وزارة الصحة في العناية المركزة

د. ياس خضير البياتي

2026-08-10 03:03

ليست الصحافة للنقد وحده، بل ترى المشهد كاملًا؛ تنتقد حين يجب، وتشيد حين يستحق العمل الإشادة، لأن خدمة المجتمع لا لون سياسيًا لها، والإنجاز لا يفقد قيمته لأن صاحبه مسؤول. ومن هذا المنطلق، تابعتُ زيارات وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي إلى المستشفيات، لا كجولات بروتوكولية، بل كمحاولة لرؤية ما يجري خلف الأبواب؛ حيث يصمت الكلام الرسمي أمام سرير المريض، وتظهر الحقيقة في الممرات، وفي تعامل الطبيب والموظف مع إنسان جاء يبحث عن العلاج والكرامة معًا.

ما رأيناه في بعض هذه المستشفيات كان مؤلمًا أكثر مما تحتمل البيانات الرسمية. دخل الوزير الجديد المستشفيات، فرأى شيئًا من الذي يراه العراقيون منذ سنوات. ثلاثة وعشرون عامًا، ومليارات الدولارات صُرفت على الصحة، وخرجت من المشاريع تصريحات أكثر مما خرجت مستشفيات. قيل لنا إن الصحة بخير، وإن المستشفيات تتطور، وإن الخدمات تتحسن. ويبدو أنها كانت بخير فعلًا… لكن في البيانات الرسمية فقط. أما الواقع، فكان رواية أخرى.

والسؤال الذي تأخر كثيرًا: أين كانت كل تلك الحكومات ووزارات الصحة؟ هل لم يروا ما نراه اليوم؟ أم أن التقارير كانت تصلهم من كوكب آخر؟

المشكلة ليست في الأبنية والأجهزة وحدها، بل في الإدارة والضمير أيضًا. حين يتحول المريض إلى رقم، والمراجع إلى إزعاج، والوظيفة إلى امتياز، تصبح الأزمة أكبر من نقص الدواء.

ومع ذلك، علينا ألا نظلم الجميع؛ فهناك أطباء وممرضون وموظفون يعملون في ظروف صعبة ويؤدون واجبهم بشرف يستحق الإشادة. لكن هناك أيضًا من نسي أن المريض جاء لأنه مريض، لا لأنه جاء ليتوسل خدمة. أما الوزير، فقد قال ما لم نعتد سماعه كثيرًا من المسؤولين: الدولة في مأزق، وهناك عجز عن توفير الرواتب.

قد يختلف البعض معه، لكن الاعتراف بالمشكلة أفضل من استمرار مسرحية (كل شيء بخير). كما أن فتح بابه للمئات من المواطنين والاستماع إليهم مباشرة خطوة تستحق الإشادة. صحيح أن البعض قد يراها دعاية شخصية، وهذا حقه في النقد، فالوزير يحب الكاميرا كما يحب المواطن الدواء. إذا كانت الزيارات صورًا فقط، فلدينا أرشيف كامل من صور المسؤولين السابقين. أما إذا تحولت إلى إصلاح ومحاسبة ومتابعة وتغيير حقيقي، فحتى الكاميرا تصبح تفصيلًا صغيرًا. لذلك لن نستعجل الحكم على الوزير.

سنقول له اليوم: أحسنت. ثم نقول مباشرة: والآن أكمل. وسننتظر عامًا.

بعد عام لن نسأل الوزير ماذا قال، بل ماذا تغير. لن نقرأ البيانات، بل سنسأل المريض. لن ننظر إلى الصور، بل إلى الدواء والأجهزة والطوارئ والإدارة ومعاملة الناس. فالصحافة ليست دائرة علاقات عامة للوزارات، وليست محكمة لإعدام المسؤولين. هي عين المجتمع؛ تقول للمخطئ أخطأت، وللمحسن أحسنت. نحن لا نمنح الوزير براءة، ولا ندينه. نمنحه فرصة. وبعد عام سنعرف: هل دخل المستشفيات ليراها من باب الدعاية، أم دخلها لكي يجعلها تتغير؟

نحن لا نريد وزيرًا يجيد الحديث عن المرض، بل وزيرًا يعالج المرض. ولا نريد مستشفى تُطلى جدرانه قبل زيارة الوزير، ثم تعود المياه إلى مجاريها القديمة بعد مغادرته. ولا نريد مدير مستشفى يتصرف وكأن المؤسسة ملك شخصي، ولا طبيبًا ينسى، وسط زحام المصالح والمنافع، أن مهنته في أصلها رسالة إنسانية قبل أن تكون وظيفة.

لقد كشفت لنا السنوات الماضية أن أزمة الصحة في العراق ليست أزمة أبنية وأجهزة وأدوية فقط. إنها في جانب منها أزمة إدارة، وأزمة رقابة، وأزمة ضمير مهني، وأحيانًا أزمة وطنية أيضًا. نريد هذه المرة أن يزور الوزير المستشفى اليوم، ثم نعود إليه بعد عام فلا نتعرف عليه. عندها فقط سنقول: كانت الزيارة تستحق. أما إذا بقي كل شيء كما كان، فسوف نقول له بكل احترام: كانت الزيارة جميلة… لكن المستشفى لم يكن كذلك.

وهكذا اكتملت أخيرًا منظومتنا الصحية: المريض ينتظر العلاج، والمواطن ينتظر الإصلاح، والصحفي ينتظر النتائج، والمستشفى ينتظر الوزير، وربما الوزير ينتظر أن تتحسن المستشفيات قبل أن تنتهي ولايته. يا لها من كفاءة عراقية نادرة! الجميع يؤدي دوره بإتقان… وحده العلاج لم يصل إلى دوره بعد.

ثلاثة وعشرون عامًا من المليارات والوعود والتقارير، وما زلنا نبحث عن أول علامة حياة في جسد الصحة العراقية. ولعل الإنجاز الأكبر الذي تحقق طوال هذه السنوات هو أننا أصبحنا خبراء في الانتظار؛ ننتظر الدواء، وننتظر الطبيب، وننتظر الفرج، وننتظر الإصلاح، ثم ننتظر المسؤول الجديد ليخبرنا أن المسؤول السابق كان السبب.

أما المرض، فله نظام عمل مختلف؛ لا ينتظر لجنة، ولا يحتاج إلى موافقة، ولا يدخل في إجازة. يأتي في موعده تمامًا… ثم يترك للمريض مهمة الانتظار. وهكذا، إذا سألنا يومًا: متى تتعافى وزارة الصحة؟ سيأتينا الجواب الرسمي المعتاد: «قريبًا جدًا… بعد استكمال الإجراءات اللازمة».

ثلاثة وعشرون عامًا من الوعود، والمليارات، واللجان، والخطط.

كل شيء تحسّن في التقارير… إلا المريض!

ذات صلة

نموذج الدولة النبوية وحكام اليوممخاطر تحريف وظيفة المناسبات الدينية.. إفراغ البعد الإصلاحي وتسييس الوعيزيارة الأربعين.. من الفاعلية المجتمعية إلى المواطنة الفاعلةحكومة الزيدي بين شرعية الدولة وفوضى السلاحالأزمة النووية الوشيكة في الخليج