الفساد إرث الاستبداد
آراء في الشرح والتفسير
حكمت السيد صاحب البخاتي
2026-07-09 04:52
جاء في اللغة: الفساد نقيض الإصلاح، عن ابن منظور. وجمع «فاسد» على طريقة جمع «هلكى»، والجمع هنا جاء على توافق المعنى كما يقول سيبويه؛ فالفساد هلاك، ومن صور الهلاك تدابر وتقاطع بين الأرحام، عن ابن منظور. ومن معاني الفساد الجدب في البر والقحط في البحر، أي في المدن، كما جاء في تفسير قوله تعالى: «ظهر الفساد في البر والبحر»، وهو قول الزجاجي. ومن الفساد في اللغة الغيلة، وهي: «أن يطأ المرأة المرضع، فإذا حملت فسد لبنها، وكان من ذلك فساد الصبي، وتسمى الغيلة»[1]. واسم ذلك اللبن الغيل، وإذا شربه الولد ضَوِيَ واعتلت صحته[2].
وذكر مصطلح الفساد ومشتقاته في القرآن في خمسين موضعًا، وفي سبع وأربعين آية، موزعة على ثلاث وعشرين سورة. وأما «المفسدون» فقد ذُكرت إحدى وعشرين مرة، ويكشف هذا العدد عن اهتمام القرآن الكريم والشرع الحنيف بأمر الفساد، في النهي عنه وتحريمه. ويقابله في التضاد النوعي مصطلح العمران في القرآن الكريم؛ فقد ورد بمعنى الاستعمار بقرينة الاستخلاف الإلهي، اللذين يشكّل معناهما الاصطلاحي في الإسلام معنى العمران.
وفي اللغة، فإن اشتقاق العمران من العمر كما يبدو في لسان العرب، ومن معاني العمر: حياة المرء، ومن معاني العمر ضرب من النخيل، ومن معانيه أيضًا الريحان الذي تزهو وتجمل به المجالس، وجاء منها عمارة الأرض، كما بدا في لسان العرب، ومن معانيه طاعة الله تعالى، ولذلك قيل: العمرة طاعة الله عز وجل[3]. وهكذا نجد كل ما من شأنه العمران وازدهار الحياة جاء اشتقاقًا في اللفظ والمعنى من العمر. وفي اللغة أيضًا: «وأعمره المكان واستعمره فيه: جعله يعمره. وفي التنزيل العزيز: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، أي: أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها وجعلكم عمارها. والمعمر: المنزل الواسع من جهة الماء والكلأ الذي يقام فيه»[4].
وفلسفة العمران في القرآن تنتظم في فلسفة الوجود الإنساني، كغاية قصوى خطط لها القرآن في تزويد الإنسان بالمعرفة بها، والتأكيد عليها كهدف أسمى في وجود الإنسان. فإذا كانت فلسفة القرآن في تفسير الوجود الإنساني هي العبادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات: 56، فإن وسائل العبادة ومشروعها الوجودي هو استعمار الأرض[5] بواسطة الاستخلاف البشري[6] فيها. وعلى أي معنى انطوى مفهوم العبادة، سواء هو معرفة الله تعالى على تفسير، أو عبادته على تفسير آخر بالمعنى العبادي المعهود، فإن الاستعمار هو الوظيفة الموكلة إلى الإنسان الأول وذريته في استخلافه في الأرض، خليفة عن الله تعالى، وهي الأمانة التي حملها الإنسان عن الله تعالى، وفيها اقترن الاستخلاف بالأمانة، وذلك أسمى مقام وجودي.
وفي محنة الاختبار الوجودي للإنسان، فإن الفساد يدخل في سياقات الخيانة للأمانة بمفهومها القرآني، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الأحزاب: 72. والفساد هو حمل الأمانة دون تحملها أو القدرة على أداء مسؤوليتها عمدًا ونزولًا عند رغبة الخيانة، وسببها الظلم والجهل.
وإذا كانت نظرية القرآن في أسباب الفساد في الظلم والجهل، فإنهما كمفهومين يدخلان في سياقات التفسير القرآني في الوجود الإنساني، باعتبار القرآن كتابًا إلهيًا موضوعه الوجود الإنساني العام، إضافة إلى موضوع رئيس فيه هو التشريع، والذي ينتمي في تطبيقاته إلى الأمانة المكلف بها الإنسان والمنصوص عليها في القرآن، وهي من شروط العمران المضاد النوعي للفساد.
وفي منظومة الفكر الإسلامي جاء تعريف العمران: «لمّا كانت حقيقة التّاريخ أنّه خبر عن الاجتماع الإنسانيّ الّذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التّوحّش والتّأنّس والعصبيّات، وأصناف التّغلّبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدّول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصّنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال»[7]. وهكذا بدا أن العمران هو الاجتماع الإنساني مع توفر الجانب الحضاري فيه، وهو المعنى في العمران عند ابن خلدون، ت 808هـ. ولكن الفساد هو الخاتمة التي ينتهي إليها العمران وفق ابن خلدون، ويقصد به انهيار الحضارات كقدر تاريخي ملازم في مسيرة الحضارات البشرية، فيقول: «أنّ غاية العمران هي الحضارة والترف، وأنه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد، وأخذ في الهرم كالأعمار الطبيعية للحيوانات، بل نقول إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد، لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك»[8]. والفساد الذي هو موضوع ابن خلدون في حديث الحضارة هو الفساد الأخلاقي الذي تنتهي إليه كل الحضارات البشرية، ولا شك أن أدلة التاريخ تعضد فكرته وتقوي من رأيه.
أسباب الفساد:
من وجهة نظر ابن خلدون، أن الإنسان الحضاري، وبسبب الترف والدعة والنعيم الذي تقدمه الحضارة له، يصير عاجزًا وغير قادر على إنجاز حاجاته أو مترفعًا عن إنجازها[9]. وهو هنا يقارب نظرية نيتشه في تشاؤمه من إنسان الحضارة الحديثة وطرح نموذجه في الإنسان السوبرمان، أي الإنسان القوي أو الأعلى، ويقارب هابرماس في وجهة نظره حول الإنسان ذي البعد الواحد، أسير التكنولوجيا وخضوعه المادي. يقول ابن خلدون كذلك: «إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخًا على الحقيقة»[10]. ويكمل ابن خلدون أن الفساد ينتهي إلى انتقاض العمران: «والدولة إذا اختلت وانتقضت، فإن المصر الذي يكون كرسيًا لسلطانها ينتقض عمرانه، وربما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب، ولا يكاد ذلك يتخلف»[11]. ويناقش ابن خلدون خراب الدول في أسباب وأمثلة تاريخية تجاوزتها أزمنتنا الأخيرة، ولم تعد مطلبًا مهمًا في البحث[12].
ورغم أن ابن خلدون لم يتحدث عن الفساد المالي والإداري، ولعله يعود، أي كلا هذين الفسادين، بداهة إلى الفساد أو الخراب الاجتماعي الذي تتسبب به الحضارة من وجهة نظر ابن خلدون، ولكن في الدولة الحديثة يتسبب الخراب الاجتماعي بداهة عن الفساد المالي والإداري؛ لأن هذين النوعين من الفساد على الضد من مسارات القانون الذي يضمن اللاخراب الاجتماعي ويعزز الضمان الاجتماعي. والفساد، بتركيبته ووظيفته، يشكل تعطيلًا عمليًا للقانون الذي يشكل نموذج التعريف الصحيح والأولي للدولة الحديثة؛ فالدولة الحديثة هي الدولة التي يكون فيها القانون ذا أولوية مطلقة في الإدارة والحكم. وهذا لا يعد تفسيرًا في أسباب الفساد بكلا نوعيه، ولكنه يكشف عن البيئة أو الدولة التي تتعطل فيها القوانين، ويتراجع فيها تنفيذ التعليمات اللازمة في بناء الدولة، مما يدعها مهيأة للفساد بكل أنواعه وآثامه وأخطاره.
وأما أسباب الفساد الحديث، فإنها تنشأ عن أسباب ودوافع شخصية، وأخرى اجتماعية، وأخرى ربما سياسية أو حتى مخابراتية دولية، وهي عمومًا تدخل في السعي إلى اللادولة، لا سيما في مخططات دولية وإقليمية، أو تسعى إلى عدم ترسيخ بقاء أو قوة الدولة عبر مد شرايين الفساد في أوصال الدولة، ومن ثم في أوصال المجتمع.
وفي التجربة العراقية، فإن بعض التفسيرات تنحو منحى اجتماعيًا في شرح أسباب الفساد؛ فالحرمان الذي مر به الشعب العراقي في سنوات الحروب والحصار، لا سيما في الأوساط الأكثر فقرًا، جعل من انفتاح أبواب الوظائف، لا سيما العليا، بوابة فساد مالي وإداري خطير في التداول وفي التأثير والنتائج. ويتبنى هذا التفسير مقولة: «الحذر من بطون جاعت ثم شبعت»، مما أفرز ظاهرة «حديثي النعمة»، وهو تفسير لا تؤيده الوقائع في الكثير منه؛ فقد تورط في الفساد المالي والإداري فئات كبيرة وعديدة ممن عاشوا الشبع المالي في كل حياتهم، هم وأسرهم، بل إن هذا الشبع أحيانًا يخلق حالة من النهم تجاه المال، لا سيما سهل الحصول عبر منافذ الرشى والعمولات غير القانونية.
وبعض التفسيرات تُحمّل آليات الثقافة الاجتماعية ـ الدينية أسباب الفساد من خلال مقولة «مجهول المالك»، وهو توظيف أيديولوجي يضمر موقفًا يفتقر إلى الموضوعية في الحكم والتقييم؛ ذلك أننا نجد الفاسد الذي يتصرف بالمال العام وفق مصالحه الشخصية ورغباته الغرائزية، ويستحوذ على المال بطرق غير مشروعة، لا يمت، أي هذا الفاسد، في حياته الشخصية بصلة إلى السلوك المتدين العام والخاص، إضافة إلى عدم استيعاب الفهم الموضوعي لهذا المصطلح في المحتوى الفقهي الخاص به والظرف التاريخي الذي أنتجه.
ولعل بعض التفسيرات في العراق تذهب إلى تصوير الفساد وشرح آلياته في موضوع مخطط دولي وإقليمي يستهدف الدولة العراقية بمركبها البنيوي، من خلال تزويد مؤسسات الدولة بمخططات تعمل على تدمير البنى الداخلية في هذه المؤسسات، ونشر الفساد المالي والإداري كأداة في عملية التخريب المتعمد في الدولة. لقد أوضح أحد النواب بأنه طلب إليه من جهة عراقية تعمل في دولة عربية مجاورة بأن يعمل على تدمير الدولة باعتبارها ليست دولتهم، وفق صاحب هذا الطلب ذي التوجه الطائفي الحاد.
وهناك تفسير آخر يتداوله العراقيون دائمًا، وهو مسؤولية المؤسسات والجهات السياسية ـ الأحزاب التي تشارك في حكم وإدارة الدولة، والتي تمر إلى تلك المناصب والمواقع العليا من خلال الانتخابات، والتي تحتاج إلى المال الجم والكثير من أجل إحراز الفوز، لا سيما أن تلك الانتخابات تجري في ظل ديمقراطية غير ناضجة، وتسيرها توجهات مناطقية وطائفية وحزبية، وأهداف شخصية ـ ربحية، مما يدع التبريرات متاحة بالنسبة إلى تلك المؤسسات والجهات السياسية في استغلال المال العام والمواقع الرسمية في الضغط في الانتخابات، والتي هي صيغة مؤثرة من صيغ وأساليب الفساد الإداري. وهكذا يبدو الفساد في تلك الحالة اضطرارًا سياسيًا مقبولًا عند تلك المؤسسات والجهات السياسية، ولكنه يظل سلوكًا شائنًا في تاريخ هذه الأحزاب، وقدرًا تاريخيًا في التمهيد إلى تراجعها وإزالتها من الوجود السياسي كما في التجارب السياسية المماثلة في تاريخ دول العالم الحديث.
وهناك تفسير آخر قد نجد فيه الكثير من الموضوعية والتفكير التحليلي الصائب؛ فالدولة تعبير عن انتماء فردي وجماعي إلى تاريخ وجغرافيا وطن تستطيع هذه الدولة أن تعبر من خلالهما عن هويتها الاجتماعية والسياسية، ومن ثم القانونية أو الدستورية. ولكن أنظمة الحكم التي مرت على العراق في التاريخ الحديث والمعاصر أحالت الدولة إلى شبح يترصد خطى العراقيين، وتحولت إلى رقيب يحصي أنفاس العراقيين، وعبر خمسة قرون بدأت مع حكم المماليك الأتراك، ثم استمرت في ظل أنظمة تكررت فيها تجربة المماليك الأتراك وبأقسى صورها، لا سيما في عهد نظام البعث والمستبد الأسوأ استبدادًا في مسير ومصير العراق، مما أوجد شرخًا نفسيًا واجتماعيًا في التأقلم مع أنظمة الدولة السياسية والإدارية، ومن ثم أحدثت إرباكًا في مفهوم الدولة، واضطرابًا في علاقة الإنسان العراقي بالدولة.
فلم تعد تحظى بالولاء النفسي والعاطفي، رغم توفر الولاء الوطني العميق في الإنسان العراقي تجاه الوطن-العراق، وهي إحدى مشاكل أو مؤشرات الازدواجية في الشخصية العراقية. وعلى إثر هذا الانفصام في العلاقة بالدولة، صار الإنسان العراقي ينظر إلى الدولة كطرف آخر، ولعله طرف مضاد في تصور الإنسان العراقي، مما أوحى إليه، وفق ثقافة اجتماعية مشوهة، أنه، وعلى إثر سقوط نظام القمع في العام 2003م، أمام لحظة اغتنام فرصة الغياب التاريخي أو الواقعي للدولة، فاستباح المال العام باعتباره ملكًا خاصًا لدولة كانت دائمًا موضع الشبهة والظنة بالنسبة للعراقي، بل كانت الشبح المخيف الذي قمع أحلامه الشخصية، واستغل إمكاناته، وأضاع العمر في خدماته بلا طائل أو مقابل.
فلم يدرك الحقوق في هذه الدولة، وتحمل أعباء الواجبات المفروضة عليه دائمًا بلا مردود في الاستجابة إلى حقوقه كمواطن أو كإنسان عاش في هذا الوطن المنكوب عبر السنين أو القرون، وهو انطباع رسخه نظام القمع البعثي من خلال سياساته القمعية في الذاكرة العراقية. وهكذا بدت عملية الثأر من هذا الكائن الاجتماعي-الدولة، التي بدأت مع سقوط نظام البعث، وتحولت لا شعوريًا عملية الفساد المالي والإداري إلى عملية ثأر لا واعية يمارسها الإنسان العراقي تجاه الغول الخرافي-الدولة في ظل أنظمتها الاستبدادية والقهرية. وبالنتيجة، فالفساد بكلا نوعيه هو إرث الاستبداد ومخلفات نظام الدكتاتور-صدام.