الطائفية رهان الأحزاب الغلّاب ولعبتها المحبّبة

د. لطيف القصاب

2025-08-30 04:29

قديمًا، وتحديدا في واقعنا العربي والإسلامي اُسْتُعْمِلت لفظة (الطائفة) في المدن الكبرى مثل بغداد، ودمشق، والقاهرة، وإسطنبول وغيرها للدلالة على جماعة مهنية منظَّمة كطائفة الخبازين، وطائفة الحدادين، وطائفة النجارين، وطائفة النسّاجين...الخ، هذا بحسب ما جاء في بعض كتب الحسبة. وهذه الطوائف من الكسبة، والعمال انخرطت في تنظيمات نقابية لاسيما في عهد العثمانيين، وكان لبعضها -بمعنى من المعاني- نظامٌ داخلي ذو قواعد صارمة لاسيما في مجال انتخاب الشيوخ، وابتداع الطقوس...

ولا أعلم بالضبط تاريخ تحوّل اللفظة من دلالتها اللغوية العامة إلى مصطلح خاص بالأديان والمذاهب، ولكن ما أعلمه على وجه اليقين أن هذه الكلمة أي (الطائفة) صارت منذ أمد بعيد نسبيا تنصرف إلى الدين أو المذهب حال النطق بها، وغالبا ما يرافق هذا المعنى إيحاءٌ سلبي كريه، وهو الأمر الذي لم يكن له وجود في فترات سابقة من تاريخ العراق الحديث، وما زلتُ -على المستوى الشخصي- أتذكر جيدا عنوانا لكتيب ديني اشتهر وانتشر في حقبة السعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكان يتضمن عبارة (زعيم الطائفة)، ويمكنك العثور عليه بسهولة لدى أغلب المكتبات التجارية آنذاك، ولم يكن ذلك الكتيب يُثير حفيظة في نفس أحد بحدود اطلاعي وملاحظتي.

وما تزال كلمة الطائفة تُطلق على جماعات دينية مسيحية في بعض الدول العربية، كالطائفة المارونية، والطائفة الأرثوذكسية، وغيرهما، لكنها في العراق تُطلق الآن، ويراد بها المسلمون الشيعة غالبًا، ونادرا ما تُستعمل في الإشارة إلى المسلمين السنة.  

إن وجود الطائفة بوصفها تجمعا اجتماعيا، أو مهنيا، أو دينيا لا مشكلة فيه على الإطلاق، وهو انعكاس للتنوع الإنساني العام، والمطالبة بحقوق هذه الطائفة أو تلك حقٌ مشروع للجميع من دون استثناء سواء أكانت الطائفة مهنية أو دينية، أو اجتماعية، لكن المحذور يكمن في تحوّل الطائفة إلى حركة -ذات بُعد سياسي- وتترأسها قيادات مهووسة بتعزيز نفوذها الشخصي على حساب البسطاء المخدوعين بدغدغة المشاعر، وخطابات الحماسة أو الحماية، وكذلك حين تُصبح الطوائف أدوات تحركها إرادات خارجية، ويُصبح الحسّ الطائفي بين أبنائها مهيمنا على الشعور الوطني العام...

وبعبارة أخرى فلا ضير أبدا في وجود الطائفة بوصفها جماعة بشرية يجمعها إطار عقائدي أو مذهبي محدّد، له مرجعيات فكرية، وطقوس، وشعائر، تميّزه عن الجماعات الأخرى سواء أكان ذلك ضمن الدين الواحد أو خارجه، ولكن الخوف كل الخوف من تحوّل الانتماء الطائفي إلى وسيلة سياسية أو (اجتماعية) للتمايز، والصراع، وبث سموم الكراهية ضد الطائفة المنافسة، ومن ثم استخدام الانتماء الطائفي معيارًا رئيسيا لتحديد الولاء، والعداء، والتبّرع بتوزيع السلطة والموارد على من يدعي تمثيله لهذه الطائفة أو تلك من طرف هذا الحزب أو ذاك، وهو الأمر الذي يكاد يكون هو الظاهرة السائدة في بلدنا العراق للأسف الشديد منذ أن سقط النظام الطائفي السابق، واستبدل بنظام طائفي آخر يختلف مع سلفه في كل شيء إلا من جهة محاربة التفكير بتأسيس دولة عادلة، وصيانة مفهوم المواطنة الجامعة...

إن الاختلاف المذهبي في العراق حقيقة تاريخية لا سبيل لإنكارها أبدًا، وهذا الاختلاف مع كل ما يحمله من آثار مدمرة لم يكن بين أتباع المدارس الفقهية المختلفة فحسب، بل تعداه إلى المدرسة الواحدة، وقد كان الاختلاف ينشب أحيانًا لأسباب عجيبة، وينتهي بمصائب أعجب منها، ومما ذكره بعض المؤرخين مثلًا – والعهدة عليهم- أن الجهر بالنيّة، أو الجهر بالبسملة في الصلاة كان ينتهي بالفاعل للتعزير، أو التكفير المستوجب للقتل! 

وعليه فإن اللعب بالورقة الطائفية ينطوي دائما على خطر داهم، وبحسب بعض علماء الاجتماع فإن وجود الطائفية لاسيما السياسية منها مرتبط بوجود عدو داخلي أو خارجي (حقيقي أو متخيّل)...

 ومن هذا المنطلق يشكك البعض بالقصص المتداولة -في هه الآونة- المحذّرة من وجود عصابات طائفية سنية تخطط للانقضاض على الشيعة، واستباحة دمائهم وأعراضهم قبل موعد الانتخابات! في حين تلقى هذه القصص رواجا منقطع النظير في صفوف عدد متزايد من الناس. ومع اعتزازي بأصحاب الرأي الثاني فإني أجد نفسي أميل إلى الأخذ بالرأي الأول؛ لأن مضامين هذه القصص المخيفة لا تختلف في كثير أو قليل عن ألاعيب التجييش، والتعبئة الانتخابية السابقة التي مارستها الأحزاب الطائفية الشيعية والسنية بمهارة فائقة جدًا، وضمنت بـبركتها لجميع اللاعبين الفوز على الوطن فوزًا كاسحًا، ولخمس مرّات متتالية.

ذات صلة

المباحث البلاغية في شرح نهج البلاغة للسيد محمد شيرازي.. الكناية أنموذجًامعيار التفريق بين الكسب المشروع وغير المشروع عند أصحاب النفوذالديكتاتور ترامب.. الدخول الى الجنة بأسلوب الطغاةالقيم الأخلاقية أساس السلام السياسيهل التوليف بين أميركا والصين في حكم الممكن؟