الشِرك بثوبٍ جديد!

محمد علي جواد تقي

2026-07-11 05:16

{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} 

سورة النساء، الآية: 48

الشرك، هذا المفهوم السلبي، ارتبط من حيث النظرية والممارسة بعبادة الأصنام المصنوعة من الحجر او الخشب على مدى قرون متمادية من تاريخ البشرية، ثم جاء الإسلام ببشارة التوحيد على يد الرسول المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ليعطي الناس في مكة والجزيرة العربية، بل وفي العالم أجمع، بديلاً منطقياً وعقلياً عن فكرة الشرك في العبادة، بعبادة الله الواحد الأحد دون سواه من الاشياء والاشخاص، وقد كشف القرآن الكريم جانباً صغيراً من الضرورة العقلية للتوحيد بأن {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

وقبل الخوض في موضوع الشرك وأبعاده الجديدة في العصر الحديث، يجدر التفريق بين الشرك والكفر الذي حاربهما الاسلام دون هوادة في وقت واحد، فالكُفر في اللغة يعني إخفاء الشيء، بينما الشرك اصطلاحاً يعني إخفاء أشياء وإظهار أخرى، فالكفر يعني بإلغاء الحقائق او التنكّر لها، فالانسان يكفر بنِعم الله –تعالى- عليه لعدم إيمانه بالغيب وعبادته لذاته وما تنتجه من الاشياء في هذه الحياة، وايضاً نراه يكفر برسالات السماء كعنوان عام لممارسة التمرّد والعصيان ضد حركة الانبياء والرسل على شكل تكذيب، واتهام، وتسقيط لإلغائهم من الساحة الاجتماعية. 

أما الشرك، فهو خطوة لاحقة في العقيدة المناقضة لعقيدة التوحيد، فالانسان المُشرك ليس بالضرورة يكفر بوجود الخالق، وبالرسالات الإلهية، إنما يحاول الالتفاف على حقيقة الجحود لديه بإشراك شيء أو أشخاص آخرين الى جانب الله –تعالى- برسم العبادة، ولذا كان عرب الجزيرة العربية غير مُنكرين لوجود الله –تعال- وأنه الخالق، بيد أن وسيلتهم اليه كانت الأصنام والأوثان، ولم يقبلوا بأن يكون واحداً منهم و انسان مثلهم رسولاً من قبل رب العالمين، ولذا كانوا على استعداد كامل لمفاوضة النبي الأكرم في بدايات دعوته لثنيه عن اكتساح عبادة الأوثان نهائياً، ومن محاولاتهم؛ أن يتبادلوا معه العبادة، سنةً يعبدون الله الواحد الأحد، و سنة أخرى يشاركهم هو في عبادة الأصنام، وهو ما رفضه رسول الله بشكل قاطع امتثالاً لسورة كاملة نزلت من السماء بإسم: "الكافرون": {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، في إشارة واضحة الى استحالة إشراك عبادة الأصنام مع عبادة الله الواحد الأحد مهما كانت الوعود والادعاءات، ويبدو أن تسمية السورة بالكافرين لأن الكفر و... كان العنوان الأولي لعقيدة وسلوك أهل مكة آنذاك، ومنذ ذلك الحين أوصد النبي الأكرم هذا الباب في مجال العبادة، والحكم، والتشريع بوجه كل من تسول له نفسه تمرير ما يوافق رغباته ومصالحه تحت رداء الدين.

الشرك فايروس الشرعية السياسية

يروى عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال ذات مرة: أن الأمويين أطلقوا حرية الحديث عن التوحيد وأمسكوا الحديث عن الشرك" –مضمون الرواية- لسبب بسيط أنهم يستفيدون من الحديث عن التوحيد كونه يعزز شرعيتهم السياسية وأنهم الامتداد لحكم رسول الله، مع تأكيدهم على أداء الفرائض الدينية، والالتزام بالشريعة ولو بشكل ظاهري، بينما الشرك وتطور تطبيقاته العملية في الحياة السياسية منذ تلك الفترة، يستهدف شرعيتهم السياسية القائمة آنذاك على الوراثة الملكية بما يشبه التأليه والحكم المطلق في قيادة الامة. 

وللتخلص من هذه الشبهة لجأ الأمويون لاسلوب النفاق السياسي بما يُسمى اليوم "الحلول الوسطى"، وكان رائد هذه النظرية؛ معاوية عندما دخل الكوفة بعد أيام من التوقيع على الهدنة مع الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، مؤكداً لهم –كونهم أعداء الأمس- بأني "ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون"، فقد برّر شرعيته السياسية باستمرار الاحكام الاسلامية دون أي تناقض بينهما، فبعد أن كان أبوه؛ ابو سفيان مشركاً في "المبدأ، فانه ابنه معاوية كان مشركاً في المنهج، فالاخير لم يجعل لله أنداداً وأضداد كما فعل أبوه من قبل، إنما ابتدع قوانين في مقابل قوانين الله –تعالى-"، (بحوث في العقيدة والسلوك- آية الله السيد مرتضى الشيرازي).

هذه النظرية راقت لمن جاء بعده من الحكام وما تزال الأمة مبتلية بهذه الفتنة السوداء التي يفرضها أهل الحكم والسلطة عليهم عنوة وخلافاً لمنطق العقل والحكمة، فالمشكلة لم تعد مع الدين ولا مع الله –تعالى- ولا حتى مع النبوة والإمامة، وجميع الأركان والمبادئ والقيم، إنما الجديد في الأمر، إقران كل ذلك مع "أرباب من دون الله"، ومع "نبوءات" برسم الابداع الفكري، مع حزمة كبيرة من القوانين بدعوى الحداثة والعصرنة، والحاجة لتلبية حاجات الانسان الجديدة، "أنت موجود، وأنا موجود، كلامك حقٌ، وكلامي حق؛ فتعال قسمٌ لي، وقسمٌ لك، والله خير الرازقين"!

ولا أجدني مضطراً للحديث عن القدرة المشهودة للقوانين والتشريعات الاسلامية على مواكبة الزمن وتطورات الحياة، فقد أغنى المكتبة الإسلامية، مفكرون وعلماء كُثر عن كفاءة وجدارة الأحكام والقوانين الاسلامية لإدارة حياة الإنسان على مر الزمن، إنما الحديث عن أوهام طلاب الحكم والسلطة بقدرتهم على تمرير نظرية الشرك في السياسة والاقتصاد لإدارة الحكم بما يحقق مصالحهم الشخصية والفئوية، فلا تمضي فترة من الزمن إلا وينكشف في مكان ما بؤرة شركية تخلط تحت جنح الظلام بين التشريعات الإلهية وبين القوانين الوضعية لإضفاء الشرعية عليها، وعامل كشف الجريمة يكون في الأغلب نقطة التقاطع بين هذه القوانين المشوهة وبين حقوق الناس التي ضمنها الإسلام منذ أن تعرفه عليه المسلمون والعالم، ومنها مثلا: حرية العمل، وحرية السفر والإقامة، والمساواة في توزيع الثروة، وقضايا كثيرة تتعلق بالحياة الأسرية، والعلاقات الاجتماعية، وقوانين الأحوال الشخصية، وعند هذه النقطة تكون السلطة أمام خيارين: إما حقوق الناس، وإما مصالحهم و وجودهم في الحكم، وبالتأكيد تكون الافضلية للخيار الثاني، وليحصل ما يحصل من الصدام والثورات والانتفاضات التي تتخللها أعمال القمع والتنكيل وحتى الإبادة الجماعية.

وعليه؛ فان نظام الحكم المتطلع الى الاستقرار والعلاقة الآمنة بينه وبين جماهير الشعب، ما عليه سوى التوجه نحو القوانين والتشريعات الإلهية، والتقليل من التعكّز على القوانين الوضعية –على الأقل حالياً- وإعطاء الأولوية في معظم الاحيان لما يبعد المنهج السياسي عن الشرك والنفاق والازدواجية، وقد صرّح القرآن الكريم بعاقبة من يتشبث بهذا المنهج بأن {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}.

ذات صلة

وظيفة الدولة في عصر التحول الرقمي.. قراءة في الحالة العراقيةالإمام السجاد (ع) وإدارة المرحلة الأخطر في تاريخ الأمة الإسلاميةالنهي عن معاداة الآخرين في كلام الإمام السجاد (ع)الاقتصاد العراقي بين الأزمات الإقليمية والاختلالات البنيويةفي الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف