هل تلتهم محاسبة الماضي استحقاقات البناء في حكومة الزيدي؟

مصطفى ملا هذال

2026-07-14 02:36

منذ تسلّمه رئاسة مجلس الوزراء، يحرص رئيس الحكومة الحالي السيد علي الزيدي، على تأكيد أن حكومته لن تتهاون في مراجعة الملفات التي يعتقد أنها شهدت إخفاقات أو مخالفات خلال المرحلة السابقة، مع التشديد على مبدأ المحاسبة واسترداد الحقوق وملاحقة المقصرين.

هذا الخطاب يجد صداه لدى شريحة من المواطنين التي ترى أن أي إصلاح حقيقي يبدأ من كشف مكامن الخلل ومحاسبة المسؤولين عنها، لكنه في المقابل يثير تساؤلات لدى شريحة أخرى تتطلع إلى ما هو أبعد من مراجعة الماضي، وتنتظر حلولا عملية لأزمات تراكمت على مدى سنوات طويلة.

المجتمع العراقي لا سيما وانه خارج من مراحل معقدة بحاجة إلى الموازنة بين أمرين؛ الأول يتمثل في تحقيق العدالة، والثاني يكمن في استمرار عجلة الدولة وعدم تحولها إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات السياسية أو الإدارية.

فالمواطن الذي يعاني من ضعف الخدمات، وشح فرص العمل، وتراجع البنية التحتية، لا يعنيه كثيرا اسم المسؤول الذي تسبب بالمشكلة بقدر ما يعنيه موعد انتهاء تلك المشكلة.

ومن الطبيعي أن يرث أي رئيس وزراء ملفات ثقيلة، بعضها يمتد إلى سنوات طويلة، وبعضها الآخر يعود إلى حكومات متعاقبة، وهو ما يجعل الحديث عن تصحيح الأخطاء أمرا منطقيا في بدايات أي حكومة، لكن المنطق ذاته يفرض أن يتحول هذا التصحيح إلى وسيلة لإطلاق مشاريع جديدة، لا أن يصبح الهدف الوحيد الذي تستنزف فيه الطاقات والوقت.

العراق اليوم لا يفتقر إلى معرفة مشكلاته، فالجميع يدرك حجم التحديات في قطاعات الكهرباء والماء والصحة والتعليم والإسكان وغيرها، كما أن التقارير الرسمية والرقابية تزخر بتشخيص مواطن الخلل، ولم يعد المواطن بحاجة إلى مزيد من التقارير التي تؤكد وجود المشكلة.

ولهذا فإن استمرار التركيز على أخطاء الحكومات السابقة قد يحمل وجهين؛ الأول إيجابي يتمثل في ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وإرسال رسالة واضحة لكل مسؤول بأن المنصب لا يحمي صاحبه من المساءلة، أما الوجه الآخر، فيكمن في احتمال أن يتحول هذا الملف إلى مساحة تستنزف الجهد الحكومي على حساب الإنجاز التنفيذي، خصوصا إذا أصبحت لغة الاتهامات أكثر حضورا من لغة المشاريع.

التاريخ السياسي في كثير من الدول يقدم نماذج متباينة، فهناك حكومات بدأت بمراجعة الماضي، لكنها سرعان ما انتقلت إلى بناء المستقبل، فنجحت في تحقيق نتائج ملموسة، وهناك حكومات أخرى بقيت لسنوات تتحدث عن إرث من سبقها، حتى انتهت ولايتها وهي تقدم التبرير ذاته لكل تعثر.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع رئيس الوزراء أن يقدم برنامجا مختلفا، وهو لا يزال يوجه الجزء الأكبر من خطابه نحو المحاسبة وكشف الأخطاء؟

الإجابة ليست بسيطة، لأن نجاح أي حكومة يعتمد على قدرتها في توزيع الأولويات، وهذا لا يعني ان المحاسبة غير ضرورية، لكن التنمية ضرورة أكبر، والرقابة مطلوبة، لكن الاستثمار في المستقبل لا يقل أهمية، وإذا طغى أحد المسارين على الآخر، اختل التوازن الذي تحتاجه الدولة.

ولا يمكن تجاهل أن كثيرا من المشاريع الحكومية تحتاج إلى قرارات سريعة، وتمويل مستقر وإدارة مرنة، وهي أمور قد تتأثر إذا انشغلت المؤسسات التنفيذية بصورة مفرطة في مراجعة ملفات الماضي، أو دخلت في دوامة طويلة من التحقيقات والنزاعات الإدارية والقانونية.

في المقابل، قد تكون مراجعة الأخطاء فرصة ثمينة إذا استثمرت لبناء أنظمة عمل جديدة تمنع تكرارها، حيث يمثل ذلك نقطة الانطلاق نحو الإصلاح الحقيقي الذي ربما يصل إلى تعديل القوانين والإجراءات وآليات الرقابة، حتى تصبح المؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية.

ولعل أكثر ما ينتظره العراقيون اليوم هو رؤية برنامج حكومي يمتلك جدولا زمنيا واضحا، مع مؤشرات أداء قابلة للقياس، بحيث يعرف المواطن ماذا تحقق، وما الذي تعثر، ولماذا، فالشفافية في عرض النتائج أصبحت من أهم أدوات تعزيز الثقة بين الحكومة والرأي العام.

ولا شك أن المرحلة الحالية تمنح رئيس الوزراء فرصة لإثبات أن المحاسبة ليست غاية بحد ذاتها، فإذا نجح في الجمع بين استرداد الحقوق وتحريك عجلة التنمية، فقد يسجل حضورا مختلفا في المشهد السياسي، أما إذا بقي الخطاب يدور في فلك أخطاء الماضي، دون أن يوازيه تقدم ملموس في الملفات الخدمية والاقتصادية، فقد يجد نفسه أمام الأسئلة ذاتها التي وُجهت إلى من سبقوه.

لا يريد العراقيون أن يعيشوا أسرى للماضي، مهما كانت أخطاؤه كبيرة، إنهم يتطلعون إلى حاضر أكثر استقرارا، ومستقبل يمنح أبناءهم فرصا أفضل للحياة والعمل والتعليم، وقد يكون كشف الأخطاء خطوة مهمة، لكن الأهم هو أن تتحول تلك الخطوة إلى بداية لمسار إصلاحي متكامل، يضع الإنجاز في مقدمة الأولويات، ويجعل المواطن يشعر بأن الدولة تتحرك إلى الأمام، لا أنها منشغلة فقط بالنظر إلى الخلف.

ذات صلة

السعادة في زيارة الأربعين.. وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين (ع)فنُّ اللفِّ والنشر في شروح الزيارة الجامعة الكبيرةانفتاح بغداد على واشنطن.. من مكافحة الفساد إلى دبلوماسية الاستثمارطاقة الحظائرعن غيرة المثقّفين