عرسٌ في الدواية
من سفر مجاهدي الجنوب
عباس سرحان
2026-09-12 01:57
في الفجر الأخير من ذلك الخميس، 27 آذار 1997، كانت قرية أم الغزلان، شمال الناصرية، تستيقظ على صوت النساء وهنّ يُعدِدن قدور العرس، وعلى رائحة الهيل والقرنفل تتسلل من بيت إلى آخر، وكأن القرية كلها تتنفس فرحًا واحدًا لا تعرف أنه آخر أفراحها.
وقف حفّاظ سعدون شغي عند باب الدار، وقد نهض قبل أذان الفجر بساعة، يتأمل السماء وهي تنسلّ بهدوء من سوادها. لم يكن قلقه كقلق العرسان المعتاد، كان ممزوجًا بصمت يشبه صمت من يودّع شيئًا لا يعرف كنهه. سألته أمّه، وقد رأته على تلك الحال: «ما بك ساهرًا يا ولدي؟ نم قليلًا، فالليلة طويلة أمامك».
فلم يُجب، لكن شعورًا في صدره ألهمه أن هذا اليوم يحمل معه أمرًا غريبًا، وأنه لا يشبه سائر الأيام؛ فالأرواح، كما يقال، تستشرف أحيانًا مصائرها قبل أن تحلّ، فرحًا أو كدرًا، لكن لا يتّضح معناها لصاحبها إلا حين يفوت الأوان. وأمام إلحاح أمّه بالسؤال، ابتسم ابتسامة عابرة، وقال: «لا شيء يا أمي، إنه يوم جميل»، وأعاد بصره إلى الأفق كمن يبحث عن شيء لا يجده.
وفي بيت جاره انتيش عوض السعيدي، المعروف بين أهل الدواية بـ«أبي كرار»، كانوا يُعدّون بعض مستلزمات العرس مع إخوته حسين وحسن، وهما يتحدثان عن العريس حفّاظ بمحبة الجيران القدامى. قال حسين ضاحكًا: «اليوم يفرح حفّاظ، وغدًا يفرح غيره، هكذا تدور الأيام بيننا».
فردّ عليه حسن، وهو يداعب غرضًا بين يديه: «لعلّ الله يديم علينا مثل هذه الأيام».
وفي مكان آخر، كانت عروس حفّاظ، وقد وُشِم كفّاها بالحناء منذ الليلة الفائتة، تجلس بين نساء أهلها ينتظرن موكب الزفاف، لا تعلم أن الطريق الذي سيسلكه عريسها نحوها لن يبلغ نهايته أبدًا، وأن يدها المزيّنة ستبقى ممدودة في الانتظار إلى أن يأتيها الخبر بدل العريس.
فما إن أشرقت الشمس حتى وصلت إلى الدواية قوة من أكثر من أربعمئة عنصر، مدججة بالهاون والـ BKC وشتى الأسلحة، يقودها إسماعيل إبراهيم التكريتي. امتلأت الطرقات بغبار سياراتهم قبل أن تصل عيون الأهالي إلى وجوههم. لم يكن قدومهم صدفة، بل كانوا يعرفون أن في القرية عرسًا واجتماعات، وظنّوا أن يوم الفرح سيكون أضعف أيام الحذر، وأن قلوبًا مشغولة بالزينة لن تكون مستعدة للقتال.
توقفت السيارات العسكرية عند أم الغزلان، فارتجّت القرية كلها، وترجّل التكريتي محاطًا بحرسه، وطلب من مختار القرية أن يُحضر له سعدون شغي، والد العريس، بوصفه من وجهاء المنطقة.
جاء سعدون، وقد لبس عباءته على عجل، فوقف أمام التكريتي بهدوء الرجل الذي عاش عمره بين أهله ويعرف كيف يُخاطب مثل هؤلاء، وإن كان قلبه، من تحت ذلك الهدوء، يخفق كطبل حرب. قال التكريتي بصوت فيه تهديد مغلّف بالمجاملة: «سعدون، نحن نبحث عن بعض الشبان، ونعلم أنك رجل عاقل تستطيع إقناعهم بتسليم أنفسهم، حقنًا للدماء».
فسأله سعدون، وعيناه لا تفارقان عيني الضابط: «ومن هم هؤلاء الشبان؟».
فتلا الضابط الأسماء: جاسم محمد خنفر، انتيش عوض السعيدي، رياض سعدون شغي، خير الله فرحان السعيدي. فأجابه سعدون بحذر محسوب: «لا علم لي بمكانهم الآن، والقرية واسعة والناس منشغلون بالعرس».
لكن التكريتي، الذي لم يكن يثق بجواب كهذا، أضاف أسماء أخرى إلى القائمة، واحدًا بعد آخر: حسين عوض حنتوش، حسن عوض حنتوش، ناصر كاظم ثجيل، بدر شنيف بلكت، ياسر عزيز اشناوة، وغيرهم، حتى بدت القائمة أطول من أن تُصدّق، وكأنه أراد أن يُشعر القرية كلها بأنها متهمة، لا شبانها وحدهم.
فقال له سعدون، وقد بدأ صبره ينفد رغم حرصه على تهدئة الموقف: «أنتم اليوم ضيوف علينا، فلا تجعلوا يوم فرحنا يوم حزننا».
فضحك أحدهم قائلًا، ضحكة باردة لم تخلُ من استخفاف: «إنهم أفراد معدودون، نقبض عليهم بسهولة، لا داعي لكل هذا الكلام».
كانت تلك الضحكة، وإن لم يدرِ صاحبها، آخر ضحكة يضحكها قبل أن تنقلب موازين ذلك اليوم رأسًا على عقب.
حينها توجهت طليعة من القوة نحو بيت انتيش عوض وإخوته، الذي يبعد عن القرية عدة كيلومترات. لكن الشبان بداخله أحسّوا بريبة الصمت المفاجئ الذي يسبق العاصفة، فخرجوا من الدار قبل أن تُطبق عليهم القوة: حسن عوض حنتوش، ووائل عبد الكريم مكي «الدكتور أبو سجاد العكيلي»، وجاسم محمد خنفر، وانتيش عوض السعيدي، وبدر شنيف بلكت، وحسين عوض السعيدي.
وكان وائل قد ترك الطب والتحق بصفوف المجاهدين، فحوّل عقل الطبيب إلى عقل يخطط للعمليات النوعية التي أرّقت النظام البعثي عدة سنوات، حتى لُقّب بينهم بـ«مهندس العمليات النوعية». وحين وصلت القوة إلى الدار ذلك الصباح، لم يتردد في حمل سلاحه، وقال لرفاقه وهم يهمّون بالخروج، بصوت هادئ لا ترتجف فيه نبرة واحدة:
«إن كان لا بدّ من الموت، فلنمت واقفين لا رُكّعًا».
فتماسكت خطواتهم، وتوحدت أنفاسهم كأنهم رجل واحد.
لم يبتعدوا خمسين مترًا حتى انطلقت النيران فجأة من كل جانب، فانشقّ صباح ذلك الخميس الهادئ بدويّ الرصاص. فردّ الرجال الستة بما يملكون من أسلحة خفيفة ومتوسطة، وبعض القذائف، ستة في مواجهة المئات، لكنهم لم يتراجعوا خطوة واحدة.
في اللحظات الأولى من الاشتباك، سقط قائد الحملة إسماعيل إبراهيم التكريتي قتيلًا، فارتبكت صفوف من معه، وتبعه العشرات من رجاله، وتمكّن المقاومون من أسر ثلاثة وثلاثين عنصرًا والاستيلاء على أسلحتهم، بينما فرّ من تبقى من القوة تاركين خلفهم صفوفًا مبعثرة، وسلاحًا لم يعد لهم من يحمله.
ظنّ المجاهدون، للحظة، أن المعركة انتهت، فقرروا الانسحاب نحو الجسر القريب، حاملين جرحاهم. لكن القوات البعثية، وقد جُرح كبرياؤها بما تلقت من هزيمة، أعادت تنظيم صفوفها في صمت ماكر، ونصبت كمينًا بين الجداول القريبة، مزودًا بالقناصين وقذائف الهاون، تنتظر الفريسة التي ظنّت أنها نجت.
وحين اقترب المقاومون من الجسر، غير مدركين أن الأرض التي يمشون عليها قد صارت فخًا، انهالت عليهم طلقات القناصة من كل حدب وصوب، فأصيب غياض سعدون شغي برصاصة في رأسه، فسقط مضرجًا بدمائه بين إخوته.
حاول أحد المجاهدين رفع صوته طالبًا مهلة للانسحاب الآمن، فصرخ به أحد البعثيين من خلف الساتر، بصوت يقطر سخرية: «ارمِ سلاحك وسلّم نفسك يا جبان!».
فوقف خير الله فرحان السعيدي، وقد اربدّ وجهه غيظًا، ونظر نحو الصوت الآتي من وراء الأنهار الوعرة، وقال له بلهجة محلية، بكلمة واحدة:
«تخسى!».
كلمة واحدة، لكنها كانت إعلان معركة ثانية أشد ضراوة من الأولى، معركة لم تعد فيها مسألة النجاة واردة، بل مسألة الكرامة وحدها.
اشتعلت الجبهة من جديد، والدماء تختلط بماء الجداول التي كانت يومًا أهوارًا. وسقط في هذه الجولة جاسم محمد خنفر، والعريس حفّاظ سعدون شغي الذي لم يبلغ خيمة عرسه، وحسين عوض حنتوش، وعبد الرزاق السعيدي، واحدًا تلو الآخر، وكلٌّ منهم قاتل حتى آخر طلقة في مخزنه.
وفي بيتها، كانت العروس لا تزال جالسة بين نساء أهلها، وحناؤها لم يجفّ بعد، وثوب الزفاف معلّق أمامها ينتظر ساعته التي لن تأتي. سمعت أول الأمر همسًا يتنقل بين النساء، ثم رأت وجوهًا تتغيّر لونًا، ثم صمتًا يهبط على المكان أثقل من أي صراخ. وحين وصلها الخبر أخيرًا، لم تصرخ كما توقّع مَن حولها، بل جلست ساكنة، تنظر إلى يدها الموشومة وكأنها لم تعد تعرفها، وكأن ذلك الحناء الذي رُسم البارحة احتفالًا صار الآن علامة حداد لم تكن تعرف أنها ترسمها على نفسها.
وحين استدار سعدون شغي، فرأى ابن أخته حسين عوض، وابنه العريس حفّاظ، ساقطين معًا في الوحل ودماؤهما تختلط بتراب الأرض التي أراد أن يزفّ فيها ابنه قبل ساعات، توقف الزمن عنده لحظة، ثم لم يعد يفكر في العودة ولا في النجاة.
اندفع نحو خط النار وحده، فقتل عددًا من عناصر القوة، ثم نفد رصاصه، فاستلّ خنجره من حزامه وواصل القتال يدًا بيد، حتى سقط أخيرًا بعد أن أصابته عدة طلقات من كلاشنكوف، شيخًا مضرجًا بدمه، بجوار ابنه الذي أراد أن يزفّه إلى عروسه فزفّه، من حيث لا يدري، إلى الشهادة.
وفي بيتها، كانت أم حفّاظ، التي ودّعت ابنها ذلك الفجر بسؤال لم يُجبها عليه، قد فرشت عتبة الدار استعدادًا لموكب لن يصل. سمعت أول دويّ الرصاص من بعيد فحسبته زغاريد أُطلقت باكرًا، حتى رأت النسوة يركضن نحوها بوجوه لا تشبه وجوه من يحملن بشرى. لم تفهم في البداية أنها فقدت في تلك الساعة الرجلين اللذين بنت حولهما حياتها كلها: زوجها الذي عرفته منذ شبابها سندًا لا يتزعزع، وابنها الذي حملته طفلًا ثم ودّعته عريسًا. جلست تلك الليلة وحدها بين ثوب العرس المعلّق وثوب الحداد الذي لم تكن قد حاكته بعد، فحملت الاثنين معًا فوق قلب واحد.
من بعيد، حاول رجال القرية الوصول إلى إخوانهم لنجدتهم، لكن الرصاص والقصف العشوائي الكثيف الذي أطلقته القوات البعثية أغلق كل طريق أمامهم، فلم يبقَ لهم إلا أن يشهدوا المعركة من بعيد، عاجزين.
وحين خفّ صوت البنادق أخيرًا، وحلّ على الأرض صمت أثقل من كل ذلك الدوي، كان قد سقط من صفوف البعث العشرات، وأكثر من ثمانين جريحًا. وسقط بين القتلى مدير مخابرات الفرقة وعدد من مسؤولي التنظيم الحزبي في الناصرية والشطرة والغراف.
انسحب من تبقّى من المقاومين، يحملون جرحاهم وشهداءهم وغنائم المعركة، لكن النظام البعثي جنّ جنونه من وطأة الهزيمة، وعادت عناصره في 29 آذار، بعد يومين فقط، لينتقموا من الحجر والبشر في ناحية الدواية. اعتقلوا نحو مئتي أسرة، وأحرقوا البيوت وجرفوها، ونهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم من مواشٍ ودواجن. واليوم، حين يمرّ غريب بذلك الجسر عند الجداول التي كانت يومًا أهوارًا، لا يرى فيه إلا جسرًا كسائر الجسور.
أما أهل الدواية، فتنقلب أبصارهم من غير قصد نحو تلك البقعة قرب الحافة الثانية، حيث يميل الحجر قليلًا عن مستوى الجسر، ثم يعودون إلى طريقهم كأن شيئًا لم يكن، غير أن الحجر المائل يظل شاهدًا على دم لم يُقتصّ له بعد، وعلى قصاص لم يكتمل من المجرمين الذين أفلتوا من يد العدالة، فبقيت القرية تحمل في صمتها ثِقل الغياب وثِقل الانتظار.
رحم الله الشهداء الأبرار.