سيدات الحرف في كربلاء: احتفاءٌ جماعي يرسخ ريادة المرأة للمشهد الثقافي
أوس ستار الغانمي
2026-01-17 05:17
في إطار نشاطه الثقافي المتواصل، نظّم منتدى كربلاء لأدب المرأة، التابع لاتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء المقدسة، حفل توقيع لعدد من الإصدارات الأدبية النسوية، بمشاركة نخبة من الكتاب والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، في فعالية عكست حراكًا أدبيًا متناميًا وحضورًا لافتًا للجمهور المتخصص.
وشاركت (شبكة النبأ المعلوماتية) في تغطية الحفل، حيث أجرت سلسلة لقاءات مع إدارة الفعالية وعدد من المؤلفات المشاركات، بهدف تسليط الضوء على مضامين هذه الإصدارات، وقراءة رؤى كاتباتها، واستكشاف دور مثل هذه الفعاليات في تعزيز المشهد الثقافي النسوي في مدينة كربلاء.
المرأة فاعل ثقافي في صناعة الوعي
أكدت مسؤولة العلاقات والإعلام في منتدى كربلاء لأدب المرأة، وإدارة حفل التوقيع الأديبة زينب الأسدي، في حديثها لـ "شبكة النبأ"، إن هذا الحدث تجاوز كونه احتفاءً شكليًا بالإصدارات، ليغدو محطة ثقافية ذات بعد أعمق، قائلة: "شكّل هذا الحفل محطّة ثقافية مهمّة، لأنه لم يكتفِ بالاحتفاء بمنجز المرأة الأدبي، بل قدّمها بوصفها فاعلًا مشاركًا في صناعة الوعي، كما أتاح هذا اللقاء مساحة جادّة لتبادل التجارب، وكشف عن تنوّع الأصوات النسوية وعمق اشتغالها الفني والفكري، ما يسهم في ترسيخ ثقة الكاتبة ويعزّز حضورها الطبيعي داخل المشهد الكربلائي بوصفه حضورًا مؤثّرًا يستطيع أن يحقّق إنجازًا فريدًا يستحقّ التناول".
كسر الزمن بوصفه أفقًا سرديًا
القاصة أفنان الأسدي، مؤلفة «جنون الأزمنة»، تحدثت عن العنوان ورهانه الفني، موضحة لـ "شبكة النبأ": "الجنون قرين الإبداع، وكلما زاد جنون الأديب، بخروجه عن القوالب الجاهزة، والسرديات العادية، كلما حرك خيال المتلقي، وزعزع الثابت، فاقتربت نصوصه من الخلود. وفي السرد يتلاعب الأديب بالأزمنة، عن طريق تقنيات سردية كالاستباق والاسترجاع والقطع وغيرها، وهي مساحة للخروج من قيد الزمن الحقيقي، والأدب بطبيعته فضاء حر للبوح، وقول ما لا يقال على أرض الواقع".
وأضافت أن مجموعتها القصصية جاءت بثيمات متعددة: "جاءت مجموعتي القصصية جنون الأزمنة لكسر سلاسل الزمن، والإبحار في الماضي والمستقبل معًا، وضمت المجموعة تسع قصص، حازت أغلبها على المركز الأول في مسابقات عالمية، وختمتها بعشر قصص قصيرة جدًا (ققج) في محاولة لتجريب هذا الجنس الأدبي الجديد".
وعن دور القاصة الشابة اليوم، رأت الأسدي أن المسؤولية لا تنفصل عن الجرأة والوعي: "على الأديبة أن تمتلك عمق الرؤية، وحس المسؤولية، والشجاعة الأدبية لتعبر عن التحولات الاجتماعية والهموم الإنسانية، واضطراب القيم وأزمة الهوية في ظل تسارع الزمن… فالفن للمجتمع، ولا قيمة للأدب إن لم يكن للمتلقي".
وأكدت أن الأدب لا يقوم على الوعظ المباشر، بل على التأثير الهادئ: "للأدب لمساته الخاصة، وهمسه الشفيف المؤثر، وعلى الأديبة أن تعي دورها فتتقنه، ولا تبقى في زاوية أو ركن قصي بعيدًا عن دائرة المجتمع ومجريات الأحداث".
الوطن بوصفه هوية وذاكرة
وعبر التواصل الإلكتروني، تحدثت الشاعرة والقاصة نجاح الجيزاني لـ "شبكة النبأ" عن كتابها الشعري للأطفال «الوطن الأغلى»، موضحة أن مفهوم الوطن في نصوصها يتجاوز الجغرافيا: (الوطن الأغلى) في نصوصي الشعرية الواردة في إصداري الجديد والموجّه للأطفال، لا أقصد به البقعة الجغرافية التي نعيش فوقها، فالوطن ليس أرضًا فحسب، وإنما هو هوية وذاكرة وملاذ نفسي، لأغلى لأنه يمنح الانسان معنى لذاته وفهما لكينونته، وشعورا بالاكتمال، ولا يتأتى هذا الشعور الا إذا أحس الفرد بالانتماء لوطن يحتويه، ويحقق طموحاته فيه.
وأشارت إلى تعدد دلالات الوطن بين الحنان والألم والتضحية، مؤكدة: "قد يأتي وصف الوطن بالأغلى مقرونًا بالألم.. بالاشتياق.. بتقديم قرابين الشهادة، فتغدو القيمة الإنسانية للوطن نابعة من كل ما دُفع في سبيله من أثمان بشرية".
وعن البعد التربوي للكتابة للطفل، شددت الجيزاني على خطورة وأهمية هذه المرحلة: "الطفولة أرض صالحة للاستنبات، فكل ما يُزرع فيها من مكارم الاخلاق ومحاسن الصفات، وكل ما يُبذر فيها من بذور الشر والفساد، يؤتي اكله في مستقبل حياة الطفل، لذلك فهو يكتسب من بيئته العادات السارة والضارة، ويأخذ السبيل المستقيم او المنحرف، وهذا مصداق حديث الرسول (صلى الله عليه واله): فأبواه يهودانه او يمجسانه او ينصرانه.
إن الأدب في هذا العصر من أهم الوسائل المؤثرة في مسيرة الاجيال، وتربية النشء وإدخال الأفكار وتشكيل الوجدان، ولقد استفاد من هذه الوسيلة أصحاب المعتقدات الوضعية والفلسفات المادية حتى نقلوا عن طريقة الى شعوب الامة الاسلامية كل آرائهم وفلسفاتهم، وادخلوا في نفوس الناشئة كل ما يريدون من معتقدات من خلال الاقصوصة الفنية والأدبية.
وختمت بالقول إن كتابها الشعري هذا هو أول إصدار شعري لها للأطفال اليافعين، مع اعترافها بالحاجة إلى مزيد من الجهد الجماعي للنهوض بأدب الطفولة في البلاد.
تحويل الحزن إلى أفق إنساني
أما القاصة سلوى أحمد، مؤلفة كتاب «لم أرَ ميتًا أنيقًا مثلك»، فتوقفت عند عنوان كتابها الذي أثار الكثير من التساؤلات، قائلة: "لم يكن العنوان مجرد استعذاب، بل دلالة عميقة في نفسي ككاتبة قبل أن أوصل هذه الدلالة إلى القارئ، نظرتُ إليه وهو مسجّى فانهالت هذه الكلمات من قلمي بتلقائية عجيبة".
وأضافت أن النصوص تحاول الذهاب أبعد من الفقد الظاهري: "نظرت ما وراء الفقد وما وراء الغياب وما وراء الموت… فكان موته أنيقًا كحياته، وغريبًا كحضوره وأردت إفهام القارئ بأنه يمكن تحويل الحزن إلى هدف بعيد المدى".
وعن كسر النمط التقليدي، أكدت لـ "شبكة النبأ": "لا شك أني تعمدت كسر النمط التقليدي في نصوصي، وبما انني كاتبة لا بد أن أعيش الحزن من منظار أعمق مما هو متداول. أما الرؤية النقدية فهي متاحة لأي ناقد، ولا شك أنها من صميم الواقع والحياة".
المشهد الثقافي يتسع للمرأة
من جانبها، رأت رقية الموسوي، أن المشهد الثقافي يشهد تحولات نوعية، قائلة: "نحن اليوم نعيش محلقين في أفق أوسع من محاكاة المشهد الثقافي… خصوصًا لدى المرأة التي توسع أفقها الثقافي حتى أخذت الصدارة كقاصة وروائية وشاعرة".
وأضافت لـ "شبكة النبأ" أن "المرأة باتت شريكًا أساسيًا في رفد الساحة الأدبية، معربة عن أملها بأن تنال فرصًا أوسع مستقبلًا"، ومؤكدة أن الملتقيات وحفلات التوقيع تسهم في خلق تفاعل حقيقي بين الكاتب والقارئ: "لأن التواصل عن بعد تأثيره ليس كما هو بمساس مباشر مع الكاتب والحوار معه".
خلاصة
عكس حفل توقيع الإصدارات في منتدى كربلاء لأدب المرأة صورة حيّة لمشهد ثقافي نسوي آخذ في التوسع والنضج، حيث تنوعت التجارب بين السرد والشعر وأدب الطفل، وتقاطعت عند همٍّ مشترك يتمثل في الوعي، والهوية، ودور الأدب في ملامسة المجتمع.
وتمثل مثل هذه الفعاليات، بما توفره من حوار مباشر وتلاقٍ فكري، رافعة حقيقية لتعزيز حضور المرأة الكاتبة، وترسيخ موقعها بوصفها صوتًا فاعلًا في صناعة الثقافة والوعي.