مسؤولية إزاحة الفاسدين وثمن السكوت
حَدِيثُ الجُمُعَةِ [18]
نـــــزار حيدر
2026-09-19 03:33
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.
أ/ ما أتفه الذين يتَّبعون الفاسدين ويحتمون بهم، ويبرِّرون للفاشلين، ويلهثون وراء الظالمين! ولعلَّ من أبرز مظاهر تفاهتهم أنَّ الفاسد يتبرأ منهم، والظالم يبيعهم بشروى نقير، والفاشل يضرب بهم عرض الحائط.
بمعنى أنَّهم، في لحظة، يرون أنفسهم يتحمَّلون وزر الفاسدين والفاشلين والظالمين، من دون أن يقف معهم أحد، حتى أولئك الذين باعوا دينهم من أجل دنياهم! عندما يعتبرونهم أثقالًا إضافية مزعجة، يلجؤون إلى رميهم وسط البحر الهائج لإنقاذ مركبهم من الغرق!
ب/ إنَّ مشكلة الذين يتَّبعون الفاسدين، ممَّن يُطلق عليهم وصف «الذيول» أو «البوَّاقة»، أنهم يتصورون بأنَّ الفاسدين سيظلُّون معهم إلى النهاية، وأنَّهم سيحمونهم على طول الخط؛ ولذلك فهم يتَّخذونهم، في مرحلة من مراحل حياتهم، نظراء للخالق تعالى، كما يصف ذلك القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾.
فلقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، في تفسير قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قوله: «ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكنَّهم أحلُّوا لهم حرامًا وحرَّموا عليهم حلالًا، فكانوا يعبدونهم من حيث لا يشعرون». وفي رواية: «أما والله ما صاموا لهم ولا صلُّوا، ولكنَّهم أحلُّوا لهم حرامًا وحرَّموا عليهم حلالًا فاتَّبعوهم».
والذين يتَّبعون الفاسدين، خاصة الذين يسرقون حقوق الناس باسم الدين والمذهب والمقدسات و«التاريخ النضالي»، لا يختلف حالهم عن حال من اتَّخذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؛ فهؤلاء كذلك لم يصلُّوا ويصوموا للفاسدين، لكنَّهم اتَّبعوهم بعمى، وتلك هي العبادة من دون الله تعالى!
ج/ والذين يتَّبعون الفاسدين أحد اثنين:
مستفيدون منهم، وآخرون مخدوعون مضلَّلون!
أما المستفيدون، فقلَّما يفكُّون ارتباطهم بالفاسدين، مهما كانت درجة استفادتهم تافهة، لكنَّهم، في نهاية المطاف، يرون أنَّ مصيرهم مرتبط بمصير الفاسدين ما داموا في موقع المسؤولية! فتراهم يسوِّقون أفكارًا مضلِّلة لغرض إقناع الرأي العام بوجوب حماية الفاسدين لحماية مصالحهم، من قبيل فكرة: «انتخب الفاسد حتى لا يأتيك الأفسد»!
المستفيدون هم جزء من منظومة الفساد في المجتمع، شاؤوا أم أبوا؛ فهم أدوات الفاسدين والعصا التي يتَّكئون عليها. فكما أنَّ الشيطان يسوِّق خططه عن طريق «أوليائه»: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كذلك فإنَّ الفاسدين يسوِّقون خططهم عن طريق المستفيدين منهم. ولهذا لا يمكن الفصل بين الفاسد والمستفيد؛ فهما كالأَرَضة التي تنخر عظام المجتمع حتى تميته!
والمستفيدون شغلهم الشاغل هو الدفاع عن الفاسدين بأيَّة وسيلة، كالجدال العقيم، وسوق البراهين التافهة والتبريرات الساذجة، وهم، بكل هذا، يشغلون الساحة عن واجب مكافحة الفساد. وصدق الله تعالى الذي يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، وبجدالهم الفارغ وكأنَّهم ينطقون عن خطط الشيطان وتبريراته!
وأما المغفَّلون والمضلَّلون، فهم كذلك ينقسمون إلى قسمين:
- قافل لا يقبل أن يفهم أو ينتبه أو حتى يعرف الحقيقة ليفكَّ ارتباطه بالفاسد! وهؤلاء بحاجة إلى مزيد من الجهد المعرفي والمنطقي لإقناعهم بحقائق الأمور، ويبقى التوفيق من الله تعالى!
- منفتح على الحقائق، غير متعصِّب، مستعد لتغيير قناعاته ليترك الفاسد إذا اطَّلع على الحقائق التي تثبت له ذلك. وهؤلاء هم الشريحة الأقرب إلى الإصلاح والتغيير، والتي يمكن أن تبادر إلى التبرؤ من الفاسد قبل فوات الأوان، عندما يتبرأ الفاسد منهم!
وبهذا الصدد، أود أن أفكِّك طرفَي معادلة في غاية الأهمية، ألا وهي: أيُّهما أصح وأصلح؛ الاحتفاظ بالفاسد في موقع المسؤولية حتى لا يأتي من هو أفسد منه؟ أم أنَّ إزاحته عن السلطة هي الضمان للحيلولة دون أن ينزو من هو أفسد منه على موقع المسؤولية؟!
المغفَّلون والمستفيدون من الفاسدين، وفيهم عمائم فاسدة لشرعنتها، يروِّجون للنظرية الأولى؛ فهم يسعون لإقناع المجتمع بأنَّ إبقاء الفاسد في السلطة وعدم السعي لإزاحته ضمان لإغلاق باب السلطة بوجه من هو أفسد منه!
أما ثقافة السماء فتذهب إلى العكس من ذلك تمامًا؛ فهي تحرِّض على إزاحة الفاسد عن موقع المسؤولية حتى لا يأتي من هو أفسد منه، فهي تعتبر أنَّ استمراره في السلطة يمهِّد الطريق لوصول الأفسد إليها.
هذه الثقافة وهذه المعادلة نقرأها على لسان الحسين السبط (عليه السلام)، الذي يقول: «لقد سمعت جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الخلافة محرَّمة على آل أبي سفيان، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، وقد رآه أهل المدينة على المنبر فلم يبقروا، فابتلاهم الله بيزيد الفاسق».
لقد قال كثيرون وقتها: «دعوا الظالم في السلطة ولا تزيحوه عنها، وإلا فسيأتينا من هو أظلم منه». أما الإمام (عليه السلام) فقد قال العكس عندما استشهد بقول لجدّه (صلى الله عليه وآله)، إذ قال: «ابقروا بطن الظالم وأزيحوه عن السلطة، وإلا فسيأتيكم من هو أسوأ منه ظلمًا».
وهذه هي الحقيقة، وتاريخنا المعاصر، على الأقل، يثبت ويؤكد ذلك.
واليوم، إذا لم نعمل جميعنا، ونجتهد، ونتعاون لإزاحة الفاسد عن السلطة وعن مواقع المسؤولية، فسيأتينا من هو أفسد منه؛ فإنَّ هذا النوع من «التوريث» هو الثمن الطبيعي والنتيجة الطبيعية للسكوت على الظالم، وثمن مجاراة الفاسد، وثمن التصفيق للفاشل والتبرير له!