لماذا يجب إنزال أقصى العقوبات بسراق المال العام؟
قراءة من منظور الفلسفة الحضارية
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-07-06 03:12
لا تنظر الفلسفة الحضارية إلى سرقة المال العام بوصفها جريمة مالية عادية، أو مجرد مخالفة إدارية يمكن معالجتها بالعقوبات التقليدية، بل تنظر إليها بوصفها واحدة من أخطر الجرائم الحضارية؛ لأنها تمثل اعتداءً مباشراً على المجتمع بأسره، وتؤدي إلى إضعاف الدولة، وتعطيل التنمية، وإهدار فرص التقدم، وإشاعة الإحباط وفقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
فالمال العام ليس مالاً بلا مالك، كما يتوهم بعض الفاسدين، وإنما هو ملكية جماعية تعود إلى المجتمع كله، وتشمل حقوق الأطفال الذين لم يولدوا بعد، كما تشمل حقوق المرضى الذين ينتظرون مستشفى لائقاً، والطلبة الذين يحتاجون إلى مدارس وجامعات جيدة، والشباب الباحثين عن فرص عمل، والعائلات التي تتطلع إلى خدمات مستقرة، والمواطنين الذين يأملون في بيئة نظيفة وبنية تحتية متطورة.
ومن هذا المنظور، فإن من يسرق المال العام لا يعتدي على خزينة الدولة فحسب، بل يسرق الدواء من المريض، والكتاب من الطالب، والطريق من المسافر، والكهرباء من المواطن، وفرصة العمل من العاطل، ويقتطع جزءاً من مستقبل المجتمع كله. ولذلك فإن حجم الضرر الناتج عن هذه الجريمة يتجاوز بكثير حجم الضرر الناشئ عن الجرائم الفردية التقليدية.
وتقوم الفلسفة الحضارية على منظومة من القيم العليا، من أهمها العدالة، والمسؤولية، والثقة، والإتقان، والتضامن. وتُعد الثقة العامة أحد أهم الأصول غير المادية لأي مجتمع؛ إذ لا يمكن بناء دولة حضارية حديثة في ظل انتشار الاعتقاد بأن السلطة وسيلة للإثراء الشخصي، وأن الوظيفة العامة باب لنهب الموارد المشتركة. وحين تنهار الثقة بين المجتمع والدولة، تتعرض شرعية النظام السياسي للاهتزاز، وتتراجع روح المواطنة، ويتنامى الشعور باللامبالاة أو النقمة، وهو ما يفتح الباب أمام المزيد من الفساد والتفكك الاجتماعي.
لهذا السبب ترى الفلسفة الحضارية أن الجرائم الموجهة ضد المال العام تستحق أشد العقوبات التي يجيزها القانون، شريطة أن تُطبق في إطار دولة القانون، وبعد محاكمات عادلة وشفافة تكفل حقوق المتهمين وتمنع توظيف القضاء في الصراعات السياسية.
ولا يقتصر التشدد المطلوب على عقوبة السجن وحدها، بل ينبغي أن يشمل استرداد الأموال المنهوبة بالكامل، ومصادرة العائدات غير المشروعة، وفرض غرامات مالية كبيرة، وحرمان المدانين من تولي المناصب العامة مدى الحياة، وإلزامهم بتعويض المجتمع عن الأضرار التي تسببوا بها، فضلاً عن نشر الأحكام القضائية النهائية لتحقيق الردع العام وتعزيز ثقافة النزاهة.
إن التساهل مع سارقي المال العام ليس تعبيراً عن الرحمة، بل هو في كثير من الأحيان قسوة على ملايين المواطنين الذين يدفعون ثمن الفساد من صحتهم وتعليمهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. فالدولة الحضارية الحديثة لا يمكن أن تقوم على التهاون في حماية الثروة العامة، لأن حماية هذه الثروة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي واجب أخلاقي وحضاري، وشرط أساسي لبناء مجتمع مزدهر وعادل وآمن.
ومن هنا، فإن المطالبة بإنزال أقصى العقوبات القانونية بسراق المال العام ليست دعوة إلى الانتقام، بل هي دعوة إلى صيانة العقد الاجتماعي، وحماية الثروة المشتركة، وترسيخ ولاية القيم في إدارة الشأن العام، حتى يدرك كل من يتولى مسؤولية عامة أن الأمانة ليست امتيازاً، بل تكليفاً، وأن الاعتداء عليها هو اعتداء على المجتمع بأسره وعلى حقه المشروع في التنمية والازدهار.