المال العام امتحان التوحيد

د. عقيل كريم الحسناوي

2026-07-01 09:31

يظن كثيرون أن التوحيد قضية عقائدية تُختبر بما يقوله الإنسان عن الله، وأن الفساد الإداري والمالي قضية قانونية تُقاس بما يرتكبه من رشوة أو اختلاس أو استغلال للمنصب. لكن المسافة بين الأمرين ليست بعيدة كما تبدو؛ لأن التوحيد لا يعني أن يعلن الإنسان بلسانه أن الله واحد فحسب، بل أن يكون الله هو الأعلى في قلبه وضميره وقراره، وألا يمنح المال أو السلطة أو الهوى طاعةً تتقدم على طاعته.

ومن هنا يصبح المال العام امتحانًا حقيقيًا للتوحيد. فالإنسان قد يقول في صلاته -الله أكبر-، لكن لحظة الاختبار تبدأ عندما تقع تحت يده أموال يستطيع أخذها، أو معاملة يستطيع تعطيلها للحصول على رشوة، أو عقد يمكن أن يمنحه لقريب أو شريك مقابل منفعة. عندئذ يظهر: هل الله أكبر فعلًا، أم أن المال أكبر في قلبه؟

وفي المأثور يقال ان "المال محك الدين". والمحك هو ما تُختبر به حقيقة الأشياء. فالحديث عن الأمانة سهل ما دام المال بعيدًا، والزهد جميل ما دامت الفرصة غير متاحة، ورفض الفساد مريح ما دام الإنسان محرومًا من منافعه. أما عندما يصبح المال قريبًا، والطريق إلى أخذه مفتوحًا، والرقابة غائبة، فإن حقيقة الدين تظهر.

ليس المال شرًا في ذاته؛ فهو وسيلة للعمران وإعالة الأسرة ومساعدة المحتاج. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول من وسيلة يملكها الإنسان إلى قوة تملك الإنسان. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا الانقلاب بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. فالإنسان قد لا يسجد لصنم، لكنه يطيع هواه طاعة مطلقة، ويجعل المال مرجعًا لرضاه وغضبه، ويبيع من أجله ضميره وموقفه.

فالفاسد لا يعلن أنه يعبد المال، لكنه يتصرف كما لو كان المال إلهه العملي. يصلي لله، ثم يطيع الرشوة. ويقول إن الله هو الرزاق، ثم يسرق لأنه لا يثق بأن الحلال يكفيه. ويعترف بأن الملك لله، ثم يتشبث بالمنصب كأنه ملك أبدي، ويستخدمه لإغناء نفسه وأقاربه وإذلال الآخرين.

ولا نقصد بذلك تكفير الفاسد أو إخراجه من الدين؛ فالأحكام العقائدية لها ضوابطها، ولا يجوز تحويل النقد الأخلاقي إلى تكفير. المقصود هو الشرك الخفي في السلوك والتعلق: اي أن يمنح الإنسان المال أو السلطة أو الجماعة منزلة تتحكم في قراره، حتى تصبح طاعتها أقوى من طاعة الله في لحظة الامتحان.

فمن آمن بأن الله مالك الملك قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء﴾، أدرك أن المنصب ليس ملكًا شخصيًا، بل أمانة مؤقتة. أما من يتصرف في الوزارة أو المؤسسة كأنها إقطاعية خاصة، ويوزع وظائفها وأموالها على حزبه وأقاربه، فإنه ينازع في سلوكه معنى الملك، ويتوهم أن ما وُضع في يده أصبح حقًا له.

وقد اشار القرآن الكريم الى طبيعة الوظيفة العامة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. فالمنصب أمانة، والقرار أمانة، ووقت الموظف أمانة، والتوقيع أمانة، والموازنة أمانة. ومن يخونها لا يخالف القانون فقط، بل يهدم في داخله معنى العبودية لله.

والمال العام هو مجموع حقوق الناس. فمن يسرق أموال المستشفى يسرق دواء المريض، ومن ينهب مخصصات المدارس يسرق مستقبل الأطفال، ومن يستولي على أموال الطرق والخدمات يسرق أعمار المواطنين وكرامتهم. قد لا يرى الفاسد ضحاياه، لكن عدم رؤيتهم لا يعني عدم وجودهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. والآية تكشف صورة متكاملة للفساد: مال يُدفع، وسلطة تُستعمل، وحق عام يُؤكل، ومعرفة مسبقة بالجريمة.

إن المجتمع الذي يكثر فيه الفساد لا يعاني فقط من ضعف القوانين، بل من ضعف الإيمان الحقيقي بالقانون والدين والأمانة. يطالب أفراده بتطبيق القانون على خصومهم، ثم يبحثون عن واسطة تستثنيهم منه. يرفعون الشعارات الدينية، ثم يتحايلون على أحكامها إذا مست مصالحهم. يدافعون عن المال العام في الخطب، ثم يعدّونه غنيمة عندما يصلون إليه.

هذا هو الكفر العملي بالقيم: ليس كفرًا عقديًا يبيح اتهام الناس في دينهم، بل سلوك يكشف أن الإنسان لا يؤمن بشيء عندما يتعارض ذلك الشيء مع مصلحته. يؤمن بالقانون إذا حماه، ويكفر به إذا قيّده؛ ويؤمن بالأمانة إذا طالب بها غيره، وينساها إذا أصبحت الأموال تحت يده.

ومن هنا نفهم لماذا يريدنا الله أن نعبده. فالله لا يحتاج إلى صلاتنا، لكننا نحتاج إلى العبادة لكيلا نعبد المال والسلطة والهوى. يريدنا أن نركع له حتى لا نركع لأصحاب النفوذ، وأن نخافه حتى لا يدفعنا الخوف من المسؤول إلى تنفيذ أمر فاسد، وأن نرجوه حتى لا نبيع كرامتنا طمعًا في منفعة.

عبادة الله حرية؛ لأنها تمنح الإنسان مرجعًا أعلى من المدير والوزير والحزب والعشيرة. يستطيع المؤمن أن يقول لصاحب السلطة: لا، لأن طاعة الله أعلى. ويستطيع أن يرفض المال الحرام، لأنه لا يربط رزقه بما في يد البشر. ويستطيع أن يترك المنصب إذا أصبح بقاؤه مشروطًا بخيانة الأمانة.

لكن العبادة تفقد معناها إذا بقيت في المسجد ولم تدخل إلى الدائرة الحكومية والسوق والعقد والموازنة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. فإذا صلى الإنسان ثم سرق، فالمشكلة ليست في الصلاة، بل في صلاة لم تنتقل من الجسد إلى الضمير. ربما سجدت جبهته لله، بينما ظل قلبه ساجدًا للمال.

إن مكافحة الفساد تحتاج إلى قوانين وقضاء ورقابة وشفافية، لكنها تحتاج أيضًا إلى إنسان لا يسرق عندما يغيب الرقيب. فالقانون يراقب اليد إذا ظهرت الجريمة، أما العبادة الصادقة فتراقب القلب قبل أن تمتد اليد.

السؤال الحقيقي إذن ليس كم مرة ذكر المسؤول اسم الله، بل ماذا فعل عندما تعارض أمر الله مع مصلحته؟ هل اختار الأكفأ أم القريب؟ هل حفظ مال الناس أم أخذ نصيبه؟ هل عدّ المنصب خدمة أم غنيمة؟

هناك يظهر التوحيد، وهناك يصبح المال محك الدين.

فالمال العام لا يمتحن نزاهتنا وحدها، بل يمتحن معبودنا الحقيقي: أهو الله الذي أمر بالأمانة والعدل، أم المال والسلطة اللذان يَعِدان بالمنفعة العاجلة؟

وحين يبقى المال والسلطان هما المتحكمين في قراراتنا، نكون قد حافظنا على شكل التوحيد، وتركنا الشرك الخفي يدير مؤسساتنا وحياتنا.

ذات صلة

العراق.. موازنة البرامج في مواجهة موازنة البنود، تحديات ومتطلباتفجر محاسبة الفاسدين في العراق قد بزغالإمام الحسين (ع): مشروع إصلاحي خالد يصنع وعي الأجيالالتشجيع الذكي: كيف تبني مرونة طفلك بامتداح السلوك لا الذات؟محرم في سامراء: قيم التآخي تتجدد في رحاب الزيارة