القصف السعودي الذي قلب طاولة الزيدي
محمد النصراوي
2026-08-03 05:04
ثمة توقيتات في السياسة أشد فتكًا من الأسلحة ذاتها، وثمة قرارات تُصيب في محلها وتخطئ في زمانها، فتتحول من فعل دفاعي مشروع إلى طعنة تُوجَّه، من حيث لا يُراد، إلى صدر الدولة التي يُفترض أنها الشريك لا الهدف. هذا بالضبط ما فعلته الضربة السعودية - الأميركية التي طالت مواقع فصائل الحشد الشعبي في العراق؛ ضربة ربما تجد لها الرياض مبررات أمنية وجيهة، بنظرها، لكنها اختارت لتوقيتها لحظة كانت الأخطر والأكثر هشاشة في مسار طال انتظاره: مسار حصر السلاح بيد الدولة العراقية.
فقبل أسابيع قليلة من هذه الغارات، كان العراق يخطو خطوات لم يعرف مثلها منذ عام 2014؛ فوّض الإطار التنسيقي الشيعي رئيس الوزراء علي الزيدي بالمضي في ملف حصر السلاح، وأعلن مقتدى الصدر فصل سرايا السلام عن جناحها المسلح، وتبعته عصائب أهل الحق بفك ارتباطها بمقاتليها في الحشد. لم تكن هذه إيماءات شكلية، بل كانت أول اختراق حقيقي في جدار ظل صلبًا لأكثر من عقد، وأول لحظة توافقت فيها الإرادة السياسية مع الظرف الإقليمي على أن زمن السلاح المنفلت قد ولّى. كانت الأغلبية، مذعنة ومقتنعة، أو مكرهة ومجبرة، وهذا فارق جوهري يوحي بأن الوقت الآن هو وقت حصر السلاح بيد الدولة فقط، أو هكذا بدا.
ثم جاءت الضربة، فبدلت المعادلة بين ليلة وضحاها. فحين تسقط الطائرات السعودية والأميركية حممها على مواقع الحشد، فإنها لا تصيب مليشيا موالية لإيران بالمعنى المجرد الذي تسوقه بيانات التحالف السعودي-الأميركي، بل تصيب مؤسسة مصنفة رسميًا ضمن القوات الأمنية العراقية، ممولة من الموازنة العامة، ويُقتل من صفوفها عشرون رجلًا، ويُجرح عشرات آخرون، في لحظة كان الخطاب الداخلي يحاول فيها إقناع هذه الفصائل بأن التخلي عن السلاح خيار كرامة لا استسلام. فما الذي يبقى من هذا الخطاب حين يتحول التنازل عن السلاح، في نظر المقاتل العراقي، إلى تجريد أمام عدو خارجي يقصف متى شاء؟ لقد منحت الضربة، من حيث لا تقصد، الفصائل المتشددة أقوى حجة يمكن أن تحلم بها:
انظروا، هذا ثمن نزع السلاح، لا أمن ولا سيادة، بل قنابل تتساقط على رؤوسكم بينما تتقدمون نحوهم بحسن نية.
والنتيجة التي كان يمكن توقعها لم تتأخر: مصادر حكومية عراقية تتحدث اليوم عن ضغوط حقيقية تُمارس على الزيدي لتجميد ملف حصر السلاح بأكمله، وعن فصائل تستثمر الضربة سياسيًا لتُعيد فرض روايتها القديمة، رواية المقاومة التي لا يُنتزع سلاحها إلا حين تُنزع سيادة البلد كله. فبعد أن كان الزيدي يخوض معركته من موقع القوة والتفويض والإجماع، وجد نفسه فجأة يخوضها من موقع الدفاع عن النفس، محرجًا بين التزامه ببرنامجه الإصلاحي وبين موجة غضب شعبي وفصائلي مشروع تجاه اعتداء على الأرض والسيادة.
وهنا يكمن جوهر المفارقة المرة: أن الرياض التي لها كل الحق في الدفاع عن منشآتها النفطية وقواتها من هجمات مسيّرة تُطلق من الأراضي العراقية، مع نفي الحكومة العراقية لذلك، اختارت أن ترد بمنطق الحرب في لحظة كانت تحتاج فيها بالضبط إلى منطق السياسة. فالحكومة العراقية ذاتها كانت تحاصر هذا السلاح من الداخل بلا استعراض إعلامي ولا غارات، وكان يكفي صبر أسابيع قليلة أخرى، وربما تنسيق أعمق مع بغداد بدل تجاوزها، لتحصد الرياض ثمار انتصار عراقي داخلي كانت ستصب في نهاية المطاف في مصلحتها هي أولًا. بدل ذلك، بدت الضربة وكأنها تعاقب بغداد على تلكؤ لم يعد قائمًا، وتُهدر رصيدًا سياسيًا كان في طور التكون.
والحقيقة أن هذا الافتقار إلى حاسة التوقيت ليس طارئًا على السياسة السعودية، بل يكاد يكون سمة متكررة في تعاملها مع أزمات جوارها. فمن يتذكر عام 2015 يتذكر كيف أُعلنت عاصفة الحزم في اليمن بوصفها عملية سريعة الحسم، محدودة الأمد، تنتهي خلال أسابيع بإعادة الشرعية وكسر شوكة الانقلاب. وها هي تلك الأسابيع يمر عليها الآن أكثر من عقد كامل، بين حرب استنزفت الموارد، وأطالت أمد المأساة الإنسانية، وأورثت المنطقة واقعًا أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل أول طلعة جوية. فالمنطق الذي حكم على صنعاء يومها يبدو أنه هو ذاته الذي يحكم على بغداد اليوم: قراءة اللحظة الأمنية بمعزل عن اللحظة السياسية، والثقة المفرطة بأن الحسم العسكري كفيل وحده بإنهاء معضلات أعقد من أن تُحل بغارة أو غارتين.
وكما فات على الرياض في اليمن أن الفراغ الذي تتركه القوة العسكرية غالبًا ما يملؤه فاعلون أشد تطرفًا وأقل قابلية للتفاوض، فإنها اليوم تخاطر بالخطأ ذاته في العراق: أن تُضعف شريكًا معتدلًا كان يمكن أن يُنجز ما تريده الرياض بالضبط، لتفسح المجال أمام من لا يعرفون في العلاقة مع الجوار غير لغة السلاح.
قد يقال إن لكل دولة الحق في حماية أمنها بصرف النظر عن التوقيت، وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن بين حق الدفاع وحكمة التوقيت مسافة تفصل الاستراتيجي عن الآني، وتفصل من يبني تحالفات طويلة الأمد عمن يكتفي بتسجيل نقطة تكتيكية عابرة على حساب تقدم استراتيجي كان يمكن حصده مع الزمن. فالسعودية بضربتها هذه ربما ربحت جولة أمنية محدودة، لكنها خسرت شيئًا أثمن بكثير: فرصة أن يخرج العراق من عباءة السلاح الفصائلي بيد حكومته لا بيد طائراتها، وأن تُقاس النتيجة بمنطق الشراكة والتعاون لا بمنطق القصف. وحين تُقلب الطاولة على رئيس وزراء كان يكافح من أجل هدف تتقاسمه معه الرياض نفسها، فإن الخاسر الحقيقي ليس الزيدي وحده، بل مشروع الدولة العراقية بأكمله، ومعه، وإن بعد حين، مصلحة السعودية ذاتها في جوار مستقر لا تحكم فيه إلا المؤسسات.