عند 1:11… حين يتوقف الوقت لينصت
أوس ستار الغانمي
2026-01-07 03:18
في تلك الدقيقة التي لا تقاس بالثواني، بل بالرجفة الخفيفة في الصدر، كانت الساعة تشير إلى 1:11. لم يكن الوقت متأخرًا بما يكفي ليسمى ليلًا، ولا مبكرًا ليعد صباحًا. كانت لحظة بينية، مثل كاتبتها تمامًا؛ تقف بين الصمت والكلام، بين ما قيل وما لم يكتب بعد. المطر يطرق الزجاج ببطء، لا ليوقظ أحدًا، بل ليذكرهم أن شيئًا ما ما يزال حيًّا في الداخل.
هكذا تبدأ حكاية منار، لا بتعريفٍ رسمي، ولا بتاريخ ميلادٍ يرصع السطر، بل بمشهدٍ يشبهها: غرفة هادئة، نافذة نصف مفتوحة، ودفتر لا ينتظر فكرة بقدر ما ينتظر صدقًا. الكتابة هنا ليست مهنة، ولا مشروعًا للنشر، بل فعل نجاة. منار لا تكتب لتقول إنها موجودة، بل لأن الكلمات وحدها تعرف الطريق حين يضيع الاتجاه.
منار علي الحسيني، 22 عامًا، خريجة علم النفس ومن أوائل قسمها، لا تحب أن تختصر في رقمٍ أو شهادة، مع أنها تعرف جيدًا قيمة الاثنين. درست النفس البشرية في قاعات الجامعة، لكنها تعلمتها فعليًا من الإصغاء العميق، من مراقبة التحولات الصامتة في الوجوه، ومن تتبع ما يتركه الغياب أكثر مما يتركه الحضور. تفوقها الأكاديمي لم يكن منفصلًا عن تجربتها الكتابية، بل شكل أرضية جعلت النص عندها قراءة هادئة في الداخل الإنساني، لا استعراضًا لغويًا.
كبرت وهي الابنة والأخت الصغرى، موقع يعلمك الإنصات أكثر مما يعلمك الكلام. من هناك، من الهامش الهادئ للعائلة، تعلمت أن تراقب التفاصيل الصغيرة: تغير نبرة الصوت، صمت ما بعد الضحك، والفراغ الذي يتركه الغياب دون أن يعلن عن نفسه. تلك التفاصيل نفسها ستصبح لاحقًا مادتها الخام؛ نصوص لا تصرخ، لكنها لا تُنسى.
حين صدرت مشاركاتها الأولى في كتب جماعية مثل «وجدت نفسي» و«زقاق في عقلي»، لم تكن تبحث عن اسمٍ على غلاف، بل عن نافذة. نافذة تطل منها روحها على العالم، ويطل منها العالم على روحه هو. ثم جاءت التجربة الجماعية في «مجلة زهرة الإسراء الثقافية» لتؤكد أن الكتابة ليست عزلة تامة، بل عزلة مشتركة، يتقاطع فيها غرباء عند إحساسٍ واحد.
ما يميز تجربة منار ليس الموضوع بحد ذاته، فالحنين موضوع قديم، والمطر كتب عنه كثيرًا، والانتظار يكاد يكون قاسمًا مشتركًا بين البشر. ما يميزها هو الزاوية. هي لا تكتب عن الحنين بوصفه ألمًا فحسب، بل بوصفه ذاكرة نشطة، تعيش وتتحرك وتعيد ترتيب المشاعر. المطر في نصوصها ليس مشهدًا رومانسيًا جاهزًا، بل حالة استدعاء؛ رائحة، صوت، وارتباك داخلي لا يرى.
كتابها الذي حمل عنوان «1:11» لم يسم اعتباطًا. الرقم ليس وقتًا فقط، بل رمزًا. تكرر في حياتها حتى صار علامة، إشارة خفية تقول إن الزمن أحيانًا يتوقف ليمنحك فرصة النظر إلى الداخل. في هذا التوقيت تحديدًا، كتبت النصوص الأكثر صدقًا، تلك التي لم تخطّط، ولم تراجع كثيرًا، بل خرجت كما هي؛ هشة، صافية، ومتصالحة مع نقصها.
الكتاب لا يقدم حكاية واحدة يمكن تلخيصها، بل يفتح نوافذ متعددة على حالات إنسانية صامتة: فقد لا يعلن الحداد عليه، انتظار بلا وعد، شفاء بطيء لا تصاحبه موسيقى انتصار. هنا، تصبح اللغة إحساسًا قبل أن تكون بناءً لغويًا، ويغدو القارئ شريكًا في التجربة لا متلقيًا لها. كل نص يترك فراغًا متعمدًا، مساحة يتقدم فيها القارئ بخبرته، بذكرياته، بخساراته الصغيرة.
أكثر النصوص التصاقًا بقلب الكاتبة هي تلك التي ولدت في لحظات صدقٍ عارٍ؛ حين لم تحاول أن تكون قوية، ولا ذكية، ولا مختلفة. نصوص كتبت عن المطر لأن المطر كان حاضرًا، عن الحنين لأنه طرق الباب، وعن الاشتياق لأنه لم يجد طريقًا آخر للخروج. في تلك اللحظات، لم تكن تكتب عن “رجلٍ لم يأتِ” بوصفه شخصًا، بل بوصفه فكرة تسكن المشهد؛ احتمالًا، ظلًا، أو صورة لما يمكن أن يكون.
القصة هنا لا تبحث عن حدثٍ كبير، بل عن معنى. عن كاتبة شابة تؤمن أن بعض النصوص لا تقرأ بالعينين فقط، بل بقلبٍ مستعد للإنصات. عن تجربة تثبت أن الإنسانية لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج، وأن أصدق الحكايات قد تولد عند 1:11، حين يتوقف الوقت قليلًا، ويقرر أن يستمع.
في النهاية، لا يخرج القارئ من هذه الحكاية وهو يعرف منار أكثر، بقدر ما يعرف نفسه. يتذكر وقتًا تكرر في حياته بلا سبب، مطرًا حمل ذاكرة، أو صمتًا قال كل شيء. وهنا، بالضبط، تنجح القصة؛ حين لا تنتهي عند السطر الأخير، بل تبدأ من داخله.