السعادة في زيارة الأربعين.. وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين (ع)

(1)

مرتضى معاش

2026-07-14 03:00

(اللّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ وَلِيُّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الفائِزُ بِكَرامَتِكَ أَكْرَمْتَهُ بالشهادة وَحَبَوْتَهُ بالسعادة وَاجْتَبَيْتَهُ بِطِيبِ الوِلادَةِ)

كل كلمة وردت عن الإمام المعصوم عليه السلام تحتاج إلى تأمل عميق، لأنها لا تنحصر في معناها الظاهر والقريب، بل تحمل أبعادًا واسعة ترتبط بحياة الإنسان وسلوكه ومصيره. ومن هنا فإن كلمات زيارة الأربعين ليست مجرد عبارات تقرأ في الزيارة، بل هي كلمات ترسم للإنسان منهجًا في الفهم والحياة، وتفتح أمامه أبوابًا من المعرفة والهداية.

ومن الكلمات العظيمة التي وردت في زيارة الأربعين قول الإمام الصادق عليه السلام في وصف الإمام الحسين عليه السلام:

«اللهم إني أشهد أنه وليك وصفيك وابن صفيك، الفائز بكرامتك، أكرمته بالشهادة، وحبوته بالسعادة، واجتبيته بطيب الولادة».

وكذلك ورد على لسان الإمام الحسين عليه السلام قوله:

«إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا».

وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا قال الإمام الحسين عليه السلام إن الموت سعادة؟ ولماذا اختار هذه الكلمة دون غيرها؟ وما مفهوم السعادة؟ وكيف نفهم قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين: «وحبوته بالسعادة»؟

زيارة الأربعين مشروع حياة

زيارة الأربعين كما قلنا في مقالات سابقة ليست مجرد مناسبة عابرة، بل هي مدرسة عظيمة. وقد استفدنا من كلماتها الطيبة والرائعة والثمينة، واستخرجنا منها كثيرًا من الكنوز والجواهر العظيمة.

وفي هذا العام أيضًا نحاول أن نستلهم من هذه الكلمات ما يجعلها طريقًا لنا في حياتنا، وننهل منها السعادة والازدهار، لأنها في حقيقتها مشروع حياة.

فزيارة الأربعين لا تعزل الإنسان عن حياته، بل تعيده إلى حياته ببصيرة أوضح، وتمنحه القدرة على أن يراجع مفاهيمه ومواقفه وخياراته. ومن أهم المفاهيم التي تضعها الزيارة أمام الإنسان مفهوم السعادة.

ونحن نتوقف هنا عند قوله عليه السلام: «وحبوته بالسعادة»، لكي نفهم ما هي السعادة في واقعها وحقيقتها، وكيف يمكن للإنسان أن يصل إليها؟

لقد تكلم كثيرون عن السعادة، ووضعت لها تعريفات كثيرة، وصدرت آلاف الكتب التي تتناول مفهومها، ومع ذلك لا يزال السؤال قائمًا: كيف يكون الإنسان سعيدًا في حياته؟ وكيف يعيش مرتاحًا ومطمئنًا؟

السعادة في معناها اللغوي

السعادة في معناها اللغوي العام هي خلاف الشقاء. والشقاء هو التعب والألم. وعلى هذا يكون معنى السعادة هو الراحة وعدم التعب وعدم الألم، أي الحالة التي تستتبع الاطمئنان والابتعاد عن المشقة. ومن هذا المعنى اللغوي انطلق الباحثون إلى تعريفات كثيرة ومتنوعة، بحسب رؤيتهم للإنسان والحياة.

في الفلسفة اليونانية القديمة ذهبوا الى إن السعادة هي نتيجة العيش وفقًا للفضيلة والعدالة. وقد رأى أرسطو أن السعادة هي نشاط يعبر عن الفضيلة ويؤدي إلى حياة سعيدة. ولم يجعل السعادة مجرد لذة، كما لم يجعلها فضيلة مجردة، بل عدها ممارسة للفضيلة. فالإنسان وفقًا لهذه الرؤية لا يكون سعيدًا لمجرد حصوله على اللذة، وإنما يكون سعيدًا عندما يمارس الفضيلة ويعيش حياته على أساسها. وهذا يعني أن السعادة ترتبط بنوعية الحياة التي يعيشها الإنسان، وبالقيم التي تتحكم في سلوكه، وبالأفعال التي تصدر عنه.

السعادة في الفلسفة الحديثة وعلم النفس

أما في الفلسفة الحديثة فقد ظهرت تعريفات أخرى، فهناك من قال إن السعادة هي الشعور بالسرور والرضا. وهناك من عرفها بأنها إحساس داخلي يعكس الشعور بالفرح وجودة الحياة والرضا عنها. كما قيل إن السعادة هي مجموع لحظات الحياة التي يشعر فيها الإنسان باللذة والمتعة، والمتعة هي الحالة التي يشعر فيها الفرد بالاسترخاء وبالابتعاد عن مشاكله.

وفي علم النفس ترتبط المتعة ارتباطًا وثيقًا بالسعادة، حيث يسعى الناس جاهدين وراء السعادة من خلال غياب الألم والتعب من جهة، ومن خلال الشعور بمشاعر قوية من اللذة من جهة أخرى. ومن هنا أصبحت اللذة تعني السعي وراء المتعة، وقد جادل توماس هوبز بأن السعادة تكمن في السعي الناجح وراء الشهوات والرغبات. فالسعادة عند هوبز ليست حالة من السكون أو "الاستقرار النهائي"، بل هي انتقال ناجح من رغبة إلى أخرى. ونظراً لأن الرغبات متجددة ولا تنتهي، فإن الإنسان يسعى دائماً لامتلاك وسائل لتحقيق رغباته المستقبلية، وهو ما أسماه هوبز بـ "السلطة" (كالمال، والمكانة، والنفوذ).

وذهب "ماركيز دي ساد" إلى أن السعي وراء الإحساس والمتعة هو الهدف الأسمى للحياة، حيث يرى أن اللذة الحسية هي المحرك الأساسي للإنسان، وأن إشباع الرغبات هو الطريق الوحيد لتحقيق السعادة في عالم مليء بالأعباء. ودعا دي ساد إلى تحرير الإنسان من كافة القيود الأخلاقية، والدينية، والاجتماعية، التي اعتبرها "أوهاماً" تقف عائقاً أمام الحرية الفردية.

ومع تطور العالم المادي والتكنولوجي، وازدياد الحالة الدنيوية والمادية في الحياة، واتساع عالم الاستهلاك، ازداد حضور هذا التعريف للسعادة، فكثير من الذين يعيشون في عالم المادية والرأسمالية عرفوا السعادة بأنها اللذة والمتعة.

فالإنسان الذي يشعر بالمتعة واللذة والاسترخاء والابتعاد عن مشاكله وعن الألم يتصور أنه سعيد. ويبحث عن ذلك في لذة الطعام، ولذة السفر، ولذة الفرح في امتلاك الأشياء المادية الكثيرة التي تشعره بالراحة وتبعده مؤقتًا عن مشكلاته وآلامه.

وعلى ذلك هناك من أكد على قضية المنفعة والمصلحة، وعرفوا السعادة بأنها السعي نحو المصلحة والسعي وراء كل ما ينفع الإنسان نفسه، وبالنتيجة أصبحت السعادة عندهم هي السعي وراء تلبية الرغبة، فالإنسان كلما استطاع أن يلبي رغباته بعيدًا عن الكبت والقمع تصور أنه أصبح أكثر سعادة، وبحسب هذه الرؤية فإن قمع الرغبة يؤدي إلى التعاسة، بينما إشباع الشهوات يؤدي إلى الراحة والسعادة، فالذي يستطيع أن يشبع شهواته دون حدود هو الإنسان السعيد في حياته.

وهناك تعريف آخر يرى أن السعادة هي الموقف الإيجابي للإنسان تجاه الحياة، فالإنسان الذي يكون لديه موقف إيجابي من الحياة ويشعر بأنه ينبغي أن يستثمرها ويستفيد منها يعد إنسانًا سعيدًا، أما الذي ينظر إلى الحياة بموقف سلبي متشائم فيكون تعيسًا في حياته. ويمكن أن تعرف السعادة وفق هذا المعنى بأنها موقف إيجابي تجاه الحياة ككل، سواء في مجملها أو في مرحلة محددة منها.

لكن هذه التعريفات كلها تحتاج إلى التأمل والمراجعة، لأنها تحصر السعادة في الراحة أو اللذة أو الشعور المؤقت بالرضا.

هل الراحة وحدها تحقق السعادة؟

إذا كان هدف الإنسان هو الراحة في الحياة، فإن أكثر الناس راحة ينبغي أن يكون الإنسان الكسول. فالكسول يبتعد عن ألم العمل، وتعب المسؤولية، لأن العمل والمسؤولية يشتملان على المشقة والألم. ولكننا نجد أن أكثر الناس تعاسة وكآبة قد يكون الكسول، بينما يكون العامل وصاحب المسؤولية أكثر سعادة، مع ما يتحمله من تعب وألم. وهذا يعني أن الراحة ليست هي السعادة بهذا المعنى.

فقد يعيش الإنسان في راحة جسدية، لكنه يشعر بالفراغ والتعاسة. وقد يتحمل إنسان آخر كثيرًا من التعب والمسؤولية، لكنه يشعر بالرضا والامتلاء والسعادة. إذن لا يمكن أن نساوي بين الراحة والسعادة مساواة كاملة.

لماذا لا تمنح اللذة سعادة دائمة؟

كذلك إذا كانت السعادة هي إشباع الشهوات والحصول على ما يرغب به الإنسان، فإن اللذة تنتهي بانتهاء سببها، فالإنسان الذي يأكل طعامًا يشتهيه يشعر باللذة في أثناء الأكل، لكن هذه اللذة تزول بمجرد انتهاء الطعام. فأين تكون السعادة بعد ذلك؟

ولهذا نرى بعض المدمنين على رغبات معينة يستمرون في طلبها وتكرارها، لأنهم يريدون الوصول إلى مرحلة الإشباع، لكنهم لا يصلون إلى السعادة الحقة.

فاللذة المادية الدنيوية لا تشبع الإنسان، بل قد تجعله يطلب المزيد باستمرار دون أن يصل إلى الاشباع الحقيقي والاكتفاء. ومن هنا يظهر أن السعادة لا يمكن أن تختصر في اللذة المادية ولا في إشباع الرغبات. فالرؤية التي تحصر السعادة في اللذة تنبع غالبًا من ذات الإنسان ومن محورية النفس. فالإنسان يسأل: ماذا يشبع نفسي؟ وماذا يحقق رغبتي؟ وماذا يجعلني أشعر بالمتعة؟

وهذه الرؤية تؤكد محورية الذات التي تعبر عن الأنانية الضيقة والدنيوية المحضة والمادية البحتة. فالإنسان في هذا الاطار يجعل نفسه مركزًا لكل شيء، ويقيس الأشياء بمقدار ما تحققه له من لذة ومنفعة، ولا ينظر إلى القيم والعواقب ومنافع الآخرين.

السعادة في الرؤية الإسلامية

أما الرؤية الإسلامية فإنها لا تنطلق من ذات منغلقة على نفسها، بل من ذات متفاعلة مع الآخرين، ومتكاملة مع القيم، ومتحركة نحو غايات كبيرة وسامية. فهي لا تحصر الإنسان في حاجاته الصغيرة والضيقة، بل تفتح له أفقًا واسعًا يتصل بالدنيا والآخرة والعاقبة والنجاة.

الرؤية الإسلامية تنظر إلى السعادة ضمن مجموعة من القضايا المترابطة، فهي تنظر إلى الدنيا والآخرة، وإلى الذات وعلاقتها بخارجها، وإلى العمل وعاقبته، وإلى علاقة الإنسان بالله وايمانه الوثيق، وعلاقته بالآخرين واندماجه الإنساني بهم.

قال تعالى:

(يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) هود105/108.

حيث يدور مفهوم السعادة والشقاء حول منطق العواقب، فالدنيا ترتبط بالآخرة ارتباطًا وثيقًا متصلا، فمن هو شقي في الآخرة، كان شقيًا في الدنيا بسبب أفعاله وخياراته، ومن كان سعيدًا في الدنيا من خلال الإيمان والاستقامة يكون سعيدًا في الآخرة، لأن الدنيا مزرعة الآخرة.

فالإنسان ينتقل بسعادته التي بناها في الدنيا إلى الآخرة، عندما يصل إلى المعنى الحقيقي للسعادة، وهو المعنى الذي وصل إليه الإمام الحسين عليه السلام.

السعادة تفضي إلى الفوز

عن الإمام علي عليه السلام: «السعادة ما أفضت إلى الفوز»(1).

فالسعادة الحقيقية هي التي تؤدي إلى الفوز العظيم. والفوز بمعناه العميق يعني النجاة من النار، والعاقبة الحسنة، والعبور من الدنيا إلى الآخرة بسلام.

وهذا يدل على أن مفهوم السعادة عميق وواسع، ولا يمكن اختصاره في لحظة لذة أو متعة عابرة.

فالرؤية الإسلامية للسعادة تخرج الإنسان من النظرة الضيقة، وتجعله ينظر إلى نتائج أفعاله وعواقب اختياراته.

وقد يشعر الإنسان بلذة في فعل معين، لكن هذا الفعل حتى لو كان صغيرا قد يقوده إلى الشقاء الابدي. وقد يتحمل ألمًا في عمل صالح، لكن هذا الألم قد يقوده إلى الفوز والسعادة الابدية.

فالميزان الحقيقي ليس اللذة القريبة، بل العاقبة التي يصل إليها الإنسان من خلال اعماله والتفاصيل الصغيرة التي تدور حولها.

قال تعالى:

(وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) مريم31/32

في هذه الآية ربط القرآن بين الجبروت والشقاء.

فالفرد الجبار المتكبر والعنيد، الذي يتمحور حول ذاته، يسير في طريق الشقاء. أما الصلاة والزكاة وبر الوالدة فهي من العناصر التي تقود الإنسان إلى السعادة، لأنها تجعله مرتبطًا بالله تعالى، ومؤديًا لحقوق الآخرين، وبعيدًا عن الجبروت والتكبر.

فالصلاة تربط الإنسان بالله تعالى، والزكاة تربطه بالمجتمع، وبر الوالدين يزرع فيه الرحمة والوفاء.

فالشقاء هنا ليس تعبًا جسديًا فقط، بل هو حالة تنشأ من الكبر والطغيان والابتعاد عن الله وعن المسؤولية. والشقاء في الرؤية الإسلامية يشمل ألم الكفر، وألم النفاق، وألم التكبر والطغيان والتجبر، وألم الابتعاد عن المسؤولية، وألم الرذيلة، وألم ارتكاب الكبائر. هذه كلها آلام تتجمع وتجر الإنسان نحو الشقاء.

وقد يشعر الإنسان في البداية بلذة المعصية أو المكسب الحرام، لكنه يكتشف بعد ذلك أن هذا الطريق يورثه الألم المزمن والقلق والحرمان من الطمأنينة والسكينة. فالشقاء لا يظهر دائمًا في صورة ألم مباشر، بل قد يبدأ في صورة لذة ثم ينتهي إلى الضياع والضلال.

غلبة الشقاء بالضلال

قال تعالى:

(قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ)المؤمنون106.

فهنا يعبر القرآن عن الشقاء بمعنى الضلال والانحراف وعدم الاهتداء، فقد يرتكب الإنسان معصية واحدة ولا يستغفر منها، ثم تقوده إلى معصية أخرى.

قد يعق والديه، أو يأكل مالًا حرامًا، أو يستمر في طريق الضلال، حتى تغلب عليه الشقوة. فاذا غلبت الشقوة يستمر الشقاء معه إلى الآخرة إذا لم يرجع إلى الله ويستغفر ويتوب.

فالمعصية التي لا يتداركها الإنسان قد تصبح بداية لطريق طويل من الضلال والشقاء.

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«السعادة سبب خير تمسك به السعيد فيجره إلى النجاة، والشقاوة سبب خذلان تمسك به الشقي فجره إلى الهلكة، وكل بعلم الله تعالى»(2).

هذا الحديث يبين أن الأسباب مترابطة، وأن كل سبب يجر إلى سبب آخر. فالإنسان الذي يستغفر يتمسك بسبب من أسباب السعادة. والذي يعطي وينفق في سبيل الله يتمسك بسبب من أسباب السعادة، والذي يلتزم بالأحكام الشرعية يتمسك بسبب من أسبابها. وكلما تمسك الإنسان بسبب من أسباب الخير قاده هذا السبب إلى سبب آخر، حتى يصل إلى طريق النجاة والتقوى والفوز العظيم.

وهذا هو معنى التوفيق، فالتوفيق من الله سبحانه وتعالى لا ينفصل عن تمسك الإنسان بأسباب الخير. فالذي يبدأ بالاستغفار يفتح الله له طريقًا إلى التوبة، والذي يبدأ بالعطاء يفتح الله له طريقًا إلى الرحمة، والذي يلتزم بالحكم الشرعي يفتح الله له طريقًا إلى الاستقامة.

كيف ينشأ الشقاء؟

الشقي أيضًا يبدأ بسبب، فهو يتمسك بسبب من أسباب الشقاء، كالمعصية أو العقوق أو أكل الحرام أو الإصرار على الذنب، ثم تقوده هذه الأسباب إلى انغلاق القلب، وبناء حاجز بينه وبين الهداية.

وقد قال تعالى:

(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) المطففين14/15. فالذنوب تتراكم على القلب حتى تحجبه عن رؤية الحق.

لكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يستطيع الرجوع، بل يستطيع أن يتعظ ويستغفر ويتغير.

وعن الإمام علي عليه السلام: «وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ»(3).

فالإنسان السعيد هو الذي يرى تجارب الآخرين ويتعظ بها، ويرى تجارب نفسه فيراجعها ويستغفر ويتحول نحو الأفضل.

أما الذي ينخدع بشهواته وأهوائه وغروره فإنه لا يتعظ، لأنه أصبح أسيرًا لهواه، فالذي لا يتعظ يعيش الشقاء، لأنه صار عبدًا لرغباته وغروره.

ومن هنا نفهم أن الإنسان يبدأ بسبب من أسباب السعادة، ثم ينتقل منه إلى أسباب أخرى، حتى يصل إلى النجاة. وكذلك قد يبدأ بسبب من أسباب الشقاء، ثم يجره ذلك إلى الهلكة.

ولذلك لا بد أن يدرس الإنسان هذه الأسباب والمراحل، وأن يعرف معنى السعادة الحقيقي من خلال الرؤية الإسلامية التي تنسجم مع الواقع والنظام الكوني والطريقة الإلهية وطريق الإمام الحسين عليه السلام.

لماذا اختار الإمام الحسين عليه السلام كلمة السعادة؟

يقول الإمام الحسين عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا». فلماذا اختار الإمام الحسين عليه السلام كلمة السعادة ولم يختر كلمة أخرى؟

كان من الممكن أن يعبر بتعبير آخر، وهذا يرتبط كذلك بما ورد في زيارة الأربعين: «وحبوته بالسعادة». فالإمام الصادق عليه السلام يشير إلى أن الإمام الحسين عليه السلام نال السعادة بشهادته، وهو نفسه قال إن الموت في هذا الطريق سعادة.

وهنا قد يستشكل بعض الناس فيقولون: كيف تكون هذه المأساة سعادة؟

لقد وقع القتل والذبح، واستشهد الطفل الرضيع وعلي الأكبر والأصحاب، ووقع السبي، وكانت هناك معاناة هائلة. فكيف يقول الإمام الحسين عليه السلام إن ذلك سعادة؟ وكيف يقول الإمام الصادق عليه السلام: «وحبوته بالسعادة»؟

فالإنسان الذي ينظر إلى الأمر من زاوية عادية ضيقة يرى المأساة ولا يستطيع أن يفهم كيف تجلب المأساة السعادة.

لكن معنى السعادة هنا أعمق من المفهوم المتداول بين الناس.

السعادة التي يفهمها كثير من الناس هي الحصول على المكاسب، والوصول إلى الغايات، والشعور بالسرور، والابتعاد عن الألم.

أما السعادة التي وصل إليها الإمام الحسين عليه السلام فهي سعادة أخرى ترتبط بالشهادة والرضا والتسليم والعطاء.

وهذا هو المعنى الذي نحتاج إلى تحليله وتفكيكه، لكي نفهم كيف ارتبطت السعادة بالإمام الحسين عليه السلام.

معنى «حبوته بالسعادة»

كلمة الحبوة تعني العطاء، والحباء هو العطاء بلا منّ ولا جزاء، وقيل إن الحبوة هي الثوب الذي يحتبى به.

وكأن الله سبحانه وتعالى ألبس الإمام الحسين عليه السلام ثوب السعادة، وأعطاه هذا العطاء العظيم بلا حدود. فالإمام الحسين عليه السلام البسه الله تعالى هذه الحبوة وهذا المقام بسبب موقفه العظيم في كربلاء.

المعاني المتعددة لـ وحبوته بالسعادة

لقد اخترنا كلمة السعادة في هذه البحوث لأنها كلمة لم يجر تناولها كثيرًا بهذه الطريقة، مع أنها من الخصائص المرتبطة بالإمام الحسين عليه السلام في زيارة الأربعين. فنحن نريد أن نعرف ما المراد من قوله: «وحبوته بالسعادة».

هناك مجموعة من المعاني في مفهوم السعادة الذي احتبى به الامام الحسين عليه السلام، التي يمكن استنباطها من خلال التحليل والتفكيك، للوصول الى فهم أوسع واعمق واكثر دقة يكون لنا عبرة وموعظة في حياتنا المتعطشة للسعادة، والقلقة من التعاسة.

المعنى الأول: الشهادة أعظم الكرامات

المعنى الأول أن الشهادة في سبيل الله من أعظم الكرامات، ومن أعلى المراتب في الارتقاء إلى السعادة. وقد جاء في زيارة الأربعين: «أكرمته بالشهادة، وحبوته بالسعادة».

فالشهادة في سبيل الله من أعظم الكرامات وأعلى المراتب. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «فوق كل ذي بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر».

فالذي يقتل في سبيل الله يبلغ أعلى مراتب البر والخير. وإذا كانت الشهادة بهذه المنزلة، فأي شهيد يمكن أن يكون أعظم من الإمام الحسين عليه السلام؟

فهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: «حسين مني وأنا من حسين».

وقال في الحسن والحسين عليهما السلام إنهما سيدا شباب أهل الجنة.

وورد عنه صلى الله عليه وآله في الإمام الحسين عليه السلام:

«أما إنه سيد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة»(4).

فالإمام الحسين عليه السلام هو الأعظم في الشهادة، ونال بها الكرامة العظمى.

وقد قال الله تعالى:

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران169/171.

فالشهادة ليست فناءً ولا ضياعًا، بل حياة وكرامة وبشارة وفرح بنعمة الله تعالى، وإذا كان هذا شأن الشهداء، فإن الإمام الحسين عليه السلام هو سيدهم وأعظمهم.

ومن هنا تكون شهادته طريقًا إلى أعظم الكرامة، ويكون هذا أحد معاني قوله: «وحبوته بالسعادة». فالله سبحانه وتعالى أكرمه بالشهادة وألبسه ثوبها، وكانت التضحية العظيمة التي قدمها طريقًا إلى هذا المقام.

المعنى الثاني: بذل المهجة وتمام العطاء

المعنى الثاني أن العطاء الذي بذله الإمام الحسين عليه السلام بلغ المرتبة العليا التي لا حدود لها ولا يقدر جزاؤها، وهو من معاني تمام السعادة.

إذا كان معنى «حبوته بالسعادة» أن الله ألبسه ثوب السعادة ومنحه عطاءً بلا حدود، فإن ذلك يرتبط بالعطاء الذي قدمه الإمام الحسين عليه السلام.

قال تعالى:

«وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ».

وفي زيارة الأربعين: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».

فالإمام الحسين عليه السلام بذل مهجته في سبيل الله، واستشهد من أجل استنقاذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة.

فهو أعطى البشرية هذا العطاء العظيم، ومن هنا كان من أسعد الناس وبلغ تمام السعادة وقمتها.

الإنسان في حياته الدنيوية قد يعد نفسه سعيدًا إذا نال المرتبة الأولى في مسابقة أو جائزة. وهو يشعر بالسعادة لأنه بلغ مرتبة عالية.

لكن هذا المثال لا يقاس بمقام الإمام الحسين عليه السلام، وإنما يذكر لتقريب الفكرة. فالإمام الحسين عليه السلام بعطائه بلغ المرتبة العظمى، لأنه لم يقدم شيئًا ماديًا محدودًا، بل بذل مهجته في سبيل الله تعالى.

ولو تصورنا السعادة كقمة يصعد إليها الإنسان، فإن الإمام الحسين عليه السلام بلغ أعلى هذه القمة بعطائه وتضحيته، لانه صار عطاؤه سببًا لاستنقاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة.

المعنى الثالث: التسليم والرضا بقضاء الله

المعنى الثالث أن التسليم والرضا بقضاء الله تعالى من أعلى المراتب، وهو جوهر الوصول إلى السعادة.

ففي اللحظات العظيمة التي عاشها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، كان مثخنًا بالجراح والألم، ومثخنًا بفقد الأحبة. ومع ذلك كان يعيش التسليم المطلق لله سبحانه وتعالى.

في تلك اللحظات تألقت الروح وارتفعت إلى معان عظيمة. فالتسليم لله هو من أعظم مراتب السعادة عند الإنسان المؤمن.

وعن الإمام علي عليه السلام: «اَلدِّينُ شَجَرَةٌ أَصْلُهَا اَلتَّسْلِيمُ وَاَلرِّضَا»(5).

فأصل الدين هو الارتباط بالله سبحانه وتعالى والتسليم له والرضا بقضائه. والإنسان المؤمن لا يكتفي بالإيمان الظاهري، بل يصل إلى مرحلة اليقين، التي يصبح فيها قلبه مسلمًا لله وراضيًا بقضائه.

وفي رواية قال یونس: سألت الرضا (عليه السلام) عن الإيمان والإسلام، فقال: قال الباقر (عليه السلام): إنّما هو الإسلام، والإيمان فوقه بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شيء أقلّ من اليقين، قلت: فأيّ شيء اليقين؟ قال (عليه السلام): التوكّل على الله، والتسليم لله، والرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله، قلت: فما تفسير ذلك؟ قال (عليه السلام): هكذا قال الباقر (عليه السلام)(6).

فاليقين هو التوكل على الله، والتسليم له، والرضا بقضائه، والتفويض إليه، وهذا هو معنى التسليم المطلق. فالتسليم يأتي من اليقين، ومن وصل إلى اليقين عبر الإيمان والتقوى سلم أمره لله سبحانه وتعالى.

وهكذا كان الإمام الحسين عليه السلام يعيش حالة اليقين والتسليم المطلق لله سبحانه وتعالى. ويقين الإمام الحسين عليه السلام أكبر من أن تحيط به الكلمات، لكن مواقفه تكشف لنا شيئًا من ذلك اليقين.

فقد قال عليه السلام:

«لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين»(7).

وعن الإمام علي عليه السلام: «ما أعظم سعادة من بوشر قلبه ببرد اليقين»(8).

برد اليقين يعني أن القلب يعيش الصفاء والنقاء والطمأنينة والسكينة والهدوء اللامتناهي، فلا يبقى فيه شك أو قلق أو تردد. فالإنسان الذي يعيش اليقين يكون قلبه باردًا مطمئنًا، لأنه سلم أمره لله سبحانه وتعالى. وهذا هو أعظم السعادة.

قال أبو مخنف في مقتل الإمام الحسين عليه السلام:

«وبقي الحسين ثلاث ساعات من النهار ملطخًا بدمه، رامقًا بطرفه إلى السماء».

وكان ينادي: «يا إلهي، صبرًا على قضائك، ولا معبود سواك، يا غياث المستغيثين».

كان الإمام الحسين عليه السلام في تلك اللحظات يعيش الألم والضرب والجراح والمعاناة.

لكنه كان مع الله سبحانه وتعالى، يناجيه طوال تلك المدة.

وهذا يكشف عن التسليم والرضا واليقين الذي كان يعيش به الإمام الحسين عليه السلام. فالسعادة هنا ليست راحة الجسد، بل طمأنينة الروح في قربها من الله تعالى وتسليمها له.

وفي موقف الرضيع، عندما رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الإمام الحسين عليه السلام، تلقى الإمام دمه حتى امتلأت كفه منه، ثم رمى به إلى السماء وقال:

«هون علي ما نزل بي أنه بعين الله».

وقال الإمام الباقر عليه السلام: «فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض».

وهذا لا يعني غياب الألم، بل يعني أن اليقين بالله يجعل الإنسان قادرًا على تحمل البلاء والرضا بقضائه. ومن هنا نفهم كيف كان الإمام الحسين عليه السلام في أعلى مراتب السعادة، مع ما مر به من معاناة. فالسعادة هنا ليست الحصول على المكاسب المادية ولا الشعور بالراحة، بل هي الرضا والتسليم واليقين.

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«ما كل من نوى شيئًا قدر عليه، ولا كل من قدر على شيء وفق له، ولا كل من وفق أصاب موضعًا له، فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهنالك تمت السعادة»(9).

فالسعادة تتم عندما تجتمع النية والقدرة والتوفيق والإصابة في موضعها الصحيح.

وقد اجتمعت هذه المعاني في نهضة الإمام الحسين عليه السلام. فكانت نيته لله، وقدرته في طريق الله، وتوفيقه من الله، وأصاب بعمله الموضع الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

المعنى الرابع: الإمام الحسين مصدر السعادة للبشرية

المعنى الرابع أن الإمام الحسين عليه السلام بشهادته أصبح مصدرًا للسعادة البشرية. فمن يسير على دربه ينال من أنواع السعادة لخلوصها ونقائها. فالإمام الحسين عليه السلام أصبح مصدرًا تنبعث منه السعادة، ويأخذ الناس منه معاني الهداية والطمأنينة والرضا.

وهذا ما نشاهده في الزيارات والشعائر الحسينية، فهي تعبير عن أن الإمام الحسين عليه السلام أصبح مصدرًا لسعادة الناس.

فالزائر عندما يدخل صحن الإمام الحسين عليه السلام يشعر بسعادة وطمأنينة. يشعر أن هذه السعادة تنبعث من ذلك المقام وتدخل إلى قلبه، فيشعر بالهدوء والراحة والاطمئنان.

وهذه هي السعادة الحقيقية التي لا يمكن أن يفهمها إلا من كان له إيمان وتقوى ومعرفة. وكلما ازداد الإنسان إيمانًا وتقوى ومعرفة بالإمام المعصوم وبالإمام الحسين عليه السلام، ازداد تواصله مع هذا المقام واستلهامه للسعادة منه.

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه من زوار الحسين، لما يرى مما يصنع بزوار الحسين عليه السلام من كرامتهم على الله تعالى»(10).

فهنيئًا للزائر الذي يزور الإمام الحسين عليه السلام عارفًا بحقه. فالإمام الحسين عليه السلام أصبح مصدرًا لسعادة زواره، بما ينالونه من كرامة عند الله سبحانه وتعالى.

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الرجل ليخرج إلى قبر الحسين عليه السلام، فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله تعالى فقال: عبدي سلني أعطك، ادعني أجبك، اطلب مني أعطك، سلني حاجة أقضها لك».

وقال أبو عبد الله -الصادق- عليه السلام: «وحق على الله أن يعطي ما بذل»(11).

فزيارة الإمام الحسين عليه السلام تصبح طريقًا إلى المغفرة والطهارة والقرب من الله.

فالإنسان يبدأ بخطوة، ثم ينتقل من سبب إلى سبب حتى يصل إلى مقام المناجاة والطلب من الله سبحانه وتعالى.

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«من أتى قبر أبي عبد الله عليه السلام فقد وصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصلنا، وحرمت غيبته، وحرم لحمه على النار، وأعطاه بكل درهم أنفقه عشرة آلاف مدينة له في كتاب محفوظ، وكان الله له من وراء حوائجه، وحفظ في كل ما خلف، ولم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه وأجابه فيه، إما أن يعجله وإما أن يؤخره له»(12).

هذه الرواية تبين ما يناله زائر الإمام الحسين عليه السلام من عطاء وكرامة. فهو يصل رسول الله صلى الله عليه وآله ويصل أهل البيت عليهم السلام، ويحظى بالحفظ والعناية وقضاء الحوائج. وهذه كلها تؤكد أن الإمام الحسين عليه السلام أصبح بابًا من أبواب السعادة الإنسانية.

لذة الزيارة وأثرها في الإنسان

الناس يشعرون بهذه السعادة ويتفاعلون معها، والإنسان الذي يشعر بلذة زيارة الإمام الحسين عليه السلام يتأثر بها، كما يتأثر الإنسان الذي يذوق لذة مناجاة الله سبحانه وتعالى.

فالذي يذوق هذه اللذة لا يتركها، لأنها ليست لذة مادية تنتهي بانتهاء سببها، بل هي لذة القرب من الله والارتباط بالإمام الحسين عليه السلام، ومن هنا تكون الزيارة طريقًا إلى الاستقامة والهداية والطمأنينة.

لقد بلغ الإمام الحسين عليه السلام قمة السعادة من خلال يقينه وتسليمه لله، ومن خلال بذل مهجته واستشهاده في سبيل الله، ثم أصبح طريقًا لسعادة البشرية.

الإنسان الذي ينظر إلى كربلاء من ظاهر الحدث قد يرى المأساة وحدها. لكنه إذا نظر إليها من خلال الرؤية الإيمانية رأى الشهادة والكرامة واليقين والتسليم والفوز، فالموت في سبيل الله ليس فناءً، بل حياة عند الله تعالى. والعطاء في سبيل إنقاذ العباد ليس خسارة، بل فوز وكرامة. والرضا بقضاء الله ليس ضعفًا، بل يقين وطمأنينة.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف تكون كربلاء طريقًا إلى السعادة، وكيف يكون الإمام الحسين عليه السلام في أعلى مراتبها.

الخاتمة 

من هنا نفهم أن السعادة التي تقدمها زيارة الأربعين ليست مجرد شعور عابر، ولا لذة مؤقتة، ولا راحة جسدية. إنها سعادة الشهادة، وسعادة العطاء، وسعادة اليقين، وسعادة الرضا والتسليم، وسعادة القرب من الله، وسعادة السير على طريق الإمام الحسين عليه السلام.

لقد أكرم الله الإمام الحسين عليه السلام بالشهادة، وحباه بالسعادة، لأنه بذل مهجته في سبيله، واستنقذ عباده من الجهالة وحيرة الضلالة، وبلغ في يقينه وتسليمه ورضاه مقامًا عظيمًا.

ثم أصبح الإمام الحسين عليه السلام مصدرًا لسعادة البشرية، فمن سار على دربه، وزاره عارفًا بحقه، وتمسك بالقيم التي نهض من أجلها، نال من هذه السعادة بقدر معرفته وإيمانه واستقامته.

منطلق المقال القادم

لقد طرحنا أربع معان حول مفهوم السعادة في وحبوته بالسعادة، وبقي معنيان سوف نطرحهما في المقال القادم.

المعنى الخامس: ان الامام الحسين هو الهداية للبشرية من الشقاء والأزمات فهو سفينة نجاة ومصباح هداية. وطريق للسعادة والنجاة.

المعنى السادس: ان الامام الحسين هو المعنى الحقيقي للسعادة، حيث جسد السعادة فأصبح معيارا ونموذجا لها، لمن أراد السعادة ومن يريد فهمها.

وسيكون المعنى السادس والاخير مدخلًا للاستمرار في بحث مفهوم السعادة، من خلال سلسلة المقالات القادمة، التي من خلالها سنستخرج المعاني العظيمة والكنوز الكبيرة، عبر محاولة فهم سعادة الإمام الحسين عليه السلام، والمزيد من التأمل في زيارة الأربعين، لكي ينجو الانسان من الشقاء ويصل إلى السعادة الحقيقية.

وللبحث تتمة...

* حوارات بثت على قناة المرجعية في مناسبة زيارة الأربعين 1447

...........................................

(1) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٠.

(2) بحار الأنوار، ج ١٠، العلامة المجلسي، ص ١٨٤.

(3) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 86.

(4) كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه، ص ١٤٨.

(5) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٧.

(6) الكافي (دار الحديث)، ج ٣، الشيخ الكليني، ص ١٣٥.

(7) اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص ٣٨ز

(8) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٨٩.

(9) الإرشاد، ج ٢، الشيخ المفيد، ص ٢٠٥.

(10) كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه، ص ٢٥٨.

(11) المصدر السابق، ص ٢٨٧.

(12) المصدر السابق، ص ٢٤٥.

ذات صلة

فنُّ اللفِّ والنشر في شروح الزيارة الجامعة الكبيرةانفتاح بغداد على واشنطن.. من مكافحة الفساد إلى دبلوماسية الاستثمارطاقة الحظائرعن غيرة المثقّفينسيكولوجية الأمومة المأزومة: كيف نتعامل مع الام المصابة؟