الدكتور أمثل محمد عباس لـ النبأ: العبودية غيّرت جلدها لكنها لم تغادر العالم
أوس ستار الغانمي
2026-07-04 05:17
تحتفظ بعض الكتب بقدرتها على عبور الأزمنة لأنها تتناول أسئلة إنسانية لا تفقد راهنيتها مهما تبدلت الظروف. ومن بين هذه الأعمال تبرز سيرة فريدريك دوغلاس «عبوديتي وحريتي» بوصفها شهادة إنسانية عميقة على معاناة الإنسان في مواجهة القهر وسعيه الدائم نحو الكرامة والحرية. وقد نقل هذا العمل إلى العربية الدكتور المترجم أمثل محمد عباس، التدريسي في قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية الأساسية في جامعة ديالى، مقدماً للقارئ العربي نصاً يفتح أبواب التأمل في معاني الحرية والوعي والإرادة الإنسانية.
في هذا الحوار، نتوقف عند تفاصيل التجربة الترجمية وما رافقها من أسئلة فكرية وإنسانية، ونقترب من اللحظات التي تحولت فيها الترجمة إلى معايشة وجدانية لنص يكشف وجهاً من وجوه التاريخ ويستحضر قضايا ما تزال حاضرة في واقع الإنسان المعاصر، كما نستكشف أثر هذه الرحلة المعرفية في رؤية المترجم للحرية والعدالة والإنسان.
اخترت أن تترجم كتابًا عن العبودية في زمن يعتقد كثيرون أن العبودية انتهت؛ ما الذي رأيته ولم يره الآخرون؟
الكتاب يصور وبشكل رهيب معاناة فئة واسعة من الناس (السود والملونين) في الولايات المتحدة الأميركية والذين يقدر عددهم بمئات الالاف في كل ولاية في تلك الحقبة. العبودية لم تنتهي، إذ ما زال الكثير يعانون من هذا الوحش المخيف من خلال تقديم طعامنا أو قطف محاصيلنا أو العمل في المصانع أو في المنازل كطهاة أو عمال نظافة أو مربيات. قد يواجه ضحايا العبودية الحديثة العنف أو التهديدات أو يُجبرون على الوقوع في ديون لا مفر منها أو تُسحب جوازات سفرهم ويُهددون بالترحيل. قد يجبر الكثير على ترك عائلته والابتعاد عمن يحب وهذا قمة العبودية.
بين يديك نص كُتب قبل أكثر من قرن ونصف، لكن قارئ اليوم يشعر أنه يتحدث عنه. أين يكمن هذا التشابه المخيف؟
التشابه يكمن في المعاناة. الشخص الذي يرزح تحت وطأة الظلم والاستبداد يتقاسم الشعور مع غيره من الناس عابراً حدود الدول والعصور المختلفة. التشابه المخيف هو رغم ان العبودية قد غيرت جلدها وارتدت اثواباً وردية ولكنها لا زالت تحمل الوجع والالم والمعاناة معها. لا زالت هي مصدر الوجع والانين.
في أي صفحة شعرت أنك لم تعد مترجمًا، بل شاهدًا على الجريمة؟
احتوى الكتاب على مشاهد من التعذيب اللفظي والجسدي. وأذكر هذه الحادثة المروعة للخادمة إستر:
ومن خلال شقوق ألواحها غير المُسوّاة، استطعْتُ أنْ أرى وأسمعَ بوضوح ما كان يَحدُثُ دون أنْ يراني السيد العجوز. كان معصما إستر مُقيدتين بإحكام والحبل المُلتوي مُثبت بدبوس قوي في عارضة خشبية ثقيلة في الأعلى قرب المدفأة. هنا وَقَفَتْ على مقعد وذراعاها مشدودتان بإحكام على صدرها. كان ظهرها وكتفيها عاريين حتى الخصر. وخلفها وقف السيد العجوز وفي يده سوط من جِلْد البقر ويتأهَّبُ لعمله الوحشي بشتى أنواع النعوت القاسية والفظّة المُثيرة. كانت صرخات ضحيته مُدوّية للغاية. كان مُتأنٍ بشكلٍ قاسٍ وأطال التعذيب كمن سَعُدَ بالمشهد. مراراً وتكراراً، كان يسحب السوط البغيض من يده مُعدّلاً إيّاه لتوجيه أشد الضربات إيلاماً. لم تُجلد إستر المسكينة جَلْداً شديداً من قبل وكان كتفاها ممتلئين وهشّين. كل ضربة وُضِعَت بقوة جلبتْ صرخاتٍ ودماءً. "ارحمني، أه! ارحمني" صرختْ. "لن أفعل ذلك بعد الآن". ولكن صرخاتها الثاقبة بدَتْ وكأنَّها تزيد من غضبه. كانت إجاباته عليها فظةً وتجديفيةً للغاية. كان المشهد بأكمله بكلِّ ما رافَقَه مثيراً للاشمئزاز والصدمة إلى أقصى حد. وعندما تُؤخذ دوافع هذا العقاب الوحشي في الاعتبار، فإنَّ اللغة لا تَملك القدرة على نقل إحساسٍ دقيقٍ بإجرامه المُروِّع.
العبودية في الكتاب ليست قيودًا في المعصم فقط، إنما قيودًا في الوعي. كيف حافظت على هذه الفكرة من أن تضيع بين الكلمات؟
بدأ الوعي يظهر عند الكاتب عندما تعلم القراءة والكتابة إذ يحافظ مالكو العبيد على عبيدهم جهّالاً لكيلا يطالبوا بحقوقهم. الغريب في الامر، في هذه الأيام، نرى حتى المثقفين وغيرهم اعتادوا على ان لا يطالبوا بأبسط حقوقهم وان يلتزموا الصمت خوفاً وهذا يعتبر نوع من أنواع العبودية.
أي جملة خفت منها أكثر من غيرها لأنك أدركت أنها ستدين حاضرنا أكثر مما تروي الماضي؟
دعني اسرد هذه السردية بين فريدريك وسيدته (معلمته):
لم تكنْ تعلمُ أنَّ مَلاكاً يقفُ في طريقها. وهذه هي علاقة السيد والعبد التي لم أستطع البوح بها. لقد جعلتْنا الطبيعة أصدقاء وجعلتْنا العبودية أعداء. كانت مصالحي في اتجاه معاكس لمصالحها وكان لكل منّا أفكاره وخططه الخاصة. كانت تهدِفُ إلى إبقائي جاهلاً، لذا قرَّرْتُ أنْ أمتلكَ المعرفة على الرغم من أنَّ المعرفة زادَتْ من استيائي. لم تكنْ مشاعري نتيجة أي قسوة ملحوظة في المعاملة التي تلقيتُها. لقد انبثقَتْ من التفكير في كوني عبداً على الإطلاق. لقد كانت العبودية -وليس مجرد حوادثها- هي ما كرهتُه. لقد تمَّ خداعي. لقد رأيْتُ، من خلال محاولة إبقاء نفسي في الجهل، أنَّ مالكي العبيد كانوا سيجعلونني بكل سرور أعتقدُ أنَّهم كانوا يتصرفون فقط تحت سلطة الرب في جعلي عبداً وفي جعل الآخرين عبيداً، لذا عاملتُهم كلصوص ومخادعين.
الترجمة توصف بأنها خيانة جميلة للنص. أين اضطررت إلى هذه الخيانة كي تنقذ روح فريدريك دوغلاس؟
كان فريدريك صغيراً وبدأ في المناجاة:
كنتُ عبداً - وُلِدْتُ عبداً، وعلى الرغمِ من أنَّ الحقيقة كانت غير مفهومة بالنسبة لي، إلاّ أنَّها نَقَلَتْ إلى ذهني شعوراً باعتمادي الكامل على إرادة شخص لم أرَه من قبل. ولسببٍ أو لآخر، خُلقْتُ لأخشى هذا الشخص أكثرَ من أي شخصٍ آخر على الأرض. وُلِدْتُ لمصلحةِ شخصٍ آخر. وكأولِ فردٍ من سربِ الكوخ، كنتُ على وشك أنْ أُختار كقربان مناسب لنصفِ الإله المخيف الذي لا يَرحمُ والذي طارَدَتْ صورتُه الضخمة في مناسباتٍ عديدةٍ خيالَ طفولتي.
أي عبارة بقيت تطاردك بعد أن أغلقت الحاسوب وانتهيت من الترجمة؟
هذه العبارة اثرت في كلينا، انا وفريدريك. انها تلخص روح العبودية:
ليس تحت السماءِ عدوٌ للعاطفة الأبوية أشدّ تدميراً من العبودية. لقد جعلَتْ إخوتي وأخواتي غرباء عنّي وحوّلَتْ الأم التي أنجبتني إلى أسطورة وأحاطتْ أبي بالغموض وتركتني بلا بداية واضحة في هذا العالم.
توفيت أمّي عندما لم أكنْ قد تجاوزْتُ الثامنة أو التاسعة من عمري في إحدى مزارع السيد العجوز في توكاهو في حي هيلزبورو. وقبرها، مثل قبور الموتى في البحر، بلا شاهد، بلا حجر ولا وتد.
متى شعرت أن اللغة العربية أصبحت أضيق من حجم الألم الذي يحمله النص؟
بعمر ثمان سنوات، تعرف فريدريك على اخوته لان نظام العبودية الظالم يبعد ما بين الام واطفالها وكذلك ما بين الأطفال أنفسهم. هنا يسرد لنا كيف رآهم لأول مرة كأغراب ولا تربطه معهم أي رابطة.
"أشارَتْ جدتي إلى أخي بيري وأختي سارة وأختي إليزا الذين كانوا واقفين في المجموعة. لم أرَ أخي ولا أخواتي من قبل. ورغم أنَّني سمِعْتُ عنهم أحياناً وشَعّرْتُ باهتمام غريب بِهِم إلاّ أنَّني لم أفهم حقاً ما يعنيه كلٌّ منهم بالنسبة لي أو ما أعنيه أنا بالنسبة لهم. كنّا إخوة وأخوات ولكن ماذا في ذلك؟ لماذا يجب أنْ يرتبطوا بي أو أرتبط بهم؟ كنّا إخوة وأخوات بالدم لكن العبودية جعلتنا غرباء. سمِعْتُ كلمتَيْ "أخ وأخوات"، وعرفْتُ أنَّهما لا بُدَّ أنْ تعنيا شيئاً ما لكنَّ العبودية سلَبَتْ هذه الكلمات معناها الحقيقي."
ما الذي كسبته شخصيًا من هذه الترجمة، وما الذي خسرته؟
لا توجد خسارة على الاطلاق. ولكن ما كسبته هو علاقتي الوطيدة ببطل المروية هذه. انه مثال للالتزام والصبر والتصميم. وبعد هذه التجربة التي مرَّ بها وبعد نيل حريته، أصبح شخصاً فاعلاً في مجتمعه يكافح لأجل أبناء جنسه، من عبد لا يملك تقرير مصيره الى قائد مؤثر ومشهور يدافع عن حقوق شعبه ويحظى باحترام الجميع.
كثيرون يقرأون سيرة فريدريك دوغلاس بوصفها انتصارًا فرديًا. أنت كيف قرأتها؟
لعلها تكون كذلك، ولكن لنضع اموراً أخرى بنظر الاعتبار مثل تعلم القراءة والكتابة. الأمر الذي فتح بصيرته أكثر من غيره من العبيد. وهذا ما تميز به فريدريك عن باقي افراد مجتمعه من العبيد، بصيرته النافذة وفكره النير. الإرادة الفذة كذلك كانت حاضرة بين طيات هذه الصفحات. الامر الذي يعلمنا الكثير عن كيفية مواجهة صعوبات الحياة. لا يوجد شيء مجاني.
أي صورة للإنسان هدمها هذا الكتاب في داخلك؟
الفكرة التي تمنحها الصورة النمطية لعلاقة السيد بالعبد كانت حاضرة ولكن، تبرز هنا قسوة الانسان وقدرته على إلحاق الأذى بشخص اخر وكلاهما من صنع الخالق كانت مسألة جدلية. كلاهما بشر خلقهما رب واحد باختلاف لون البشرة، أحدهما سيد على الاخر يمارس أبشع أنواع التعذيب بحق الآخر. الفكرة هنا أن الشر موجود ولا وجود للفضيلة في الامر.
لو حذفت من الكتاب فصلًا واحدًا، لاختل معناه كله. أي فصل هو؟ ولماذا؟
الفصل الثالث الذي يحمل عنوان "النسب"، بجانب باقي الفصول، يعد فصلاً مهماً. في هذا الفصل، يطلعنا فريدريك على اسرار العبودية والتي تبوح لنا بأن النسب غير موجود ولا يعتد به في العبودية. العبد لا يعلم من هو اباه وتعد الام اسطورة لا يسمح لها بالتقرب، ان وجدت، من اطفالها. يتم اشغال الام بمكان بعيداً عن اطفالها لإفراغ حالة الامومة منها ويصار الى حضانة الأطفال بيد امرأة مسنة تعوضهم عن الام. في حالة فريدريك، كان يعيش في منزل جدته، والدة امه. وكانت امه تعمل في حقل يبعد اثنتا عشر ميلاً عن منزل الجدة. كانت الام تسير ليلاً هذه المسافة لرؤية فريدريك في مرات متفرقة حين تفرغها. وكان عليها العودة الى عملها في الحقل قبل طلوع الصباح. يمكننا هنا ان نتلمس معاناتها لرؤية اطفالها. كان الطريق بالنسبة لها متعباً وفراق ابنها بعد رؤيته مؤلماً بنفس القدر. انها معاناة بكلتا الحالتين.
أين وجدت نفسك مختلفًا مع فريدريك دوغلاس رغم إعجابك به؟
كقارئ، وجدت نفسي اطالبه بالكشف عن تفاصيل خطته التي هرب من خلالها. لقد برر عدم كشفه لها حتى لا يستفيد منها السكان البيض متتبعي العبيد الهاربين. في القصة، يذكر فريدريك أن العبد الهارب يتتبعه فريق من السكان البيض لإعادته ومحاكمته. لذا، كان حريصاً على عدم الإفصاح عن تفاصيل خطة هروبه من بلدته الى ولاية حرة.
لو جلس فريدريك دوغلاس أمامك اليوم، ما أول اعتذار ستشعر أن العالم مدين له به؟
انه اعتذار لملايين البشر الذين يحملون البشرة الداكنة عما عانوا من سوء معاملة واختطاف لطفولتهم وشبابهم. اعتقد ان ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات الحالية من معاملة حسنة لأولئك أصحاب البشرة السوداء الداكنة وكذلك الهنود الحمر هو تعويض وكذلك اعتراف من العنصر الأبيض بسوء معاملة العبيد والهنود الحمر عبر قرون.
أثناء الترجمة، لمن كنت تمنح صوتك الحقيقي: للمترجم، أم للعبد، أم للإنسان؟
انه الانسان العبد ذلك الذي عانى ولم يزل. لا شيء أثقل من لحظات المعاناة المريرة التي يرزح تحت وطأتها أناس طال بهم الزمن يعانون من الحرمان والتهميش وغمق حقوقهم.
أيهما أصعب في الترجمة: نقل المعنى أم نقل الإهانة؟
نقل المعنى هو حجر الزاوية في الترجمة ولطالما اعتاد المترجم على أداء هذه المهمة. ولكن نقل الإهانة يتطلب نقل الشعور المرير عند التعرض لها. من الأشياء التي قد لا يذكرها المؤلف عند ذكر الإهانة هي العناصر ما وراء النص من الايماءات والحزن والشعور بالذل ولغة الجسد وغيرها.
متى شعرت أن الكلمات لم تعد تنقل التاريخ، بل تنقل وجعًا حيًا؟
العبودية بوصفها معاناة عابرة للحدود لا يحدها تاريخ معين بل ظاهرة مستمرة الى يومنا هذا.
لو قيل لك إن قارئًا سيغلق الكتاب بعد خمسين صفحة، أي صفحة ستطلب منه ألا يتجاوزها قبل أن يحكم على الكتاب؟
بعمر سبع سنين، انتقل فريدريك من بيت جدته الى منزل السيد الكبير. ويعتبر هذا التوقيت هو بدايته مع العبودية. لنقرأ كيف يصف اول يوم له عندما تركته جدته في منزل سيده لأول مرة في حياته بعدما كان يعيش معها بعيداً عن مسارح العبودية المقيتة:
"كان الوقت الآن متأخراً من بعد الظهر. وكان اليومُ مثيراً ومُرهِقاً ولم أكُنْ أعرف كيف أو أين، لكنَّني أظنُ أنَّني بكيْتُ حتّى غفَوْت. هناك شفاء في جناح مَلاك النوم، حتّى للعبد ولم يَكُنْ بَلْسَمُه أبداً أكثر مداواة لأي روح مجروحة ممّا كان عليه لروحي في الليلة الأولى التي قضيْتُها في منزل سيدي العجوز. قد يستغربُ القارئُ أنْ أروي بهذه الدقة حادثةً تبدو تافهة ولا بُدَّ أنَّها وقعَتْ وأنا في السابعة من عمري. ولكن بما أنَّني أرغب في سرد قِصَّة تجربتي في العبودية بأمانة، فلا يسَعُني إخفاء واقعة أثَّرتْ بيَّ بعمق آنذاك. علاوة على ذلك، كانت هذه في الواقع، أول تجربة لي مع حقائق العبودية."
ما أكثر فكرة يخشى القارئ العربي مواجهتها في هذا الكتاب؟
القارئ العربي مجبول على النظر الى الحرية من زاوية مختلفة. السلطة الدينية كانت تلك النافذة الممتلئة بالحياة بالنسبة لفريدريك دوكلاس ولكنها ليست الشيء نفسه للقارئ العربي. لقد وجد دوكلاس ان الدين كان متنفساً لطالما أحس معه بالحرية ودفعه الى التحرر من العبودية. لقد كان رجال الدين السود يدفعون العبيد الى الصبر وعدم الاعتراض على مصيرهم لكونها إرادة الرب. في حالة دوكلاس، كان يعتبر هذا الايمان من قبلهم مزيفاً لأنه اكتشف ان السادة البيض يأمرون رجال الدين السود بفعل هذه الأمور ولا علاقة لها بالرب وارادته. كان دوكلاس متحرراً من هذا القيد الديني لأنه يمتلك رؤية واضحة. وهكذا، تخلص من قيده وتحرر.
بعد هذه الرحلة الطويلة مع فريدريك دوغلاس، كيف تغيّر تعريفك للحرية؟
رحلتي مع فريديرك كانت طويلة ومميزة ولكنها اعادت تعريف معنى الحرية في داخلي. ان الحرية يجب ان تقترن بالتصميم والإرادة القوية والتخطيط المتقن. الحرية أصبحت مرادفاً للحياة. فما دام الشخص حياً، يجب ان يكون حراً. يتحتم علينا ان نكون احراراً في تفكيرنا ونحن من يقرر مصيرنا بأنفسنا ونحن من يختار وجهتنا ونرفض من يفكر بدلاً عنّا.
الكتاب يفضح مؤسسة العبودية، لكنني شعرت أنه يفضح الصمت أكثر. كيف قرأت هذا الصمت؟
الصمت في العبودية لا يعد خياراً. لا يسمح للعبد ان يتكلم الاّ حين يطلب سيده منه ذلك. ولكن هنالك صمت من نوع اخر وهو الصمت عن الحقوق. يمكننا ان ندعو أولئك الصامتين عن حقوقهم بالعبيد مع اختلاف لون البشرة واختلاف الزمن. يمكننا العمل بأي وظيفة شريطة ان نكون احراراً في خياراتنا وتقرير مصيرنا.
حين وضعت كلمة «تمت الترجمة» في الصفحة الأخيرة، ماذا بقي غير مترجم في داخلك؟
فرحت ان فريدريك فد نال حريته وأصبح ناشطاً يطالب بحقوق افراد شعبه ولكني حزنت ان العمل انتهى وتوقفت عن تمرير احداثاً أخرى من هذه التجربة الفريدة الى ملايين القراء ليطلعوا على معاناة هذا النوع من البشر. تملكني الإحباط أنه لا يمكنني ترجمة احاسيسي الخاصة تجاه العمل، لا يمكنني ترجمة انفعالاتي وآلامي غير المكتوبة في الرواية.
في الختام
نتقدم بالشكر والتقدير إلى الدكتور المترجم أمثل محمد عباس على ما قدّمه من رؤى وأفكار عكست عمق تجربته مع كتاب «عبوديتي وحريتي»، وعلى ما أتاحه من قراءة إنسانية وثقافية لهذه السيرة المؤثرة. كما نتمنى له دوام النجاح والتوفيق في مسيرته العلمية والترجمية، ومزيداً من الإنجازات التي تثري المكتبة العربية وتفتح آفاقاً جديدة أمام القراء والباحثين.