوير والعدالة والديمقراطية مسؤولياتها في النهوض بالمجتمعات على قيم إنسانية تتجاوز التجزئة.

الشعب الأمريكي يخسر المعنى الأخلاقي لإنجازاته في العلوم والتقنيات والمؤسسات طالما لا يستطيع ضبط حكوماته وفق المثل العليا، ومنع إستخدام القوة لتقويض القيم الضرورية للسلام والأمن والرخاء في العالم. إن عدم الإكتراث بمبدأ الأخوة الإنسانية ووحدة المصير على هذه الأرض والتواطؤ مع إهانة الشعوب له نتائج سيئة على مستقبل الولايات المتحدة وشعبها.

ذات صلة

طرق هامة عملية لتحقيق أحلامك وأهدافك المستقبليةمونرو والنظام الدولي والإقليمي.. مع الاشارة الى منطقة الشرق الاوسط والعراقالرئاسة في ميزان العبث: استهزاء بالمنصب أم اعتراف بالفشل؟النزاع السعودي الإماراتي يتجاوز نطاق اليمنعودة الغول الأمريكي