حق الخصوصية: حين يبدأ الطفل حياته الرقمية قبل أن ينطق كلماته الأولى

أوس ستار الغانمي

2026-08-20 03:33

في العراق، كان الطفل حين يتضايق من الغازات يجد حوله جيشاً صغيراً من النساء يعرفن ماذا يفعلن؛ جدة تمسح على بطنه، وأم تحمله، وخالة تقترح طريقة أخرى، وحبوبة تستعيد وصفة سمعتها من أمها، وبين يد وأخرى يمر الطفل محاطاً بخبرة عائلية تراكمت عبر أجيال، حتى إن أبسط تفاصيل رعايته كانت تتحول إلى مناسبة تجتمع حولها الأسرة، ومن بينها أول حمام للطفل الذي كان يتم في الطشت، وسط ضحكات النساء وتعليقاتهن ودعواتهن، بينما يبدو المشهد اليوم مختلفاً في بعض البيئات العراقية؛ فبدلاً من الطشت هناك مركز عناية، وبدلاً من تجمع نساء العائلة هناك موعد محجوز، وبدلاً من الاحتفاظ بالذكرى داخل البيت هناك كاميرا تلتقط اللحظة ثم تنقلها إلى منصات التواصل الاجتماعي، فيتحول أول حمام من طقس عائلي بسيط إلى تجربة قابلة للتصوير والاستهلاك والعرض أمام الآخرين.

المشهد قد يبدو ساخراً للوهلة الأولى، وربما يستحق بعض النكات التي تتداولها المنصات، لكن خلف «شاور الأربعين» قصة اجتماعية أكبر من مجرد اختلاف في طريقة تحميم الرضيع، لأن ما يتغير هنا هو موقع الأسرة نفسها في عملية الرعاية، فالعائلة التي كانت تؤدي معظم تفاصيل العناية بالطفل داخل البيت بدأت تستعين بسوق واسع من الخدمات المتخصصة، من جلسات التصوير إلى منتجات العناية ومستلزمات الأطفال، وصولاً إلى مراكز تقدم خدمات مرتبطة بالأم والرضيع، وهو تحول يرتبط بتغير نمط الحياة، وصغر حجم الأسرة، وانشغال الوالدين بالعمل، وتراجع حضور الأسرة الممتدة في تفاصيل الحياة اليومية، فضلاً عن التأثير المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي التي جعلت تجارب الآخرين حاضرة أمام الأسرة طوال الوقت.

حين خرجت الرعاية من البيت

لم تكن الجدة العراقية في الماضي مجرد امرأة كبيرة في السن تعيش داخل الأسرة، وإنما كانت تمثل مصدراً للخبرة الاجتماعية في تفاصيل الحياة اليومية، فالأم الجديدة كانت تتعلم منها طريقة التعامل مع الرضيع، وتستشيرها في نومه وبكائه وحمامه وطعامه، وتراقبها وهي تتعامل مع الطفل، بينما تشارك الخالات والعمات في هذه العملية بصورة تجعل رعاية الطفل مسؤولية جماعية أكثر مما هي مهمة فردية تقع على الأم وحدها، ومع تغير شكل الأسرة العراقية بدأت هذه المنظومة تتراجع تدريجياً، وصار الأب والأم يواجهان تفاصيل التربية بأنفسهما، وفي الوقت نفسه ظهرت أمامهما خدمات يمكن شراؤها لتوفير جزء من هذه المهام.

هذه النقلة لا تعني أن الأسرة العراقية فقدت قدرتها على الرعاية، ولا أن كل خدمة حديثة تمثل تهديداً للهوية، فالحياة نفسها تغيرت، والأم التي تعمل لساعات طويلة تحتاج إلى خدمات توفر لها الوقت، والأسرة الصغيرة تحتاج أحياناً إلى الاستعانة بمتخصصين، كما أن بعض الممارسات القديمة كانت قائمة على تجارب شعبية تحتاج إلى مراجعة علمية، لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما لا تعود الخدمة مجرد وسيلة للمساعدة، وإنما تتحول إلى جزء من الصورة الاجتماعية للأمومة، بحيث تبدأ بعض الأمهات بمقارنة ما تقدمه لأطفالها بما تقدمه أمهات أخريات.

الأمومة تحت أنظار الجمهور

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للسوشيال ميديا، فالأم التي كانت في الماضي تربي طفلها بعيداً عن أعين الآخرين أصبحت اليوم محاطة بصور يومية لأمهات أخريات يعرضن تفاصيل حياتهن؛ ملابس الطفل، غرفة نومه، ألعابه، حفلات ميلاده، عربته، طعامه، جلسات تصويره، منتجات العناية به وحتى تفاصيل المناسبات الصغيرة التي كانت تبقى داخل البيت، ومع تكرار هذه الصور يتشكل معيار اجتماعي جديد للأمومة، معيار لا يقول للأم بصورة مباشرة ماذا يجب أن تفعل، لكنه يجعلها ترى باستمرار ما تفعله الأخريات، فتبدأ المقارنة من دون أن تشعر.

المشكلة هنا ليست في الأم التي تحب تصوير طفلها، فالصورة في حد ذاتها ذكرى جميلة، وإنما في التحول الذي يجعل الأم تشعر بأنها مطالبة بتقديم نسخة مثالية من حياتها أمام الآخرين، وكأن عليها أن تثبت أن طفلها يعيش أفضل حياة ممكنة، وأن تثبت في الوقت نفسه أنها أم تهتم بأدق تفاصيله، ولذلك تصبح بعض الخدمات جزءاً من عملية العرض الاجتماعي، ويصبح الطفل حاضراً في المشهد باعتباره طفلاً، وباعتباره أيضاً صورة تعكس مستوى الأسرة وذوقها وقدرتها على الإنفاق.

وهنا يظهر مفهوم اجتماعي يستحق التوقف عنده: تسليع الأمومة، أي انتقال بعض جوانب الرعاية من مجال العلاقة الإنسانية والعائلية إلى مجال السوق، حيث يمكن شراء منتج أو خدمة أو تجربة تمنح الأم شعوراً بأنها تقدم الأفضل لطفلها، وتزداد قوة هذا السوق عندما ترتبط الخدمات بصورة اجتماعية جذابة، لأن الأم لا تشتري الخدمة وحدها، وإنما تشتري معها شعوراً بالرضا، وربما شعوراً بأنها تواكب العصر ولا تقصر عن غيرها.

الطفل الذي وُلد ومعه حساب على الشاشة

الأمر يتجاوز الاستهلاك إلى الخصوصية، فالطفل العراقي المعاصر يمكن أن يبدأ حياته الرقمية قبل أن يعرف معنى كلمة «إنترنت»، صورته الأولى قد تُنشر، واحتفال ولادته قد يوثق، وأول حمام قد يتحول إلى جلسة تصوير، وأول ابتسامة قد تصبح فيديو، وأول عيد ميلاد قد يأخذ شكل إنتاج كامل للنشر، ومع مرور السنوات تتراكم حول الطفل ذاكرة رقمية صنعتها الأسرة قبل أن يصبح قادراً على اتخاذ قرار بشأنها.

وهذه المسألة تفتح باباً مهماً أمام الإعلام والأسرة العراقية معاً: أين ينتهي حق الوالدين في مشاركة فرحتهم بأطفالهم، وأين يبدأ حق الطفل في الخصوصية؟ فالأب والأم يتعاملان مع الصورة باعتبارها لحظة جميلة، بينما قد ينظر إليها الطفل بعد سنوات بطريقة مختلفة تماماً، خصوصاً عندما يجد تفاصيل من طفولته منشورة أمام أشخاص لا يعرفهم، ولذلك أصبحت الخصوصية الرقمية للأطفال واحدة من القضايا التي تفرض نفسها مع اتساع استخدام منصات التواصل.

بين «الحبوبة» والمؤثرة

المفارقة الأبرز أن الأم العراقية أصبحت أمام نوعين مختلفين من الخبرة؛ خبرة الجدة التي جاءت من سنوات طويلة من التجربة داخل الأسرة، وخبرة المنصات التي تقدم يومياً نصائح وصوراً وتجارب لا تنتهي، وقد يكون بعض هذا المحتوى مفيداً ومبنياً على معرفة علمية، بينما يحمل بعضه الآخر أفكاراً تجارية أو تجارب شخصية يجري تقديمها وكأنها قواعد عامة، وهنا تصبح مسؤولية الأسرة أكبر في التمييز بين المعلومة الطبية والمحتوى التسويقي، وبين النصيحة المتخصصة وتجربة شخصية تعرض أمام الجمهور.

ولذلك فإن عودة الحديث عن دور الجدة لا تعني العودة إلى كل ما كان سائداً في الماضي، وإنما تعني الاعتراف بأن الأسرة فقدت جزءاً من الذاكرة الحية التي كانت تنتقل من جيل إلى آخر، وفي المقابل حصلت على مصادر معرفة أوسع وأسرع، والسؤال الحقيقي هو كيف يمكن الجمع بين الاثنين؛ أن تستفيد الأم من المعرفة العلمية الحديثة، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بالعلاقة الإنسانية مع أجيال عائلتها، بدلاً من أن يصبح الهاتف هو المرجع الأول والأخير في كل تفصيل من تفاصيل التربية.

ليست حرباً بين الطشت والسبا

من السهل أن يتحول هذا الموضوع إلى معركة بين جيلين، جيل يقول إن كل شيء كان أجمل في الماضي، وجيل يرى أن الماضي كان مليئاً بالعادات التي تجاوزها الزمن، لكن هذه المقارنة تختصر قضية معقدة في شكل بسيط، لأن المجتمع العراقي تغير اقتصادياً واجتماعياً وتكنولوجياً، وتغيرت معه ظروف العمل والسكن وحجم الأسرة وطريقة التواصل، وبالتالي فإن بعض العادات القديمة ستتغير بصورة طبيعية، وبعض الخدمات الجديدة ستصبح جزءاً من الحياة اليومية، وهذا بحد ذاته لا يمثل مشكلة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الحداثة إلى تقليد، وعندما تتحول الخدمة إلى ضرورة اجتماعية، وعندما يصبح الإنفاق على الطفل وسيلة لإثبات الحب، وعندما يصبح نشر التفاصيل الخاصة شرطاً للشعور بالنجاح، وعندما تصبح الأم في منافسة مستمرة مع صور أمهات أخريات لا تعرف ظروفهن الحقيقية، وعندما يتحول الطفل من مركز العلاقة الأسرية إلى واجهة تعرض أمام الجمهور.

ماذا نريد أن نحمل معنا إلى المستقبل؟

العراق لن يعود إلى زمن الطشت كما كان، وهذا ربما ليس مطلوباً أصلاً، لأن المجتمعات لا تعيش إلى الخلف، لكن المستقبل يستطيع أن يمنح الأسرة العراقية فرصة لبناء صيغة أكثر توازناً، صيغة تستفيد من الطب والخدمات الحديثة والتكنولوجيا من دون أن تسمح لها بابتلاع العلاقات الإنسانية، وتستخدم الهاتف لتوثيق الذكريات من دون تحويل الطفل إلى محتوى دائم، وتستعين بالمختصين عند الحاجة من دون إلغاء خبرة الأسرة، وتحافظ على دور الجد والجدة في حياة الطفل من دون أن تجعل الماضي مرجعاً وحيداً لكل شيء.

وقد يكون التحدي الحقيقي أمام الأسرة العراقية خلال السنوات المقبلة هو بناء أمومة رقمية واعية، تعرف أن الطفل يحتاج إلى الرعاية أكثر من الاستعراض، وإلى الوقت أكثر من المشتريات، وإلى الأسرة أكثر من الكاميرا، وأن الصورة التي تستحق أن تبقى في ذاكرته ليست بالضرورة تلك التي حصدت أكبر عدد من الإعجابات، وإنما تلك التي كان فيها محاطاً بأشخاص أحبوه فعلاً.

ومن هنا فإن السؤال الذي بدأ من «شاور الأربعين» ينتهي إلى مكان أبعد بكثير من الحمام والتصوير، لأن القضية تتعلق بصورة الأسرة العراقية وهي تدخل مرحلة جديدة من حياتها، مرحلة تتداخل فيها العادات مع السوق، والتربية مع التكنولوجيا، والخصوصية مع النشر، والحب مع الاستهلاك، وفي هذه المرحلة لن يكون المطلوب أن نختار بين الطشت والسبا، وإنما أن نعرف ماذا نريد أن يبقى من روح الطشت ونحن نعيش في زمن السبا؛ دفء العائلة، وحضور الجدة، ومشاركة الأهل، وبساطة الفرح، وأن يبقى الطفل إنساناً يعيش طفولته قبل أن يكون صورة جميلة في هاتف أمه.

ذات صلة

كلمتان مضيئتان أضاءتا تاريخ العالمالإمام الحسن العسكري (ع).. معالم القيادة الربانية في عصر الأزماتالعراق بعد 30 أيلول.. وسيناريو عودة تشرينجبل الفأس وأهميته الاستراتيجية في الحرب على إيرانحكومة الزيدي وصناعة القرار التاريخي