خطوات الحكومة لتعزيز السيادة.. بين حصر السلاح وتفكيك الفصائل
د. حسام ممدوح
2026-08-25 02:20
يبدو أن الحالة التي وصلت إليها الأمور على مستوى الداخل والخارج العراقي وضعت الدولة على مفترق طرق حاسم لاستعادة مركزية القرار الأمني باعتباره إحدى ركائز الدولة. فمن الصعوبة بمكان القول إن الدولة العراقية اليوم تحتكر القرار الأمني والعسكري فيها، في الوقت ذاته الذي تهدّد فيه مجموعة من الفصائل بضرب إحدى دول الجوار!
وعليه، فإن الحكومة العراقية، وإزاء هذا الموقف وتحت الضغط الأميركي، شرعت بخطوات من شأنها استعادة القرار الأمني وإعادة ترتيب هذا الملف المعقّد، الذي تريد الحكومة من خلاله تموضع العراق كفاعل مستقل على المستوى الدولي، وليس كقاعدة مهدِّدة للدول المجاورة.
وهنا لا بد من التمييز بين مسارين؛ الأول متعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وهذا الأمر قد لا يشكل مجالًا للجدل والخلاف بين القوى السياسية. أما المسار الثاني، وهو الأخطر، فيتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة، وهنا مكمن الخلاف، لا سيما أن بعض هذه الفصائل يرى في المسار محاولة أميركية لتجريده من سلاحه، على اعتبار أنه جزء من محور المقاومة للمشروع الأميركي-الإسرائيلي في المنطقة. وبالتالي، ففي هذه النقطة سنشهد حالة تقاطع بين الحكومة وبعض الفصائل، وهو ما يشكل احتمالًا للمواجهة بين الطرفين في أي لحظة.
وتنطلق الحكومة في مسارها من قاعدة قانونية وضع أساسها الدستور العراقي، الذي أشار إلى حظر تشكيل الميليشيات المسلحة في المادة التاسعة/ أولًا - ب. وبالتالي، فالحكومة تمتلك الحق القانوني والدستوري لتفكيك أي كيان مسلح لا يخضع للمؤسسات الأمنية الرسمية، فلا مجال، من الناحية القانونية، لوجود أي مجموعة مسلحة خارج سلطة الدولة.
لكننا هنا نكون أمام إشكالية وجود «هيئة الحشد الشعبي»، التي تخضع، من الناحية القانونية، للقائد العام للقوات المسلحة وتُعد جزءًا من القوات الأمنية العراقية. لكن بعض تشكيلاتها اليوم تظهر مواقف لا تنسجم مع القرار الحكومي الرسمي، لتأتي المادة التاسعة/ أولًا - أ من الدستور لتؤكد خضوع جميع القوات والأجهزة الأمنية للإدارة المدنية للحكومة. وعليه، فإن حالة السلم والحرب منوطة برئاسة الحكومة، وتخضع لها كل التشكيلات، بما فيها المنضوية تحت لواء هيئة الحشد الشعبي.
كل ما تقدم هو تمهيد لترتيب وضع أمني جديد في العراق لا يكون عامل تهديد لدول الجوار، كما تؤكد على ذلك المادة الثامنة من الدستور. فالدولة العراقية تتحمل المسؤولية القانونية عن التهديدات التي تنطلق من داخل أراضيها، وهذا عامل خارجي يُضاف إلى العامل الداخلي الذي حددته المادة التاسعة من الدستور.
خطر كبير
من المسلّم به أن تعددية القرار الأمني وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة يشكلان اليوم خطرًا وجوديًا بالنسبة للدولة العراقية، سواء أكان الأمر متعلقًا بالداخل أم بالخارج العراقي. فعلى المستوى الداخلي، سيكون فقدان الأمن أهم العوامل التي على الدولة مواجهتها، فضلًا عن انتشار العمليات المسلحة بعيدًا عن سلطتها، بما يحقق مصلحة هذا الفصيل أو ذاك.
أما خارجيًا، فكون العراق عامل تهديد لدول الجوار قد يدفع هذه الدول إلى استهدافه بدعوى الدفاع عن النفس، كما في عمليات القصف الأميركي - السعودي المشترك، التي قيل إنها جاءت للرد على هجمات مزعومة انطلقت من العراق.
التوتر الأمني لن يقف عند حدود الأمن، بل سيمتد بكل تأكيد ليطال الجانب الاقتصادي. فالعقوبات عبر وزارة الخزانة الأميركية، والمتعلقة بتقييد تحويل الدولار إلى العراق، وحتى فرض العقوبات على بعض المصارف والشخصيات المتهمة بالارتباط بالفصائل المسلحة، سيكون لها انعكاس كبير على الواقع الاقتصادي للعراق، الذي يعاني اليوم من أزمة خانقة قد تشتد إذا ما استمرت حالة التشظي الأمني الداخلي.
مشروع كبير
كل ما تقدم يشير، بما لا يقبل الشك، إلى أننا بحاجة اليوم، على مستوى العراق، إلى مشروع حقيقي يستهدف حصر السلاح بيد الدولة ويعالج هذا الملف الخطير. وهذا المشروع يمر عبر مراحل تنتهي باستعادة الدولة قرارها الأمني بشكل فعلي.
وقوام هذا المشروع وقاعدته:
1. العزم الجازم من قبل الحكومة على استعادة قرارها الأمني، باعتباره جزءًا من سيادتها.
2. إدراك القوى السياسية أهمية هذا المشروع بالنسبة للدولة العراقية، وبالتالي التعاطي معه بتفاعل عالٍ يمكّن الحكومة من إنجازه وفق توقيتات محددة.
هذه القاعدة ستمهّد لمشروع حصر السلاح بيد الدولة، والذي يتضمن المراحل الآتية:
1. عقد مؤتمر للحوار الوطني يضم القوى السياسية والفصائل المسلحة لتوحيد وجهات النظر المتعلقة بهذا الملف، ومحاولة بناء الثقة بين الشركاء على اختلافهم.
2. بدء عملية حصر فعلية للفصائل المسلحة وما تمتلكه من سلاح صغير ومتوسط وثقيل.
3. وضع جداول زمنية لعملية تسليم السلاح وتفكيك الفصائل أو دمجها ضمن المؤسسات الرسمية، بما يضمن تحقيق السلم المجتمعي.
وبطبيعة الحال، فإن ما تقدم يفترض أن يكون المشروع الذي نتكلم عنه هنا مشروعًا عراقيًا، لا تكون للقوى الخارجية يد فاعلة فيه؛ إذ إن دخول هذه القوى على خط هذا المشروع قد يحرف بوصلته بما يحقق مصلحة هذا الطرف أو ذاك بعيدًا عن مصلحة العراق.