أضواء على تعليمات بيع وإيجار الوحدات السكنية
احمد طلال عبد الحميد البدري
2026-07-19 01:12
أصدرت الهيئة الوطنية للاستثمار تعليمات بيع وإيجار الوحدات السكنية في المشاريع الاستثمارية رقم (1) لسنة 2025 وتم نشرها في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4855) في 12/1/2026، ولعل قارئ عنوان هذه التعليمات ينصرف ذهنه بداهة إلى كون هذه التعليمات تخص تنظيم العلاقة التعاقدية الخاصة ببيع أو إيجار هذه الوحدات بين المستفيد (المشتري أو المستأجر) وبين (المستثمر) بما يضمن توازن العلاقة التعاقدية بين الطرفين، إلا أنه من استقراء نصوص هذه التعليمات نجدها جاءت خالية من تنظيم هذه العلاقة باستثناء بعض النصوص التي تنظم الإيجار والبيع، في حين جاءت بقية الأحكام تتعلق بتنظيم العلاقة بين الهيئة الوطنية للاستثمار وبين المستثمر دون إيراد أي ضمانات للمتعاقدين مع المستثمر، وسنحاول في هذه المقالة استعراض أهم الأحكام في المحاور الآتية:
المحور الأول: تنظيم العلاقة والامتيازات الممنوحة للمستثمر
تضمنت التعليمات جملة من الأحكام تتعلق بتنظيم العلاقة بين الهيئة الوطنية للاستثمار وبين المستثمر وهي تمثل امتيازات للمستثمر ومنها:
1. البيع على الخارطة: نصت المادة (5/أولاً) من التعليمات على إعطاء المستثمر حق بيع الوحدات السكنية على الخارطة وتوقيع عقود بيع الوحدات السكنية في المشروع على أن ينجز ما لا يقل عن (25%) خمسة وعشرين بالمائة من المشروع الكلي بما فيها البنى التحتية، بموجب هذا النص بإمكان المستثمر بيع وحدة سكنية غير موجودة على أرض الواقع وإنما هي مجرد مساحات مسقطة على خارطة المشروع وفق تصاميم (ماكيتات) وهذا من شأنه تمكين المستثمر من تمويل أعمال البناء والتشييد وهو لم يتجاوز نسبة (25%) من المشروع.
2. حق المستثمر في إدارة الحساب المصرفي للمشروع: لأغراض تنفيذ المشروع والصرف عليه والاستفادة من دفعات المقرضين ومقدمي الخدمات والمقاولين ومصاريف تصميم وإنشاء البنية التحتية الداخلية وتكاليف تصميم إدارة المشروع على أن يقدم المستثمر حساباً شهرياً بالمبالغ المصروفة للهيئة، ولم تبين التعليمات المذكورة دور الهيئة في الرقابة على هذه الحسابات وآليات الرقابة عليها.
3. حق المستثمر في تحويل الأرباح: للمستثمر بموجب هذه التعليمات تحويل أية أرباح متحققة عن أعمال المشروع وفقاً للقانون خلال مدة تنفيذه من حسابه الخاص بالمشروع وأية حسابات أخرى له وبتأييد من الهيئة مانحة الإجازة، وهذا النص يمثل امتيازاً للمستثمر على حساب ضمانات المشروع، إذ إن تحويل الأرباح يجب أن يكون بعد أن بلغ المشروع نسبة عالية في الإنجاز أو تجاوز على الأقل نسبة (50%) خمسين من المائة من قيمة المشروع، ولاسيما إذا كانت هذه الأرباح تفوق نسبة الضمانات المقدمة للهيئة مانحة الإجازة.
4. عدم جواز الحجز من المصرف على أموال المستثمر: لم تجز التعليمات الحجز على أموال المستثمر المودعة في حساب المشروع لصالحه أو لصالح دائني المستثمر إلا بقرار قضائي مكتسب الدرجة القطعية، حيث أضفت التعليمات الحماية القانونية على الأموال المودعة في حساب المستثمر، ومنعت الحجز عليها من قبل دائني المستثمر ما لم تكن هذه الديون واجبة السداد وفقاً لمراحل تقدم العمل.
المحور الثاني: الالتزامات العامة للمستثمر اتجاه هيئة الاستثمار
تضمنت التعليمات التزامات عامة يتوجب على المستثمر القيام بها اتجاه هيئة الاستثمار الوطنية، وهي: الإعلان عن بيع الوحدات السكنية وعدم احتكارها والمضاربة عليها، ولم تبين التعليمات الجزاءات والإجراءات الإدارية في حال المضاربة العقارية من جانب المستثمر. تقديم موقف شهري عن أعمال التسويق للمشاريع. الامتناع عن البيع من الباطن لأشخاص تربطهم صلة بالمستثمر ولم تبين المعلومات درجة الصلة المقصودة هل هم من الأقارب أو المعارف أو الأصدقاء أو الشركاء... إلخ. تزويد الهيئة مانحة الإجازة بنسخة من عقود بيع الوحدات السكنية ومستمسكات المستفيد خلال (30) يوماً من تاريخ إبرام العقد.
المحور الثالث: الأحكام الخاصة بإيجار الوحدات السكنية
تضمن التعليمات بعض الأحكام الخاصة بإيجار الوحدات السكنية في المشروع الاستثماري بين الهيئة الوطنية للاستثمار وبين المستثمر، وخلت من أي نص يتعلق بتنظيم العلاقة بين المستثمر والمستأجر، حيث ألزمت التعليمات المستثمر بما يأتي: جواز إيجار الوحدات السكنية للعراقيين والأجانب وفقاً للقانون. يسلم المأجور إلى المستأجر بعد توقيع عقد الإيجار معه وهذا أمر بديهي ولا يحتاج إلى نص في تعليمات، إذ طالما لم تنظم التعليمات عقداً ذا طبيعة خاصة بهذا النوع من المشاريع فهو يخضع للأحكام العامة لعقد الإيجار في القانون المدني ومنها تمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور وعدم معارضته بالانتفاع به.
إلزام المستأجر بالإخلاء وتسليم الأجور عند انتهاء مدة الإيجار، وعدم استعمال العقار لغير الغرض المخصص له، وعدم إجراء تغييرات بالمأجور إلا بموافقة المستثمر، والحقيقة أن مثل هذه النصوص تعد لغواً من وجهة نظرنا لأن التعليمات لم تحدد نظاماً قانونياً خاصاً بعقود إيجار الوحدات السكنية الاستثمارية، وبالتالي فهي تخضع لأحكام قانون الإيجار بالنسبة لالتزام الطرفين المؤجر والمستأجر ولا داعي لتكرار هذه الالتزامات في هذه التعليمات، كون هذه الالتزامات منصوص عليها في عقد الإيجار.
المحور الرابع: أحكام عقد البيع والثغرات القانونية
أغفلت التعليمات عن معالجة أحكام عقد بيع الوحدات السكنية الاستثمارية ولم تنص على الشروط والأحكام الواجب إدراجها في عقد البيع أو إرفاق ملحق بالتعليمات يتضمن إجراءات ومراحل التعاقد بين المستثمر والمستفيد، وآلية تحديد قيمة الوحدات السكنية ومواصفاتها الفنية، وهل يحتاج عقد البيع شكلية معينة لاستكماله كتصديق الهيئة المانحة للإجازة على تواقيع الطرفين على سبيل المثال، كذلك أغفلت التعليمات إرفاق صيغة عقد بيع نموذجي يتوافق مع أهداف هيئة الاستثمار والعقد المبرم بين المستثمر والمستفيد بما يضمن توازن طرفي العلاقة التعاقدية ولضمان تجاوز المنازعات التي قد تنشأ عن الإخلال بتنفيذ هذه العقود، ومع ذلك وردت أحكام متفرقة في التعليمات تخص عقد بيع الوحدات السكنية الاستثمارية نوجزها بالآتي:
حصر بيع الوحدات السكنية للعراقيين فقط.
التزام المستثمر بسعر الوحدة السكنية المثبت في دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة قبل منح إجازة الاستثمار والمصادق عليها من هيئة الاستثمار المعنية والمثبتة في عقد الاستثمار، وهذا الالتزام نجده غير مطبق في المشاريع الاستثمارية لأن سعر الوحدات السكنية يتزايد سنوياً بشكل مضاعف من خلال المضاربات العقارية، ولم تحدد التعليمات الإجراءات والجزاءات في حال عدم التزام المستثمر بسعر الوحدة السكنية.
احتفاظ هيئة الاستثمار بنسبة (5%) خمسة من المائة من قيمة كل وحدة سكنية ولا يتم إطلاقها إلى المستثمر إلا بعد مرور مدة الصيانة البالغة سنة واحدة من تاريخ التسليم، ويهدر هذا الإجراء إذا كان المستثمر قد قدم كفالة حسن أداء وأغفلت التعليمات بيان نوع هذه الكفالة هل تتم بموجب صك مصدق أو خطاب ضمان، وهل هو صادر من مصرف عراقي حكومي أو أهلي وهل يجوز قبوله من مصرف أجنبي.
ألزمت التعليمات المستثمر تسليم الوحدة السكنية إلى المشتري ونقل ملكيتها في دائرة التسجيل العقاري المختصة، وهذا النص غير فاعل بصيغته الحالية حيث يفترض إلزام المستثمر بتضمين عقد البيع التزاماً بالتسليم ضمن المدة المحددة بالعقد مع فرض جزاءات مالية في حال كون التأخير لسبب عائد إلى المستثمر ولم يكن نتيجة قوة قاهرة أو ظرف طارئ، كما لم تتضمن التعليمات الإجراءات المتخذة بحق المستثمر في حال امتناعه عن نقل الملكية للمستفيد.
الخلاصة
خلاصة ما تقدم أن هذه التعليمات لم تنظم عملية بيع وإيجار الوحدات السكنية الاستثمارية بشكل مفصل وشفاف ومتوازن ووردت الأحكام مبعثرة هنا وهناك في التعليمات، كما لم تتضمن عقداً نموذجياً يتم اعتماده من قبل كل المستثمرين، كما أنها لم تبين طبيعة هذا العقد ولم تحدد إجراءات خاصة لإبرامه ونقل الملكية إلى المشتري، ولم تتضمن جزاءات إدارية في حال مخالفة أحكامها كسحب الإجازة أو غير ذلك، ندعو الهيئة الوطنية للاستثمار لإصدار قانون بيع الوحدات السكنية الاستثمارية لأنه يعد عقداً ذا طبيعة خاصة ويحتاج لأحكام خاصة عند التعاقد ونقل الملكية... والله الموفق.