ريهام باسم كاظم لـ النبأ: التحول الرقمي يبدأ من العقل قبل التكنولوجيا

أوس ستار الغانمي

2026-06-21 04:13

تفرض التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية حضورها المتزايد في مختلف القطاعات، لتصبح جزءاً مؤثراً في إدارة المؤسسات وصناعة القرار وتطوير الأداء. ومع تنامي الاعتماد على البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار نحو الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف هذه الأدوات لتحقيق كفاءة أعلى واستجابة أسرع للمتغيرات المتسارعة.

وتبرز في هذا السياق تساؤلات تتعلق بواقع التحول الرقمي داخل المؤسسات العراقية، ومدى جاهزيتها لمواكبة المتطلبات التقنية الحديثة، إلى جانب التحديات المرتبطة بالثقافة الإدارية والبنية التنظيمية وبناء الثقة بالأنظمة الذكية.

للوقوف عند هذه المحاور، أجرت (شبكة النبأ) حواراً مع المدرس المساعد ريهام باسم كاظم، التدريسية في قسم هندسة الكهروميكانيك بالكلية التقنية الكوت، للحديث عن التحول الرقمي ودور الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، ومستقبل المهن الهندسية، وأبرز العوامل التي تصنع الفارق بين التجارب الناجحة والمتعثرة في مسيرة التطوير المؤسسي.

في هذا الحوار نسلط الضوء على رؤيتها لمستقبل المؤسسات خلال السنوات المقبلة، ومتطلبات بناء بيئة عمل أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحولات التقنية المتسارعة.

بدايةً، في زمن تتسارع فيه التحولات، كيف يُقرأ التحول الرقمي داخل مؤسساتنا: كخيار واعٍ أم كاستجابة متأخرة لواقع ضاغط؟

في الغالب يُقرأ التحول الرقمي في مؤسساتنا كاستجابة متأخرة لواقع ضاغط فرضته التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، أكثر مما يُقرأ كمبادرة استراتيجية مخطط لها مسبقاً. لكن الخيار الواعي هو ما يحوّل هذا التحول من مجرد رد فعل إلى مشروع استباقي يهدف إلى بناء ميزة تنافسية مستدامة. المؤسسات التي تنتظر حتى تُجبر على التغيير تكون قد خسرت جزءاً من زمنها التنافسي وفرصها في التطور، بينما المؤسسات التي تتبنى التحول الرقمي مبكراً تستطيع توجيه مسار التغيير بدلاً من الانجرار خلفه، وتكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات المستقبلية.

إلى أي حد يمثل التحول الرقمي إعادة تشكيل لعقل المؤسسة، وليس مجرد تحديث لأدوات العمل؟

التحول الرقمي هو إعادة تشكيل للعقل المؤسسي بامتياز، وليس مجرد استبدال برنامج بآخر أو تحويل المعاملات الورقية إلى إلكترونية. الأدوات الجديدة بدون عقل جديد تنتج فقط عمليات أسرع، لكنها لا تغيّر جوهر الأداء. أما التحول الحقيقي فيغير طريقة التفكير بالمشكلات، وآليات اتخاذ القرار، وكيفية إدارة المعرفة وتبادل المعلومات داخل المؤسسة. كما يعيد تعريف الأدوار والصلاحيات ويشجع على ثقافة تعتمد على البيانات والقياس المستمر بدلاً من الاجتهادات الفردية والقرارات التقليدية.

أين تنتهي حدود دور الذكاء الاصطناعي كأداة، وأين يبدأ حضوره كشريك في صناعة القرار؟

يعمل الذكاء الاصطناعي كأداة عندما يُستخدم في التحليل والتنبؤ واستخراج الأنماط وأتمتة المهام المتكررة. أما دوره كشريك فيبدأ عندما تعتمد المؤسسة على توصياته في اتخاذ قرارات تشغيلية متكررة ومنخفضة المخاطر، مستندة إلى قدرته على معالجة كميات كبيرة من البيانات بسرعة ودقة. ومع ذلك يبقى هناك خط أحمر واضح يتعلق بالقرارات ذات البعد الأخلاقي أو التأثير المصيري، مثل التوظيف والعقود والسلامة العامة والتقييمات الحساسة، حيث يجب أن يبقى الإنسان صاحب القرار النهائي والمسؤول عن نتائجه ومحاسبته.

ما الذي يكشفه تأخر بعض المؤسسات في الدخول إلى مسار التحول الرقمي: نقص الإمكانيات أم غياب الرؤية؟

في العراق تحديداً أرى أن غياب الرؤية يمثل السبب الأعمق والأكثر تأثيراً. صحيح أن الإمكانيات المادية والتقنية قد تكون محدودة في بعض الأحيان، لكنها ليست عذراً مطلقاً للتأخر. هناك مؤسسات نجحت بإمكانات أقل لأنها امتلكت رؤية واضحة وخطة تدريجية قابلة للتنفيذ. المشكلة الحقيقية تظهر عندما لا يوجد تصور مستقبلي أو قناعة بأهمية التحول الرقمي، فتتحول الموارد المتاحة نفسها إلى موارد غير مستثمرة بالشكل الصحيح.

داخل البيئة العراقية، كيف يُفكك العائق الحقيقي أمام التحول الرقمي بين البنية التحتية والثقافة الإدارية والخوف من التغيير؟

الثقافة الإدارية تمثل العائق الأكبر، يليها الخوف من التغيير، ثم تأتي البنية التحتية. ما زالت العديد من المؤسسات تعمل بعقلية ورقية ومركزية تعتمد على الإجراءات التقليدية وسلاسل الموافقات الطويلة. كما أن الرقمنة غالباً ما ترتبط بمستويات أعلى من الشفافية والمساءلة، وهو ما يثير مخاوف لدى بعض الإدارات المعتادة على أنماط عمل قديمة. أما البنية التحتية، رغم أهميتها، فهي مشكلة يمكن معالجتها تدريجياً عبر الاستثمار والتخطيط، بينما تغيير الثقافة المؤسسية يحتاج إلى وقت وجهد وقيادة مؤمنة بالتطوير.

بأي صورة يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفهوم الكفاءة داخل المؤسسات، خصوصاً في القطاعات الهندسية؟

الذكاء الاصطناعي ينقل مفهوم الكفاءة من التركيز على قدرات الفرد وحده إلى كفاءة النظام بأكمله. ففي القطاعات الهندسية يمكنه تحليل آلاف التصاميم والسيناريوهات خلال وقت قصير، والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وتحسين استهلاك المواد والطاقة، ودعم عمليات الصيانة والتخطيط. بذلك لم يعد المهندس مجرد منفذ للعمليات الحسابية أو التصميمية، بل أصبح مسؤولاً عن بناء النماذج التحليلية وتفسير نتائجها وتوجيهها نحو تحقيق أهداف المشروع بأعلى مستوى من الكفاءة والجودة.

كيف يمكن بناء ثقة حقيقية بقرارات تُنتجها خوارزميات معقدة لا تُفهم بالكامل؟

بناء الثقة يحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية. الأول هو الشفافية الممكنة، أي تقديم تفسير منطقي ومفهوم لمخرجات الخوارزمية بلغة قريبة من المستخدم. والثاني هو التجريب الآمن عبر تشغيل الأنظمة الذكية إلى جانب القرار البشري لفترة كافية لمقارنة النتائج وقياس الأداء. أما العنصر الثالث فهو وجود مساءلة واضحة تحدد المسؤولية عند وقوع الأخطاء. لا يشترط أن يفهم الجميع كل تفاصيل الخوارزمية، لكن من الضروري فهم حدودها ونقاط قوتها وضعفها والظروف التي يمكن الوثوق فيها بمخرجاتها.

ضمن هذا التحول، كيف يتغير موقع الإنسان بين الفاعلية والتهميش وإعادة التعريف؟

المسار الأقرب هو إعادة تعريف دور الإنسان لا تهميشه. فمع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ستنتقل الكثير من المهام الروتينية إلى الأنظمة الذكية، بينما يتركز دور الإنسان في الجوانب التي تتطلب حكمة وخبرة وسياقاً أخلاقياً وإبداعاً وقدرة على التعامل مع الحالات الاستثنائية. الأشخاص الذين يرفضون التكيف قد يشعرون بالتهميش تدريجياً، أما الذين يطوّرون مهاراتهم ويتعلمون العمل مع الأنظمة الذكية فسيكونون أكثر فاعلية وتأثيراً في بيئة العمل الجديدة.

كيف يتشكل مستقبل المهندس في عصر الذكاء الاصطناعي بين صانع للحلول ومراقب للأنظمة؟

المهندس المستقبلي سيكون صانعاً للحلول ومراقباً للأنظمة في الوقت نفسه، لكن بترتيب مختلف عن السابق. سيتركز جهده على فهم المشكلات المعقدة وغير المحددة بشكل واضح، وصياغة المتطلبات والأهداف، بينما تتولى الأنظمة الذكية جزءاً كبيراً من التحليل والتوليد والتصميم الروتيني. كما سيصبح من الضروري أن يمتلك المهندس القدرة على توجيه أدوات الذكاء الاصطناعي وكتابة الأوامر الفعالة وتقييم النتائج ومراجعتها، بدلاً من الاعتماد الكامل على العمل اليدوي التقليدي.

بأي آليات يمكن منع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر جديد للانحياز داخل المؤسسات؟

يتطلب ذلك العمل على عدة مستويات متوازية. أولاً تدقيق البيانات المستخدمة في التدريب للكشف عن التحيزات التاريخية ومعالجتها قبل بناء النماذج. ثانياً تشكيل فرق تطوير متنوعة من حيث الخلفيات الثقافية والتخصصية لضمان تعدد وجهات النظر. ثالثاً إجراء اختبارات دورية على فئات ومجموعات مختلفة للتأكد من عدالة الأداء. وأخيراً اعتماد تقارير شفافية ومراجعات مستقلة توضح كيفية عمل الخوارزمية ومدى تأثيرها على مختلف الفئات، بما يضمن تقليل الانحياز وتحقيق العدالة المؤسسية.

ما العوامل الخفية التي تصنع الفارق بين تجربة تحول رقمي ناجحة وأخرى متعثرة رغم تشابه الأدوات؟

العوامل الحاسمة غالباً لا تكون تقنية بقدر ما تكون إدارية وبشرية. في مقدمتها وجود دعم حقيقي من القيادة العليا يتجسد في الميزانيات والصلاحيات وليس في التصريحات فقط. كذلك تلعب إدارة التغيير دوراً محورياً من خلال التدريب والتحفيز واحتواء المخاوف المرتبطة بالتحول. ومن العوامل المهمة أيضاً البدء بحل مشكلة حقيقية تواجه المؤسسة بدلاً من السعي وراء تقنيات جديدة لمجرد حداثتها. كما أن الصبر على النتائج عنصر أساسي، لأن التحول الرقمي عملية تراكمية تحتاج إلى وقت حتى تظهر آثارها الكاملة.

كيف يُقيّم واقع التعليم الهندسي اليوم في مواكبته للتحول الرقمي مقابل تسارع السوق والتقنيات؟

لا يزال التعليم الهندسي يواجه فجوة واضحة مقارنة بسرعة تطور السوق والتقنيات الحديثة. فما زالت بعض المناهج تركز بشكل كبير على الأساليب التقليدية والحسابات اليدوية والبرامج القديمة، في حين تتجه الأسواق نحو البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة والنمذجة الذكية. لذلك أصبح من الضروري تحديث المناهج وربطها بالاحتياجات الفعلية للصناعة، مع تعزيز المهارات الرقمية والتطبيقات العملية. ورغم وجود بعض المبادرات الإيجابية في عدد من الجامعات والمؤسسات التعليمية، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة لخطوات أكثر شمولاً وتسارعاً.

بأي توازن يمكن الجمع بين تسريع التحول الرقمي والحفاظ على الهوية المؤسسية والخصوصية الثقافية؟

يمكن تحقيق ذلك من خلال رقمنة الإجراءات والخدمات دون التفريط بالقيم المؤسسية والعلاقات الإنسانية التي تشكل هوية المؤسسة. فالتقنية ينبغي أن تكون وسيلة لتحسين الأداء لا بديلاً عن الثقافة المؤسسية. يمكن أتمتة المعاملات المالية والإدارية وعمليات المتابعة والتوثيق، مع الإبقاء على التفاعل الإنساني والتشاور في القرارات الحساسة والاستراتيجية. النجاح الحقيقي يتحقق عندما تخدم التقنية الثقافة وتدعمها، لا عندما تفرض عليها نموذجاً غريباً عنها.

من الجهة التي يجب أن تضبط البوصلة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات: التقنية أم الإدارة أم التشريع؟

الإدارة تأتي أولاً لأنها الأقرب إلى قيم المؤسسة ورسالتها وسياق عملها، وهي الجهة التي تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض أخلاقياً. ثم يأتي دور التشريع بوصفه الضامن للحقوق والعدالة والمساءلة على مستوى أوسع. أما الجانب التقني فيأتي بعد ذلك لترجمة هذه المبادئ إلى أنظمة قابلة للتطبيق والرقابة والتدقيق. فالأخلاق لا تُنتجها الخوارزميات، بل تُحددها القيادة المؤسسية والإطار القانوني الذي تعمل ضمنه المؤسسة.

 كيف يُتصوَّر شكل المؤسسات بعد عقد من الزمن في ظل تسارع التحول الرقمي وتنامي دور الذكاء الاصطناعي؟

من المتوقع أن تصبح المؤسسات أكثر مرونة وذكاءً واعتماداً على البيانات. سنرى فرقاً بشرية أصغر حجماً لكنها تدير عدداً كبيراً من الأنظمة والوكلاء الذكيين القادرين على تنفيذ المهام الروتينية والتحليلية بشكل مستقل. كما ستتراجع الهياكل الهرمية التقليدية لصالح شبكات عمل أكثر مرونة وتعاوناً. وستصبح معظم العمليات التشغيلية قابلة للتتبع والقياس بشكل لحظي، مما يعزز الشفافية وسرعة اتخاذ القرار. ومع ذلك سيبقى العنصر البشري عاملاً حاسماً في القيادة والابتكار والحكم الأخلاقي. وفي النهاية لن يكون معيار النجاح هو سرعة التنفيذ فقط، بل القدرة المستمرة على التعلم والتكيف والتطوير الذاتي في بيئة متغيرة باستمرار.

وفي ختام هذا الحوار، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى المدرس المساعد ريهام باسم كاظم، التدريسية في قسم هندسة الكهروميكانيك بالكلية التقنية الكوت، لما قدمته من رؤى وأفكار حول التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ومستقبل المؤسسات والقطاعات الهندسية، متمنين لها دوام النجاح والتوفيق في مسيرتها العلمية والأكاديمية.

ذات صلة

الإمام الحسين عليه السلام وثلاثية الخلاصعاشوراء.. تاريخ الذاكرة أم ذاكرة التاريخالحسين عليه السلام وإعادة اكتشاف معنى الكرامةدور تحالف (باكس سيليكا) في تشكيل المنافسة التكنولوجية العالميةالزيدي.. الدولة أولا