من نهضة عاشوراء إلى مسيرة الأربعين: كيف نُبني مجتمعاً متماسكاً؟
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-07-27 03:29
(علينا أن نجعل من عاشوراء منبراً لإحياء موازين الإسلام في العلم والعمل)
الإمام الشيرازي
تُعَد ذكرى عاشوراء وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) محطة إيمانية وإنسانية متجددة، لا تقتصر على كونها حادثة تاريخية يُستذكر ألمها وأحزانها، بل هي منهج حياة متكامل ونموذجي قادر على النهوض بواقع المسلمين وحياتهم وترميم أزماتهم الراهنة إذا ما تُرجِمَت دروسها إلى أفعال وممارسات عملية.
وإذا كانت عاشوراء تُشكّل المنطلق الفكري والعقائدي لرفض الظلم واستعادة قيم الإصلاح، فإن زيارة الأربعين تُعد الميدان التطبيقي والأبرز لترجمة هذه الثقافة إلى واقع ملموس؛ حيث تتجلى في هذه الحركة المليونية صورة مصغرة للمجتمع الفاضل الذي تذوب فيه الفوارق الطبقية وتتسع فيه مساحات التكافل والإيثار، مما يجعل من المقترن بين عاشوراء والأربعين مساراً استراتيجياً لترصين النسيج الاجتماعي والأخلاقي للأمة.
إن الاستفادة الحقيقية من ثقافة عاشوراء وزيارة الأربعين تبدأ من استيعاب فلسفة الإصلاح التي أعلنها الإمام الحسين عندما قال إن حركته إنما هي لطلب الإصلاح في أمة جده؛ وهذا يعني أن التغيير الشامل نحو الأفضل هو جوهر هذه الثقافة. ولتحقيق هذا التغيير، ينبغي للمسلمين اليوم التمسك بقيم العدالة ورفض الظلم والفساد بكافة أشكاله، سواء كان فساداً إدارياً، أو اجتماعياً، أو أخلاقياً، إذ إن مواجهة الانحراف هي أولى خطوات بناء المجتمعات القوية والمستقرة.
كما تقدم عاشوراء والمسيرة الأربعينية درساً بليغاً في إحياء الضمير الإنساني والمسؤولية الفردية والجماعية؛ فالإصلاح لا ينتظر المعجزات، بل يبدأ من الموقف الحر والشجاع لكل فرد في موقعه، لأن أزمة العالم الإسلامي اليوم في كثير من جوانبها هي أزمة وعي وأخلاق. وعاشوراء تعيد تعريف مفهوم العزة والكرامة، مبيّنة أن الأمة التي ترضى بالهوان والجهل تفقد مقومات نهضتها.
ومن هذا المنطلق، يمكن تحويل المجالس والمراسم العاشورائية ومواكب الأربعين إلى منصات للتوعية والتثقيف والتغيير الإيجابي، بحيث لا تكتفي بالدمعة، بل تزرع الفكر المستنير، وتحث على العلم، وتدعو إلى التكافل الاجتماعي والتراحم، واستثمار هذه المناسبة لتأمين احتياجات الفقراء والمحتاجين وبناء المؤسسات الخدمية والصحية والتعليمية التي تنفع الناس.
بالإضافة إلى ذلك، فإن السمة الأبرز التي يمكن أن تستفيد منها الأمة هي الوحدة والترابط حول المبادئ السامية؛ فقد كانت ملحمة كربلاء تضم أطيافاً متعددة جمعهم الهدف الحق والمبدأ الشريف، واليوم تجسد زيارة الأربعين نقطة التقاء فريدة لجمع كلمة المسلمين وتجاوز الخلافات الهامشية والنزاعات الضيقة، والتركيز على القضايا الكبرى التي تهدد هوية الأمة ومستقبلها.
إن صياغة المستقبل الأفضل تتطلب استلهام الشجاعة الأدبية من أبطال عاشوراء لمواجهة التحديات الحضارية والحديثة، عبر بناء الفرد الصالح والمجتمع المترابط، والتمسك بالقيم الإيمانية التي تجعل من التضحية والإيثار والعمل الصالح وسائل حقيقية لانتشال الأمة من واقعها الراهن إلى واقع يتسم بالكرامة، والعدل، والتقدم الحضاري.
يقول الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيّم الموسوم بـ (رسالة عاشوراء 1):
"إن عاشوراء أفضل مناسبة لنا لتطوير واقعنا والالتزام بواجبنا، والعودة والرجوع إلى ما تركناه من عوامل عزنا وسؤددنا، وهو العمل بآيات الكتاب الحكيم والسنّة الشريفة المطهرة؟ وذلك لعل الله يشملنا بلطفه، ويعمّنا بكرمه، وقد قال سبحانه في عكسه: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} وهو المستعان".
تطبيق جوهر الإسلام ومقاصده
لذا فإن ترك الدين الإسلامي أو هجره من قِبل أفراده، جنباً إلى جنب مع وجود أنظمة وحكومات تكتفي برفع شعار الإسلام كاسم وواجهة شكليّة دون تطبيق لجوهر مقاصده وعدله، يعود على المجتمعات بمجموعة مريرة متراكمة من النتائج والآثار المحورية التي تصيب نسيج الأمة في العمق، وتؤثر على البنية الاجتماعية للمجتمعات الإسلامية.
مما يؤدي انحسار التدين الحقيقي وإفراغ المؤسسات والحكومات من الروح المصلحة للإسلام إلى شيوع أزمة هوية حادة وتخبط فكري يفكك الروابط الاجتماعية ويوهن وحدة المجتمع. وتتحول الرموز والشعارات الدينية في ظل الأنظمة التي تستغل الدين ظاهرياً إلى مجرد أدوات شكليّة للدعاية السياسية والسيطرة والتبرير الذاتي، مما يورث الجماهير شعوراً عاماً بالخذلان والسطحية والإحباط.
هذا الاستغلال الشكلي للإسلام ينعكس سلباً على النظرة العامة للدين ذاته، حيث يُحمّل الدين خطأً تبعات الفساد وسوء الإدارة وتراجع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتسبب فيها تلك الحكومات. ومع تزايد الفجوة بين الواقع الشعاري والواقع الملموس، ينشأ جيل يعاني من الاغتراب النفسي والتشتت القيم، وينعكس ذلك في أشكال من السلبية الاجتماعية والتواكل وافتقاد القدوة والمثل الأعلى، لذا يجب العودة إلى الإسلام الحقيقي وتطبيقه فعليا.
يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:
(إن هجْر المسلمين الإسلام - الذي قُتل الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل إحيائه - هو سبب تأخر المسلمين بهذا الشكل الغريب، فلقد عاد الإسلام مهجوراً حتّى عند الحكومات التي تدّعي الإسلام لفظاً وتتركه عملاً، إذ يجب أن يستند الواقع إلى العمل بأحكام الإسلام وقوانينه، وليس الادعاء اللفظي بالإسلام والتشدّق به فقط).
ولعل من أبرز الأدلة وأوضحها على تأخر المسلمين من بين الأمم الأخرى، فقدانهم للقدرة الثقافية التي تنهض بهم وتعلة بهم وتتقدم بهم بين الأمم الأخرى، فالمسلمون يشكلون نسبة مهمة من سكان الأرض، وفي حال عادوا إلى الإسلام وتمسكوا بقوانينه وسننه، فإنهم يتقدمون كثيرا في عالم اليوم المتسارع.
ومن علامات أو نتائج هجر المسلمين للإسلام تفشي الأمية، وقلة الوعي، وعدم التمسك بثقافة عاشوراء التي تقوم على التضحية والإيثار والكرامة ورفض الظلم، والوقوف بوجه الحاكم الظالم، ومن ثم الانطلاق نحو بناء المجتمع النموذجي القادر على الإصلاح والتطور.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن من أبرز مظاهر تأخر المسلمين اليوم، رغم كثرة نفوسهم البالغ أكثر من ملياري نسمة هو أن الكثير منهم أمّيّون لا يعرفون القراءة والكتابة، وليس ذلك أمراً طبيعياً بل يتعمّده كثير من الحكام، وقد رأيت أنا في العراق نماذج حية على ذلك).
لذلك تسعى بعض أنظمة الحكم إلى تقييد وعي الشعوب وضبط إيقاع تقدمها بدافع الأساس الأول المتمثل في الرغبة في الاحتفاظ بالسلطة والبقاء في الحكم، من خلال منعهم عن التقدم والتطور المادي والمعرفي اللذان يرتبطان بشكل وثيق بزيادة الوعي المدني، والمطالبة بالشفافية والمشاركة السياسية، وهي أمور تراها السلطات الشمولية أو المستبدة تهديداً مباشراً لشرعيتها ونفوذها المطلق.
رفض الظلم والتبعية والاستبداد
كما تُستغل بعض المفاهيم الثقافية أو الدينية بطريقة موجهة لتكريس حالة من التبعية والاستكانة، وتصوير التقدم والحرية وكأنهما استيراد لقيم تصدم هوية المجتمع، بهدف إبقاء الشعوب في حالة انشغال بدوامة المكتسبات المعيشية الأساسية. إن إبقاء المجتمعات في مستويات تعليمية وثقافية محدودة يُسهل عملية التوجيه الإعلامي والتحكم والسيطرة، مع العلم نجد أن الإسلام يحث على طلب العلم والسعي الدؤوب للتقدم والتطور.
لذا فإن الإمام الشيرازي يقول:
(إنّ أغلب حكّام بلاد الإسلام نراهم قد فرضوا على أنفسهم أن يحولوا بين شعوبهم وبين أيّ تقدم في أيّ مجال من مجالات الحياة، والتي أولها العلم، مع أنه ورد في الحديث الشريف: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).
من هنا علينا أن نجعل من ثقافة عاشوراء محطة انطلاق نحو التغيير الاجتماعي النموذجي، وذلك عبر خطوات فعلية عملية مدروسة مسبقا، مع التركيز على استثمار ذكرى عاشوراء، ووضع الخطوات العملية والبرامج الثقافية المتنوعة موضع التنفيذ.
مع أهمية توظيف الخبرات الثقافية في هذا المجال، بحيث تترك عاشوراء خزينا من الثقافة المعرفية، ومن العلوم المترنة بالعمل، لكي يستعيد المسلمون فرص المواكبة الحقيقية لما يجري في العالم من تطورات متسارعة، تلزم المسلمين بحتمية وأهمية النهوض لترصين البناء الاجتماعي وجعله قابلا للتطور والتقدم الذي يُستمَد من ثقافة عاشوراء.
الإمام الشيرازي يقول في هذا الصدد:
(لذا يجب علنيا أن نجعل من ثقافة عاشوراء منبراً لإحياء موازين الإسلام في العلم والعمل، فقد ورد في الحديث الشريف: إن ولي محمدٍ من أطاع الله وإن بعدت لحمته وإن عدو محمدٍ من عصى الله وإن قربت قرابته).
إن العودة إلى حقائق الإسلام ومنطلقاته العقائدية والفكرية، باتت قضية غير قابلة للتأجيل أو التسويف، لأن ترصين البنية الاجتماعية يقوم على ركائز الوعي والثقافة والعلم، وهذه كلها يمكن أن تكون حصيلة لمبادئ الثقافة العاشورائية والاربعينية المتمثلة بالرفض للطغيان والاستبداد، وتقديس الحرية التي تنهض بالفرد والأمة، وتجعل الجميع قادرين على حماية الرأي والكلمة، ومواجهة أنظمة الحكم الفاشلة ومنعها من تجهيل المسلمين المتعمَّد.