المسؤولية الأخلاقي: هل يضع العقل السياسي مصلحة الدولة فوق المحاور؟
مصطفى ملا هذال
2026-07-19 01:09
كانت السياسة عبر التاريخ وسيلة لتنظيم حياة المجتمعات وإدارة المصالح العامة، وصناعة التوازن بين القوى الاجتماعية، فهي في جوهرها فن البحث عن الحلول، وصناعة التوافق، وإدارة الاختلاف ضمن إطار يحفظ استقرار الدولة ويحقق مصالح المواطنين.
غير أن هذا المفهوم أخذ يتراجع في كثير من البيئات السياسية، حيث أصبح التعامل مع السياسة أقرب إلى معركة مفتوحة، يقاس فيها النجاح بحجم الخسائر التي تلحق بالخصوم، لا بقدر ما يتحقق من إنجازات تخدم المجتمع.
حين تتحول السياسة إلى ساحة صراع دائم، تتغير الأولويات بصورة واضحة، تختفي لغة البرامج والرؤى، لتحل محلها لغة الاتهامات والتخوين والاستقطاب الحاد، يصبح الخصم السياسي عدوا ينبغي إقصاؤه، لا منافسا يمكن الاختلاف معه، تتراجع قيمة الحوار وتتقدم ثقافة المواجهة، فتفقد المؤسسات دورها الطبيعي في صناعة القرار، لتتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية.
هذا التحول لا يحدث بصورة مفاجئة، فهو نتيجة تراكمات طويلة تبدأ حين يغيب الإيمان بأن الاختلاف ظاهرة صحية داخل المجتمعات، فالتنوع في الأفكار والمواقف يمثل مصدر قوة إذا أحسن استثماره، لأنه يفتح المجال أمام تعدد الحلول وتبادل الخبرات، أما حين ينظر إلى كل اختلاف باعتباره تهديدا، فإن السياسة تدخل مرحلة يغلب عليها التوتر المستمر، ويصبح الصدام الخيار الأكثر حضورا.
ومن أخطر نتائج هذا النهج تراجع الاهتمام بقضايا المواطنين، فالمسؤول الذي يقضي معظم وقته في مواجهة خصومه لن يجد الوقت الكافي لمعالجة الملفات الاقتصادية، أو تحسين الخدمات أو تطوير التعليم، أو النهوض بالقطاع الصحي، فعادة ما تنشغل الحكومات بالصراع السياسي، بينما تتراكم المشكلات اليومية التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة، عند تلك اللحظة يشعر المواطن بأن السياسة فقدت علاقتها باحتياجاته الحقيقية.
تؤدي هذه الحالة أيضا إلى إضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، فحين يشاهد المواطن خلافات لا تنتهي وخطابات متشنجة، وصراعات شخصية تتكرر في كل مناسبة، يبدأ الاعتقاد بأن السياسة لم تعد أداة للإصلاح، فتتراجع المشاركة في الانتخابات، ويزداد العزوف عن العمل العام، ويترسخ الشعور بعدم جدوى المشاركة في صناعة المستقبل.
السياسة الناجحة لا تقوم على فكرة الانتصار الدائم لفريق واحد، لأن المجتمع يتكون من أطياف متعددة، لكل منها رؤيتها ومصالحها، لهذا تحتاج العملية السياسية إلى القدرة على بناء الجسور بين المختلفين، وصناعة مساحات مشتركة تسمح بالتعاون رغم استمرار التباين في المواقف، فالدول المستقرة لا تلغي الخلافات، لكنها تمتلك مؤسسات قادرة على إدارتها بطريقة حضارية تحافظ على وحدة المجتمع.
وذلك لا يعني غياب المنافسة السياسية، فالمنافسة عنصر أساسي في أي نظام ديمقراطي، فهي تحفز على تقديم البرامج الأفضل، وتدفع المسؤولين إلى تحسين أدائهم، غير أن المنافسة تختلف عن الصراع، المنافسة تقوم على تقديم البدائل، واحترام قواعد اللعبة السياسية والقبول بنتائجها، أما الصراع فيقوم على تعطيل الخصم وتشويه صورته، والسعي إلى منعه من أداء دوره مهما كانت الوسائل المستخدمة.
الإعلام بدوره يتحمل مسؤولية كبيرة في ترسيخ أحد النموذجين، فالإعلام المهني يساهم في نشر ثقافة الحوار، ويعرض مختلف الآراء بصورة متوازنة، ويمنح الجمهور فرصة لتقييم الأفكار بعيدا عن الإثارة، في المقابل يؤدي الإعلام المنحاز إلى تغذية الانقسام عبر تضخيم الخلافات، وإثارة المشاعر وتحويل النقاشات السياسية إلى مواجهات تستهدف تحقيق المكاسب الآنية على حساب المصلحة العامة.
الأحزاب السياسية مطالبة أيضا بإعادة النظر في أساليب عملها، فالحزب الذي يختزل نشاطه في مهاجمة الآخرين يفقد تدريجيا قدرته على تقديم الحلول، أما الحزب الذي يضع البرامج الواقعية، ويستمع إلى المواطنين ويطور كوادره، فإنه يسهم في رفع مستوى العمل السياسي، ويمنح المجتمع خيارات أكثر نضجا.
تبدأ معالجة هذه الظاهرة من ترسيخ ثقافة تؤمن بأن السياسة وظيفة عامة هدفها خدمة الناس، اذ يحتاج المسؤول إلى إدراك أن المنصب تكليف يحمل مسؤوليات كبيرة، وأن النجاح الحقيقي يقاس بما ينجزه للمواطن، لا بعدد الخصوم الذين تمكن من هزيمتهم، كما يحتاج المواطن إلى دعم الخطاب المعتدل، ومحاسبة من يحول الساحة السياسية إلى ميدان دائم للمواجهات العقيمة.
تبقى السياسة في حقيقتها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منافسة على السلطة، فإذا تعامل معها الفاعلون السياسيون باعتبارها معركة لا تنتهي، فإن المجتمع كله سيدفع ثمن ذلك من استقراره وتنميته ومستقبل أجياله، أما إذا استعاد الجميع الإيمان بأن السياسة ميدان للعمل وخدمة الوطن، فسوف تتحول الخلافات إلى قوة تدفع نحو الإصلاح، وتصبح المؤسسات قادرة على أداء دورها في بناء دولة تستوعب الجميع، وتحترم التنوع وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.