رسائل إلى قلب المرأة في زمن الابتلاء

صباح الصافي

2026-02-08 03:55

تمرُّ المرأة في امتداد حياتها بمحطَّات إنسانيَّة دقيقة الأثر، قد تُخلِّف في أعماقها بصمات نفسيَّة طويلة المدى؛ فتجربة الطلَّاق قد تُحدث اضطرابًا في الإحساس بالاستقرار، والفقد يُزعزع الشُّعور بالأمان من جذوره، والإهمال يُراكم في الدَّاخل صمتًا مُثقَلًا بالوجع، كما أنَّ تشابك العلاقات الأسريَّة وسوء الفهم قد ينسجان حولها دائرة من المشاعر المتداخلة التي تُتعب القلب وتُربك التَّوازن النَّفسي. وهذه المحطَّات، على تباين صورها، تلتقي في كونها اختبارات تمسُّ المنظومة العاطفيَّة العميقة للإنسان، ولا سيَّما المرأة بما تحمله من رهافة إحساس واتِّساع في مساحة الشُّعور.

إلَّا أنَّ وطأة المعاناة، مهما اشتدَّت، لا تُفضي بالضَّرورة إلى الانغلاق أو الانكسار الكامل؛ ويظل الإيمان بالله (تبارك وتعالى) مرجعًا ثابتًا تلجأ إليه النَّفس حين تضطرب، فتجد في حضرته سكينةً تعيد ترتيب الذَّات، ومعنًى يبدِّد الشُّعور بالضَّياع. وعندما تدرك المرأة قيمتها الحقيقيَّة بعيدًا عن الظُّروف الطَّارئة، وتتمسَّك بأصالتها الأخلاقيَّة، يتحوَّل هذا الوعي إلى قوَّة هادئة تمنحها قدرة على الصَّبر الواعي، وتفتح أمامها أفقًا لإعادة بناء ذاتها برويَّة وثبات، من غير استعجال ولا انهيار.

 ومن حالة التَّوازن بين التَّسليم لقضاء الله (سبحانه)، وحفظ الكرامة الذَّاتية، والثَّبات على منظومة القيم، تتكوَّن في داخل المرأة طاقة نهوض متجدِّدة. وهذه الطَّاقة تدفعها إلى تجاوز العثرة، وتعيد تشكيل نظرتها إلى ذاتها وإلى الحياة؛ فتخرج من التَّجربة بوعي أعمق، وبصيرة أنقى، وروح أكثر رسوخًا. عندئذٍ تستعيد استقرارها النَّفسيَّ، وتعيد تنظيم مسار حياتها على أسس أوضح، وتنظر إلى ما مرَّ بها بوصفه خبرة نضجت بها رؤيتها، لا حملًا يقيِّد مستقبلها أو يحجب عنها إمكانات الغد.

 إنَّ الألم مهما اتَّسع لا يُغلق أبواب الحياة، وما يبدو خاتمة قد يكون تحوّلًا نحو بداية أكثر وعيًا واتِّزانًا. فحكمة الله (سبحانه) لا تجري اعتباطًا؛ وما من ابتلاء إلَّا وينطوي على تربية خفيَّة للنَّفس، وما من صبر يستقر في القلب إلَّا ويهيئ لمخرج، ولا ارتباط بالقيم إلَّا ليكون مصدر رفعة وطمأنينة راسخة وسلامٍ يسري في أعماق قلبٍ وثق بالله (عزَّ وجلَّ) وتوكَّل عليه.

الرِّسالة الأولى: من الانكسار إلى بداية جديدة.

 إلى المرأة التي تشعر أنَّ تجربة الطَّلاق قد حجبت نور أيَّامها، وأوحت لها بأنَّ مسارات الحياة قد أُغلقت، يمكن القول: إنَّ هذا الحدث، على قسوته، لا يُمثِّل خاتمة الطَّريق بقدر ما يشكِّل نقطة تحوّل في الحياة. فإنَّ التَّحوّلات الكبرى في حياة الإنسان لا يُقاس أثرها بمظهرها الآني؛ ولكنَّها تفتح إمكانات جديدة لإعادة بناء الذَّات وتنظيم الأولويات من جديد وإعادة توجيه المسار برويَّةٍ واتِّزان. والحياة، بطبيعتها المتغيِّرة، لا تستقر على صورة واحدة؛ وكلُّ انتقال، مهما بدا مؤلمًا، قد يحمل في أعماقه استعدادًا لمرحلة أكثر نضجًا واتِّساعًا في الوعي.

 إنَّ الطلاق من حيث هو واقعة اجتماعيَّة، لا يمسّ القيمة الإنسانيَّة للمرأة ولا ينتقص من كرامتها أو مكانتها. فالقيمة الحقيقيَّة تُستمد من جوهر الإنسان، ومن وعيه، ومن أخلاقه، ومن علاقته بربِّه (تعالى)، وليس من بقاء علاقة أو انتهائها. وفي كثير من الأحيان، تتيح هذه المرحلة مساحة لمراجعة النَّفس واكتشاف قواها الكامنة، والتَّعرُّف على أبعاد شخصيَّة لم تتح لها فرصة الظُّهور سابقًا تحت ضغط الظُّروف. قد تتصدَّع بعض التَّطلعات، غير أنَّ القدرة على الحلم لا تنطفئ، ويعاد توجيهها نحو آفاق جديدة حين يستقر في القلب اليقين بأنَّ الله (تعالى) لا يقدِّر أمرًا بعد القيام بما هو مطلوب من الفرد إلَّا وفيه وجه من وجوه الرَّحمة الخفيَّة.

 ولا تقف الحياة عند تجربة واحدة، مهما كان أثرها عميقًا، فميادين الخير ما تزال مفتوحة، وتحمل في طيَّاتها فرصًا لم تُدرك بعد، وأبوابًا لم تُطرق. وقد تتحوَّل هذه التَّجربة إلى مدخل لتقوية العلاقة بالله (عزَّ وجلَّ)؛ حيث تعود النَّفس إلى مصدر الطَّمأنينة الأوَّل، وتجد في الذِّكر والدُّعاء والعبادة تعويضًا يعيد إليها توازنها، ويمنحها فرصة ثانية قد تسعدها وتعوضها عمَّا حصل معها في التَّجربة السَّابقة. وعندئذٍ لا يبقى الألم حالةً ساكنة، ويتحوَّل إلى عنصر وعي يضيء الطَّريق ويمنح التَّجربة معناها الأجمل.

 إنَّ مسار النُّهوض بعد الانكسار يقوم على إعادة بناء النَّفس قبل كلِّ شيء؛ وحين يترسَّخ الإيمان بأنَّ الفجر يولد من رحم الظَّلام، وأنَّ الأمل قد يزهر في أشدِّ اللحظات وجعًا، تتغيَّر زاوية النَّظر إلى الحدث، ويتحوَّل من نهاية مغلقة إلى بداية مختلفة. والثِّقة بوعد الله (سبحانه) تمنح القلب سعة وثباتًا؛ لأنَّ الصَّبر في الرؤية الإيمانيَّة موقف حكيم يربط الحاضر المؤلم بأفق الفرج الآتي؛ قال (تبارك وتعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(1). فالمؤازرة الإلهيَّة هنا مصدر قوَّة نفسيَّة تعين الإنسان على اجتياز مراحل التَّحول بطمأنينة وثقة. وفي المعنى نفسه، يوجِّه أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى منهج في التَّعامل مع الهموم، بقوله: "اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ"‏(2)؛ إذ يتكامل الصَّبر مع اليقين ليشكِّلا ركيزة توازن نفسي تمنع الهمَّ من الاستحواذ على القلب، وتعيد توجيه الوعي نحو الأفق الأوسع لحكمة الله (سبحانه) وتدبيره.

الرِّسالة الثَّانية: الحزن المشروع واستمرار رسالة الحياة.

 إلى المرأة التي فقدت شريك حياتها، وتمرُّ بأيَّام يثقلها الألم والحزن، لا يُتوقع منكِ تجاوز هذه التَّجربة بسرعة، فالحزن حقٌّ إنساني، ووجع القلب مشروع؛ ولكن تجربة الفقد، مهما اشتدَّت وطغت على المشاعر، لا تعني توقف الحياة، ولا إغلاق أبواب الأمل، وتظلُّ رحمة الله (تعالى) ورأفته حاضرة، تمنح القلب القدرة على الاستمرار حين يأذن الله (سبحانه) بذلك. فالحزن شعور طبيعي، ودمعة الفقد عاطفة صادقة وحقٌّ للقلب الذي فقد من أحبّ؛ ولكن يظل الإيمان بالله (سبحانه) حاضرًا، يذكِّر بأنَّ الله (سبحانه) هو المعطي وهو الآخذ، وأنَّ كلَّ ما يقدِّره من قضاء وحكمة قد لا تتَّضح معالمه على الفور؛ لكن الأيَّام كفيلة بأن تكشف جانبًا من أسراره، واليقين بالله (جلَّ جلاله) كفيل بأن يسكب السَّكينة في قلب أنهكه الفقد.

 اليوم، تقفين أمام مساحة جديدة لإعادة توجيه حياتك، بإدراك أعمق وأكثر وعيًا، فتصبح التَّجربة دعوة لإعادة اكتشاف القدرات التي تمتلكينها. فالحياة، على الرَّغم من فقدان الأحبَّة، تستمر وتخفي بين أيَّامها وجوهًا من الجمال قد تمنحك قوَّة لم تكوني مدركة لها من قبل. وهذه المرحلة من التَّجربة تُتيح فرصة لإعادة تقييم مواهبك، وتكتشفين خلالها ما لم يكن ظاهرًا في الماضي، فتنهضين بروح أعمق وحكمةٍ أبلغ.

 كلُّ صباح جديد هو عطيَّة من الله (سبحانه)، ونفحة من رحمته، تمنحك فرصة لاستعادة الأمل، ولفهم ما مضى من ذكريات، وما هو آتٍ من لطفٍ وخيرٍ لم يتجلَّ بعد. ومع إدراك هذا البعد، يُصبح الحزن مشروعًا ضمن منظومة متكاملة للتربية الإيمانيَّة، فالقلوب المتعلِّقة بالله (سبحانه) لا تُترك وحيدة في عتمتها؛ بل الله (سبحانه) أقرب إليها ممَّا تتصوَّرين، يسمع أنينكِ، ويرى دمعتكِ، ويجبر كسركِ في الوقت الذي يريده بحكمته. قد تبهت الدُّنيا للحظات، وقد تخفت ألوانها؛ لكن نور الإيمان والتَّوكل على الله (تعالى) يظلُّ منارة ثابتة، تهدي النَّفس نحو السَّكينة والرِّضا، مهما اشتدَّ الظَّلام.

 وقد أكّد القرآن الكريم على هذا المعنى حين قال (عزَّ وجلَّ): (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(3).

 كما وجَّه أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) إلى ضبط جزع النَّفس بالصَّبر، فقال: "اغْلِبُوا الْجَزَعَ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الْجَزَعَ مُحْبِطُ الْأَجْرِ وَيُعَظِّمُ الْفَجِيعَةَ"(4).

الرِّسالة الثَّالثة: الخيانة ليست حلًّا.

 إلى الزَّوجة التي يثقل قلبها شعور الإهمال، وقد تراودها فكرة الخيانة بوصفها مهربًا من الوحدة أو الجرح النَّفسي، أودُّ تذكيركِ بأنَّ الخيانة هي طريق محفوف بالعواقب المؤلمة والنَّدم العميق، وليست طريقًا للخلاص؛ فهي قد تزيد الجراح بدل أن تداويها.

 إنَّ الفراغ العاطفي أو شعور التَّجاهل جزء طبيعي من التَّجربة الإنسانيَّة، إلَّا أنَّ الاستجابة لهذه المشاعر بانتهاك الثِّقة التي تشكِّل أساس العلاقة الزَّوجيَّة لا تنتهي إلَّا إلى مزيد من الانكسار وفقدان الطَّمأنينة والسَّلام.

 لقد شرَّع الله (سبحانه) الزَّواج ميثاقًا عظيمًا وعهدًا مقدَّسًا، وأوجب احترامه والحفاظ عليه، فلا يليق أن تُهدَر هذه الحقوق بالخيانات. فالأثر النَّفسي للأفعال الخاطئة يمتد إلى القلب والعاطفة، ويترك أثرًا طويل الأمد على العلاقة الزَّوجيَّة، ويعقِّدها بدل أن يُحسِّنها. ومن هنا، فإنَّ التَّوجّه إلى الصَّبر، وضبط النَّفس، والتَّمسُّك بالكرامة والوفاء، هو الطَّريق الأنجع لإعادة الاستقرار النَّفسي والاجتماعي.

 قد يكون التَّواصل الصَّادق والواضح مع الزَّوج الوسيلة الأكثر فاعليَّة لإصلاح ما تهشَّم في العلاقة. فالحديث عن المشاعر من دون تعقيد، والإفصاح عن الاحتياجات والمطالب النَّفسية بطريقة واعية، قد يكشف للزوج أثر انشغاله أو ضغطه اليومي على العلاقة، ويكون سببًا في إدراكه لأهميَّة إعادة الاعتبار للشَّريك. والكلمة الصَّادقة، حين تخرج من القلب، قد تصبح بداية لتغيير إيجابي وإحياء العلاقة على أسس أكثر صلابة ووعيًا.

 إنَّ الله (سبحانه وتعالى) يحيط بأفعالنا علمًا ورعاية، والصَّبر على الابتلاءات والألم غالبًا ما يكون أنفع وأرفع من الانزلاق في معصية تترك أثرًا طويل الأمد من النَّدم. لذا، حين تشعرين بالضعف، ذكِّري نفسك بالقوَّة الكامنة داخلك، وبقدرتك على مواجهة التَّحديات بكرامة وعفَّة. وعندما تُدرِكين أثر أفعالك على المدى الطَّويل، وتتمسَّكين بالوفاء والأمانة بوصفهما ركيزتينِ للعلاقة الزَّوجيَّة يهدأ قلبك ويستقيم.

 في ظلال الدُّعاء والتَّوسُّل إلى الله (سبحانه) تتَّسع الرُّؤية وتتكشَّف للنَّفس منافذ لم تكن مرئيَّة، فيقوى القلب على استيعاب ما لم يخطر له سابقًا، وتتهيَّأ الرُّوح لرحمة تغيِّر مجرى الأمور؛ قال الله (جلَّ جلاله): (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)(5). مؤكِّدًا أنَّ الخوف الصَّادق من الله (سبحانه) يقود إلى حفظ النَّفس والسُّمو بها. كما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): "مَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ مَخَافَةَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَرْضَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(6). وعنه (عليه السلام): "إذَا هَمَمتَ بسيِّئةٍ فلا تَعمَلْها، فإنَّهُ ربَّما اطَّلَعَ اللَّهُ على العَبدِ وَهُو عَلَى شَيءٍ مِنَ المَعصيَةِ، فيقولُ: وعِزَّتي وَجَلَالِي لَا أغفِرُ لَكَ بَعدَهَا أَبَداً"(7). 

الرِّسالة الرَّابعة: كيف تكسبينَ قلب أمِّ زوجك؟

 تتَّخذ الأسرة في هيكلها الاجتماعي شكل الشَّجرة؛ وكلَّما كانت جذورها عميقة ومتينة، ازدادت أغصانها ثباتًا واستقرارًا، وتظل الأم، سواء كانت أمًّا بالولادة أو أمَّ الزَّوج أو أمَّ الزَّوجة، تمثِّل هذه الجذور الرَّاسخة التي تمنح الأسرة الأمان والحنان، وتربط أفرادها بالثِّقة والاحتواء. فهي محور الاستقرار النَّفسي والعاطفي، ومصدر الحماية والرِّعاية التي تستند إليها الأسرة في مواجهة تقلبات الحياة.

 قد تنشأ أحيانًا اختلافات أو سوء فهم بين أفراد الأسرة، إلَّا أن ما يحمله القلب من حبّ وحرص يبقى ثابتًا لا يتغيَّر، ويمكن النَّظر إلى هذه العلاقات بوصفها مساحة إنسانيَّة لبناء جسور من التَّواصل المبني على الاحترام والتَّقدير، بما يعيد التَّوازن ويمنح شعورًا أعمق بالانتماء والطَّمأنينة. فالحياة قصيرة جدًّا لتُهدر في مشاعر الكراهيَّة أو الاستياء، بينما يظلّ العفو والتَّسامح من أعظم أبواب الطَّمأنينة وراحة القلب، فالنَّفس الخالية من الأحقاد أكثر قدرة على استقبال الطَّاقة الإيجابيَّة.

 إنَّ الأمَّ مهما اختلفت وظيفتها داخل الأسرة، تبقى مدرسة أولى للقيم والأخلاق؛ وكل ما قدَّمته من رعاية وعطاء يستحق التَّقدير والاحترام، وبرُّها والإحسان إليها من مكارم الأخلاق التي تُحفظ حتَّى في حالات الخلاف أو سوء الفهم. فالأمومة ليست مجرد علاقة وظيفيَّة، هي مرجعيَّة عاطفيَّة تشارك في بناء هوية الأطفال ورجاحة رأي الزَّوجين على حدٍّ سواء.

 حتَّى لو بدت العلاقة مع أمِّ الزَّوج صعبة في بعض الأوقات، فإنَّ محاولة بناء علاقة إيجابيَّة معها قد تكشف لكِ عمق الحبِّ والاحترام المتبادل، وتفتح الطَّريق لانسجام أوسع داخل الأسرة. فالتَّسامح، باعتباره مظهرًا من مظاهر القوَّة، ليس فضيلة أخلاقيَّة فحسب، إنَّما هو منهج عملي لتهيئة بيئة أسريَّة يسودها الاستقرار، تمكِّنكِ من التَّحرر من مشاعر الغضب والمرارة، ومن ملء القلب بالمحبَّة والمودَّة.

 ثمَّ إنَّ الزَّواج قائم على الشَّراكة والتَّكامل، وسعادة الزَّوج مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسعادة ورضا الزَّوجة. وبناء علاقة متينة مع عائلته حتَّى في أصعب الظُّروف يزيد من عمق محبتكِ في قلبه ويضاعف من تقديره واحترامه لكِ، ويخلق جوًّا من التَّفاهم والوئام داخل الأسرة بأكملها. وقد أكَّد الله (سبحانه) على قيمة السُّلوك الحسن والتَّعامل باللطف؛ فقال: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (8).

الرِّسالة الخامسة: حقُّ البرِّ وواجب الرَّحمة.

 أُدرك أنَّ العلاقة مع الأمِّ قد تحمل أحيانًا صعوبات ومشاكل؛ لكن تذكَّري أيتها الفتاة أنَّ برَّ الوالدينِ عبادة عظيمة وقربة إلى الله (سبحانه وتعالى)؛ فالأم حملتكِ واعتنت بكِ وتعبت من أجلكِ، وربما تمرُّ اليوم بظروف أو مشاعر لا تستطيعين فهمها بعد. لذا، اقتربي منها بلطفٍ وصبر، وحاولي أن تكوني سببًا للرَّاحة والسَّعادة في قلبها، مستهديةً بقوله (تعالى): (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (9). 

 إنَّ البرَّ بالوالدينِ يجلب لكِ البركة والرِّضا من الله (عزَّ وجلَّ)، ويملأ قلبك بالسَّكينة والسَّعادة التي لا تضاهيها أيُّ فرحة أخرى. وحتَّى لو نشأ بينكما خلاف، اجعلي لنفسكِ دورًا في الإصلاح وبذل المودَّة، فالله (سبحانه) سيكافئك بطرق تتجاوز توقعاتك. فالوالدانِ يستِّحقان من الأبناء كلَّ خير، وخاصَّة الرأفة بهما والدُّعاء لهما، وقد كان الإمام عليُّ السَّجاد (عليه السلام) يُكثر الدُّعاء لوالديه، فلتكن هذه السُّنَّة مصدر إلهام لنا لنرفع لهما الدُّعاء والمحبَّة الصَّادقة؛ ولأنقل لكِ بعض فقرات ذلك الدُّعاء العظيم: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَاخْصُصْهُمْ بِأَفْضَلِ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَبَرَكَاتِكَ وَسَلَامِكَ. وَاخْصُصِ اللَّهُمَّ وَالِدَيَّ بِالْكَرَامَةِ لَدَيْكَ، وَالصَّلَاةِ مِنْكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ... اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَهَابُهُمَا هَيْبَةَ السُّلْطَانِ الْعَسُوفِ، وَأَبَرُّهُمَا بِرَّ الْأُمِّ الرَّءُوفِ، وَاجْعَلْ طَاعَتِي لِوَالِدَيَّ وَبِرِّي بِهِمَا أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ رَقْدَةِ الْوَسْنَانِ، وَأَثْلَجَ لِصَدْرِي مِنْ شَرْبَةِ الظَّمْآنِ، حَتَّى أُوثِرَ عَلَى هَوَايَ هَوَاهُمَا، وَأُقَدِّمَ عَلَى رِضَايَ رِضَاهُمَا، وَأَسْتَكْثِرَ بِرَّهُمَا بِي وَإِنْ قَلَّ، وَأَسْتَقِلَّ بِرِّي بِهِمَا وَإِنْ كَثُرَ.

اللَّهُمَّ خَفِّضْ لَهُمَا صَوْتِي، وَأَطِبْ لَهُمَا كَلَامِي، وَأَلِنْ لَهُمَا عَرِيكَتِي، وَاعْطِفْ عَلَيْهِمَا قَلْبِي، وَصَيِّرْنِي بِهِمَا رَفِيقاً، وَعَلَيْهِمَا شَفِيقاً.

اللَّهُمَّ اشْكُرْ لَهُمَا تَرْبِيَتِي، وَأَثِبْهُمَا عَلَى تَكْرِمَتِي، وَاحْفَظْ لَهُمَا مَا حَفِظَاهُ مِنِّي فِي صِغَرِي.

اللَّهُمَّ وَمَا مَسَّهُمَا مِنِّي مِنْ أَذًى، أَوْ خَلَصَ إِلَيْهِمَا عَنِّي مِنْ مَكْرُوهٍ، أَوْ ضَاعَ قِبَلِي لَهُمَا مِنْ حَقٍّ، فَاجْعَلْهُ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمَا، وَعُلُوّاً فِي دَرَجَاتِهِمَا، وَزِيَادَةً فِي حَسَنَاتِهِمَا، يَا مُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ.

اللَّهُمَّ وَمَا تَعَدَّيَا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَسْرَفَا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ فِعْلٍ، أَوْ ضَيَّعَاهُ لِي مِنْ حَقٍّ، أَوْ قَصَّرَا بِي عَنْهُ مِنْ وَاجِبٍ، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَهُمَا، وَجُدْتُ بِهِ عَلَيْهِمَا وَرَغِبْتُ إِلَيْكَ فِي وَضْعِ تَبِعَتِهِ عَنْهُمَا. فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُهُمَا عَلَى نَفْسِي، وَلَا أَسْتَبْطِئُهُمَا فِي بِرِّي، وَلَا أَكْرَهُ مَا تَوَلَّيَاهُ مِنْ أَمْرِي يَا رَبِّ..." (10). 

 ليست الأمُّ كاملة، ولا الابنة كذلك، غير أنَّ بين القلوب المتعبة طريقًا إلى الرَّحمة لا يُغلق.

وهذا الدُّعاء يهمس بأنَّ البرَّ ليس مكافأة للكمال، وإنَّما عبادة تُزهر حتَّى وسط الألم.

أن يُخفض الصوت، ويَلين القلب، ويُقدَّم رضا الأمّ على ثقل الوجع، هو سموّ لا يبلغه إلَّا من اختار الله (سبحانه). قد لا يتغيَّر الواقع سريعًا، غير أنَّ القلب حين يسلك طريق البرّ يتبدَّل، ومن تغيَّر قلبه ربح السَّلام، وذلك أعظم العطاء.

 إنَّ ما تمرُّ به المرأة من تجارب قاسية لا ينقص من قيمتها، ويكشف معدنها الحقيقي، ويصقل روحها بالصَّبر والإيمان. فالطَّلاق، والفقد، والخلافات، والابتلاءات العاطفيَّة، كلُّها محطَّات اختبار، من أحسن التَّعامل معها ارتقى، ومن لجأ إلى الله (تعالى) وجد الاستقرار والطَّمأنينة.

 إنَّ الأخلاق، والوفاء، والبرَّ، والتَّسامح هي الطَّريق الأقصر لرضا الله (تعالى) وسعادة القلب. فلتكن ثقتكِ بالله (عزَّ وجلَّ) عظيمة، ولتجعلي من كلِّ تجربة سلَّمًا للقرب من الله (جلَّ جلاله)، فـما بعد الصَّبر إلَّا فرج، وما بعد الألم إلَّا نور، وما عند الله (سبحانه) خير وأبقى.

..................................

الهوامش:

1. سورة البقرة/ الآية: 153.

2. عيون الحكم والمواعظ: ص84.

3. سورة البقرة/ الآيتان: 156-157.

4. عيون الحكم والمواعظ: ص90.

5. سورة الرحمن/ الآية: 46.

6. بحار الأنوار: ج٦٨، ص٢٠٧.

7. الكافي: ج2، ص143.

8. سورة فصلت/ الآية: 34.

9. سورة الإسراء/ الآية: 24.

10. الصحيفة السجاديَّة: دعاء رقم: 24.

ذات صلة

كيف غيّرت التكنولوجيا مفهوم الصداقة؟لماذا لا ينتج النظام السياسي آلية تداول سلطة حقيقية؟بناء الإنسان قبل العمران: فلسفة التربية على المواطنةالمخاطر الحقيقية للخلاف السعودي الإماراتينهاية عالَم العُملات المشفرة