امنح طفلك هدية الفشل

التعرض المبكر للعثرات يمكن أن يساعد الأطفال على مواجهة خيبات الأمل لاحقًا دون أن ينهاروا

The Atlantic

2026-02-07 03:39

في مقال نشر في مجلة (ذا اتلانتيك- The Atlantic)، يتناول التربوي ومدير مدرسة "جورج تاون" النهارية، راسل شو، مفارقة التربية الحديثة، حيث يؤدي سعي الآباء الدائم لحماية أبنائهم من أي إخفاق إلى حرمانهم من بناء ما يسميه "مناعة الفشل". فالسماح للأطفال بمواجهة العثرات الصغيرة وعدم التدخل المستمر لإنقاذهم هو ضرورة حتمية لتكوين "أجسام مضادة نفسية" تمنحهم المرونة والصلابة اللازمة لمواجهة تحديات الحياة الكبرى مستقبلاً، مؤكداً أن الفشل ليس وصمة عار بل هو شرط أساسي للنجاح والصحة النفسية السليمة.

وفيما يلي ترجمة المقال: 

في بداية مسيرتي المهنية، جاءت أمٌّ إلى مكتبي لمناقشة درجة ابنتها في مادة التفاضل والتكامل. عندما يقدم الآباء هذا النوع من الطلبات، أحاول ضبط التوقعات بالقول إنه بصفتي مديراً للمدرسة، لم يسبق لي أبداً تغيير أي درجة. ومع ذلك، يصر الآباء المتأملون. في هذه الحالة، كانت الطالبة قد حصلت على تقدير "جيد جداً" (B)، وهو ما رأته والدتها كوصمة في سجلها الدراسي الناصع والخالي من العيوب. أخبرتني قائلة: "أنا قلقة بشأن كيف سيبدو هذا أمام الكليات. هل هناك أي واجبات إضافية يمكنها القيام بها لتحسين الدرجة؟".

شرحتُ لها أنه لا بأس بالحصول على درجة (B) في مساق صعب، وأن ابنتها قد تستفيد من تجربة عدم كونها "كاملة". نظرت إليّ الأم وكأنني اقترحت أن تمارس ابنتها رياضة القفز بالمظلات من الأماكن الثابتة (Base jumping) -وهي رياضة شديدة الخطورة-. قالت: "لم يسبق لها الحصول على (B) من قبل. لا أعرف كيف ستتعامل مع الأمر".

يجسد هذا النوع من الحوار مفارقة التربية المعاصرة تماماً: ففي محاولتهم لحماية أطفالهم من أي تلميح للفشل، يخاطر العديد من الآباء بجعلهم أكثر هشاشة. لسنوات، كان الآباء وعلماء النفس يتناقشون حول الحد الذي يصبح فيه الدعم الأبوي مبالغاً فيه. لكن المخاطر تبدو مختلفة الآن. ففي عالم يعج بالقلق، أصبحت "التربية المكثفة" أكثر كثافة، وبدأ بعض الآباء في استخدام استراتيجيات أكثر تعقيداً وتطوراً لإدارة حياة أطفالهم؛ بدءاً من الشروع في إجراءات مطولة لاستئناف الدرجات، ومحاولة حماية تقدير الذات لدى أطفالهم من خلال إيجاد دور لكل شخص في المسرحية، وصولاً إلى انتقاء الأنشطة اللامنهجية بعناية لتحسين مستقبل أطفالهم. يحدث هذا حتى عندما يخطو المراهقون خطواتهم الأولى بعيداً عن المنزل نحو مرحلة البلوغ المستقلة. (على سبيل المثال، يقوم بعض الآباء الآن باستئجار "مستشارين متخصصين" للمساعدة في توجيه أبنائهم خلال عملية القبول والانضمام إلى النوادي والأخويات الجامعية).

يقوم الكثير من الآباء، وربما عن غير قصد، بتكييف أطفالهم ليكونوا خائفين من الخسارة. لكن تجربة الفشل وتعلم كيفية التعافي منه هما شرطان أساسيان للنجاح على المدى الطويل، والأهم من ذلك، للصحة النفسية.

في شرح هذا الأمر للناس، اعتدتُ على رسم تشبيه من علم المناعة ومفهوم "المناعة المكتسبة"؛ وهي قدرة الجسم على التعرف على مسببات الأمراض والتهديدات الأخرى التي واجهها سابقاً ومحاربتها. تأمل حساسية الفول السوداني: لسنوات، أخبر أطباء الأطفال الآباء بضرورة تجنب تعريض الأطفال للفول السوداني ومسببات الحساسية المعروفة الأخرى أثناء الرضاعة، معتقدين أن هذا سيحمي الأطفال من ردود الفعل التحسسية الخطيرة. إلا أن هذه النصيحة تزامنت مع ارتفاع حاد في حالات حساسية الفول السوداني الشديدة. تم عكس هذه التوجيهات في عام 2017، ومنذ ذلك الحين، وجد الباحثون أن حساسية الفول السوداني قد انخفضت بشكل ملموس. يفترض العلماء الذين يدرسون الحساسية الغذائية أنه عندما يتعرض الشخص لمسببات الحساسية مبكراً، يمكن لجسمه أن يتعلم أن مسببات الحساسية غير ضارة، تماماً كما يتعلم الجهاز المناعي للجسم إنتاج أجسام مضادة عندما يواجه شكلاً ضعيفاً من الفيروس عبر التطعيم. وفي المرة القادمة التي يواجه فيها الشخص هذا العامل الممرض، يكون محمياً.

لقد توصلت إلى قناعة بأن الفشل يعمل بطريقة مماثلة؛ حيث يصب في مصلحة الطفل أن يتعرض مبكراً لنكسات يمكن السيطرة عليها، حتى يتمكنوا من تطوير ما يمكن أن نسميه "مناعة الفشل"، وهي الأجسام المضادة النفسية التي تسمح لهم بمواجهة خيبات الأمل المستقبلية دون الانهيار. يتطلب هذا ممارسة؛ وتحديداً، ممارسة مواجهة العقبات وتجاوزها. لا يمكنك تطوير المثابرة إذا لم تضطر أبداً إلى المثابرة.

تصف "آن إس. ماستن"، عالمة النفس التنموي، المرونة بأنها "سحر عادي"، فهي نتيجة لعمليات نمو طبيعية وليست سمات شخصية خارقة. لكن تلك العمليات تتطلب ما تسميه "أنظمة التكيف"، ومن أهمها القدرة على تعلم التعامل مع التوتر. الأطفال الذين يتم حمايتهم باستمرار من التحديات اليومية لا تتاح لهم فرصة ممارسة هذا التكيف. وعندما يواجهون حتماً خيبات أمل أكبر -مثل الرفض من الجامعة، أو انفصال عاطفي- قد يفتقرون إلى الصلابة النفسية للتعامل معها.

تظهر عواقب عدم الفشل أبداً في الصحة النفسية للأطفال. يشعر العديد من الشباب بضغط هائل ليكونوا مثاليين، وتلك المثالية يمكن أن تكون تكلفتها باهظة. عندما يتشرب الأطفال رسالة مفادها أن الفشل كارثي، فإن حتى الأخطاء البسيطة قد تبدو لا تطاق. لقد رأيت طلاباً ينهارون بسبب نتيجة اختبار سيئة واحدة. قالت لي طالبة باكية مؤخراً: "هذه ليست أنا. أنا لست شخصاً يحصل على درجات سيئة".

هذا ما يحدث عندما نحرم الأطفال من فرصة تطوير مناعة الفشل. فهم لا يتعلمون أن خيبة الأمل أمر يمكن تجاوزه، وأن الأخطاء مفيدة للتعلم، وأن المحنة المؤقتة هي، ببساطة، مؤقتة.

كنت مدرباً شاباً في منظمة "أوتورد باوند" (Outward Bound)، حيث قدت رحلات استكشافية في المناطق البرية في "باوندري ووترز" بمينيسوتا، عندما بدأت أفهم مناعة الفشل لأول مرة. تأسست أول مدرسة لـ "أوتورد باوند" قبل أكثر من 80 عاماً، وكانت مستوحاة جزئياً من خدمة الإنقاذ في مدرسة "جوردونستون"، وهي مدرسة داخلية اسكتلندية، حيث كان الطلاب ينضمون -إلى جانب دراستهم الأكاديمية- إلى فرق الاستجابة للطوارئ لمكافحة الحرائق، والبحث عن المتجولين المفقودين، والمساعدة في عمليات الإنقاذ البحري. المبدأ الأساسي لـ "أوتورد باوند" هو أن "الشباب ينمون عندما يواجهون تحديات حقيقية". البرنامج لا يمنح درجات حرفية (مثل A أو B). ولكن إذا لم تنتبه عندما يشرح مدربك كيفية نصب الخيمة، فقد تترك الغطاء الأرضي مكشوفاً؛ وعندما يبلل المطر كيس نومك، تتعلم بسرعة أهمية طي الغطاء الأرضي تحت الخيمة. أنت تتعلم لأنك مضطر لذلك، وعادة ما يكون ذلك عن طريق ارتكاب الخطأ أولاً. بعبارة أخرى، البرنامج هو دورة مكثفة في مناعة الفشل.

كيف يمكن للآباء مساعدة الأطفال على تطوير هذا النوع من المرونة؟ الخطوة الأولى هي مقاومة الرغبة في الإنقاذ. عندما يعاني الطفل مع الواجبات المنزلية، قد تكون غريزة الوالدين هي تقديم الإجابات. وعندما يواجه طفل معلماً صعب المراس، قد يرغب الوالد في التدخل. وعندما يخرقون قاعدة مدرسية ويتلقون عقاباً، قد يسارع الوالد لإرسال رسائل بريد إلكتروني للمسؤولين شاكياً من الظلم. لكن كل تدخل يرسل رسالة للطفل مفادها: "أنت لا تستطيع التعامل مع هذا".

اختيار عدم التدخل لا يعني ترك الأطفال ليواجهوا التحديات بمفردهم. بل يعني تقديم الدعم مع السماح لهم بتجربة التوتر. عندما كانت إحدى بناتي في المدرسة الثانوية، كانت تفقد النوم بانتظام بسبب أوراق اللغة الإنجليزية. كانت تُجِلُّ معلمتها ولا تريد أن تخيب ظنها، فكانت تكتب مسودات كاملة ثم تتخلص منها وهي تبكي، قائلة إن أفكارها ليست جيدة بما فيه الكفاية. كأب، شعرت بالألم وتفطر قلبي لرؤية هذا يتكرر، ووجدت نفسي أرغب في إقحام نفسي، إما للمساعدة في المسودة أو توسل المعلمة لمنحها نوعاً من الغفران. تبين، مع ذلك، أن هذا الصراع كان جزءاً من عملية الكتابة الخاصة بابنتي. لقد تأملت مؤخراً في مدى سهولة الكلية، نظراً للطريقة التي "عذبت" بها نفسها بشأن الكتابة في المدرسة الثانوية. كان الأمر مؤلماً، ولكنه بطريقة ما كان مهماً وضرورياً لها.

يمكن للآباء أيضاً تطبيع الفشل كجزء من حياة ذات معنى. فبدلاً من التعامل مع الأخطاء كأسرار مخزية، يمكننا الاعتراف بها بفخر كجزء لا يتجزأ من قصصنا. لقد سمع أطفالي عن محاولاتي الفاشلة للحصول على وظيفة، وعن المبادرات المدرسية التي فشلت، وعن الأوقات التي قصرت فيها كمدير. أنا أشارك هذه القصص ليس لأثقل كاهلهم، بل للمساعدة في وضع الفشل في نصابه الصحيح. تظهر الأبحاث حول نظرية التعلم الاجتماعي، التي وضعها عالم النفس ألبرت باندورا وآخرون، أن الأطفال يطورون استراتيجيات التكيف من خلال ملاحظة كيفية استجابة والديهم للشدائد. عندما يكون الآباء نموذجاً للمرونة -من خلال الاعتراف بخيبة الأمل مع إظهار قدرتهم على حل المشكلات وضبط عواطفهم- يتعلم الأطفال هذه المهارات نفسها.

ربما الأهم من ذلك، يحسن بالآباء فحص علاقتهم الخاصة بالفشل. تنبع مخاوف العديد من الآباء بشأن أطفالهم من خوف شخصي؛ وهو أن درجة سيئة تعني أن طفلهم لن يلتحق بكلية جيدة، وأن تعثراً اليوم قد يخرج مستقبلهم عن مساره. لكن تجربتي تخبرني أن العكس هو الصحيح. فالطفل الذي يحصل على درجات كاملة طوال المدرسة الثانوية قد يعاني في الكلية أكثر من الطفل الذي تعثر في الصف التاسع، واكتشف ما الخطأ الذي حدث، ثم واصل المضي قدماً. عندما نسمح للأطفال بمتعة التغلب على العقبات بمفردهم، نمنحهم شيئاً أقوى وأدوم من سجل درجات مثالي أو موسم رياضي خالٍ من الهزائم: نمنحهم الثقة في قدرتهم على التعافي والعودة أقوى.

ذات صلة

الشباب وتحديات الانتظار.. بين العصر الرقمي وعصر الظهوربناء الثقة.. الحلقة المفقودة في معادلة الأمن الوطني العراقيمن فتح ملف ابستين في توقيت حرب ايران؟‏تداعيات عودة المالكي للمشهد السياسيساسة العقل ومناهج الفطرة