الفوضى الخلّاقة وتأثيرها السلبي على العراق
عباس الصباغ
2026-08-23 04:06
من جملة الأخطاء والخطايا الاستراتيجية التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي في الشأن العراقي بشكل عام، بعد التغيير، أو الاحتلال النيساني المزلزل والمدمر عام 2003، اعتماد الفوضى الخلّاقة في تسيير شؤون البلاد. وما زال العراق، بعد أكثر من عقدين من الزمن، يعاني من تداعيات هذه الفوضى التي ضربت كل مفاصل الحياة فيه، وكأنه حقل تجارب تمهّد للسيطرة على جميع شعوب العالم الثالث التي تُعد الحديقة الخلفية للبيت الأبيض، حسب السرديات الأمريكية.
ومن معالم الفوضى الخلّاقة:
1. سياسيًا: الانفتاح الديمقراطي المفاجئ، من دون مقدمات، ومن دون ضبط إيقاع سياسي أو اجتماعي أو أخلاقي لمجتمع عاش عقودًا طويلة من الضبط القانوني مع مركزية الدولة الشديدة في هذا الضبط. وقد أضرّ هذا الانفتاح أكثر من حالة كتم الأنفاس وخنق حرية التعبير، فالعراق لم يكن مؤهلًا لهذا النوع من الانفتاح المفاجئ؛ لأن الديمقراطية لها أسس وضوابط معروفة للجميع، كما أن لها كوابح تمنع حالات الانفلات التي ضربت المشهد العراقي ككل.
ورافق ذلك إلغاء الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية، الأمر الذي ساعد على تفشي الجريمة المنظمة، وعصابات المخدرات، والانفلات الشخصي والعشائري. والأدهى من كل ذلك انتشار الميليشيات والسلاح المنفلت، بكل أشكاله، سواء الشخصي أو العشائري أو السياسي، خارج إطار الدولة، وهو ما يعاني منه العراق حاليًا، لا سيما أن هذا السلاح انضوى في الصراعات الإقليمية وضرب بعض دول الجوار، أي جعل العراق ساحة لتصفية حسابات الآخرين وخوض حرب ليست حرب العراق.
2. إعلاميًا: لم ينجُ المشهد الإعلامي من هذه الفوضى العارمة، فقد شهد انفلاتًا، أو انفتاحًا واسعًا، غير منضبط في جميع وسائل الإعلام، خاصة الفضائيات، والأخطر منه في وسائل التواصل الاجتماعي التي تحوّل بعضها إلى منصات للكراهية والتعصب وزعزعة السلم الوطني والاجتماعي والأخلاقي والإنساني، وتشويه صورة العراق أمام الرأي العام الإقليمي والعالمي.
وما يزال العراق غير مؤهل لهذا الانفلات العشوائي وغير منضبط الإيقاع أو غير المهني، وما زالت مواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ بالتوجهات الشوارعية والعصبوية والعرقية الطائفية المقيتة، فضلًا عن الشائعات والأكاذيب والترهات والأباطيل البعيدة كل البعد عن المشهد الإعلامي العراقي، ذلك المشهد الذي تم تأسيسه على يد شاعر العرب الأكبر الجواهري، رحمه الله، وهو خير ما يعبّر عن أصالة المجتمع العراقي.