الطبيعة القانونية لقرارات إدارات الجامعات الأهلية وجهة الطعن بها

احمد طلال عبد الحميد البدري

2026-07-01 09:19

لا شك أن القرارات التي تصدرها الجامعات والكليات والأقسام الأهلية والتي تتعلق بشؤون الطلبة المنتسبين لجهات التعليم الأهلي فيما يخص قبولهم ونقلهم واستضافتهم وفصلهم وغيرها من القرارات التي تمس شؤون الطلبة والصادرة وفقاً لقانون التعليم العالي الأهلي رقم (25) لسنة 2016 المعدل، هي قرارات غير محصنة من الطعن القضائي استناداً للمادة (100) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، بمعنى أنها قرارات قابلة للطعن بها أمام القضاء.

إلا أن السؤال المهم الذي يُطرح: هل تعد هذه القرارات إدارية وبالتالي يجوز الطعن بها أمام جهة القضاء الإداري؟ أم لا تعد كذلك وبالتالي فإن الطعن بها يكون أمام جهة القضاء العادي استناداً إلى ولايته العامة؟ وهذا يجرنا بالطبع إلى بحث طبيعة هذه المؤسسات التعليمية الأهلية لتحديد طبيعة القرارات التي تصدر عنها وبالتالي تحديد القضاء المختص بالنظر في الطعون الواقعة عليها؛ هل تعد مؤسسات خاصة تخضع للقانون الخاص، أم تعد مرافق خاصة ذات نفع عام؟ أم تعد مرافق عامة اقتصادية؟ أم تعد امتيازاً لمرفق التعليم وبالتالي تعد مرفقاً عاماً إدارياً؟ ولا سيما أن قانون التعليم العالي الأهلي سابق الذكر جاء خالياً من تحديد طبيعة هذه المؤسسات وترك باب الاجتهاد مفتوحاً للفقه لبحث هذه الطبيعة وفق القواعد العامة في القانون الإداري، وهذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه المقالة المعمقة ضمن المحاور الآتية:

أولاً: موقف محكمة القضاء الإداري ومحكمة التمييز الاتحادية

نتيجة لإغفال المشرع عن تحديد الطبيعة القانونية لهذه المؤسسات بشكل واضح وصريح، أثير موضوع الجهة المختصة بنظر القرارات التي تصدرها هذه المؤسسات التعليمية الأهلية.

القضية الأولى (كلية الحدباء الجامعة): تتلخص وقائعها في قيام طالب ينتسب إلى كلية الحدباء الجامعة الأهلية في محافظة الموصل بإقامة دعوى أمام محكمة القضاء الإداري مخاصماً كليته بسبب فقدان بياناته كطالب وتزويده بوثيقة تخرج خالية من الدرجات بحجة فقدانها، وقد أحالت محكمة القضاء الإداري دعواه إلى محكمة بداءة الموصل حسب الاختصاص الوظيفي، إلا أن المحكمة المذكورة رفضت الإحالة وأعادت الدعوى إلى محكمة القضاء الإداري والتي بدورها أحالت الدعوى إلى محكمة التمييز الاتحادية / هيئة تعيين المرجع لحصول تنازع سلبي في الاختصاص. حيث قضت محكمة التمييز الاتحادية / هيئة تعيين المرجع بأن المدعى عليه / عميد الكلية يمثل كلية أهلية، وأن المدعي / الطالب يدعي أنه خريج الكلية المذكورة وبالتالي فإن نظر الدعوى يخرج عن اختصاص محكمة القضاء الإداري كونها تختص بالفصل في صحة الأوامر والقرارات الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام استناداً للمادة (7/رابعاً) من قانون مجلس الدولة رقم (65) لسنة 1979 المعدل. وبالتالي يكون نظر الدعوى من اختصاص محكمة البداءة بحكم ولايتها العامة بالفصل في كافة المنازعات، إلا ما استثني بنص خاص استناداً للمادة (29) من قانون المرافعات المدنية، لذا قرر تعيين محكمة بداءة الموصل كمحكمة مختصة بنظر الدعوى، وهذا ما ذهبت إليه في قرارها بالعدد (1/هيئة تعيين المرجع/ 2023) في 3/1/2023.

القضية الثانية (كلية المأمون الجامعة): تتلخص وقائعها بقيام أحد طلبة كلية المأمون الجامعة الأهلية بمخاصمة كليته أمام محكمة القضاء الإداري طالباً إلغاء الأمر الصادر برسوبه وترقين قيده، إلا أن محكمة القضاء الإداري أحالت الدعوى إلى محكمة بداءة الكرخ حسب الاختصاص الوظيفي ورفضت المحكمة المذكورة الإحالة فحصل تنازع سلبي في الاختصاص وعرض الأمر على محكمة التمييز / هيئة تعيين المرجع التي ذهبت في قرارها المرقم (11/ هيئة تعيين المرجع/2023) في 9/3/2023 إلى ذات النتيجة التي توصلت لها بموجب قرارها سابق الذكر، حيث جاء في حيثيات قرارها المذكور: (...وقد حصل تنازع في الاختصاص بالفصل بموضوع الدعوى بين محكمة بداءة الكرخ ومحكمة القضاء الإداري إذ ترى كل من المحكمتين أنها غير مختصة بالفصل فيها، وإذ إن اختصاصات محكمة القضاء الإداري محددة بالمادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة رقم (65) لسنة 1979 المعدل بالفصل في صحة الأوامر والقرارات الإدارية الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجعاً للطعن فيها، وإذ المدعى عليه إضافة لوظيفته يمثل كلية أهلية وليست حكومية مما يجعل محكمة القضاء الإداري غير مختصة بالفصل في طلبات المدعي وينعقد الاختصاص في هذه الحالة إلى محكمة البداءة حسب ولايتها العامة الواردة بالمادة (29) من قانون المرافعات المدنية...).

ثانياً: التعليق والمقاربة الفقهية

ومن استعراض القرارين أعلاه نتوصل إلى نتيجة مفادها الآتي:

إن محكمة القضاء الإداري ومحكمة التمييز الاتحادية قد اعتبرتا القرارات الصادرة من الكليات الأهلية المتعلقة بشؤون الطلبة قرارات غير إدارية لا يجوز الطعن بها بالإلغاء أمام القضاء الإداري؛ لأنها صادرة عن كلية أهلية، وليست صادرة عن موظف في الوزارات أو الهيئات غير المرتبطة بوزارة أو القطاع العام، ذلك أن من أهم شروط قبول دعوى الإلغاء الخاصة بالقرار المطعون فيه أن يكون القرار صادراً من سلطة إدارية وطنية تابعة للسلطة التنفيذية، وبذلك فإن هاتين الجهتين قد تبنتا المعيار الشكلي في تحديد طبيعة القرار. ووفقاً للمعيار الشكلي يعد القرار إدارياً متى ما كان صادراً من جهة إدارية، فيعد العمل إدارياً إذا كان صادراً من إحدى الهيئات الإدارية وفقاً لأشكال وإجراءات إصدار القرارات الإدارية، ورغم بساطة هذا معيار وعدم اتسامه بالتعقيد لأنه يحدد طبيعة القرار باعتبار جهة إصداره بغض النظر عن موضوعه وتأثيره في المراكز القانونية، إلا أن من أبرز عيوبه أنه يخرج الكثير من الأعمال من نطاق القرارات الإدارية لأنها لم تصدر من جهة إدارية وطنية رغم أن موضوعها ذو طبيعة إدارية.

ورغم اعتناق المعيار الشكلي لتحديد طبيعة القرار، إلا أن كلا المحكمتين لم تخض في موضوع طبيعة الجامعات والكليات الأهلية المؤسسة بموجب قانون التعليم العالي الأهلي رقم (25) لسنة 2016، ولا سيما أن القانون المذكور أغفل تحديد طبيعة هذه المؤسسات. وبالرجوع إلى أحكام القانون المذكور نجده أنه يحدد العلاقة بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبين هذه المؤسسات بطريقة مزدوجة؛ فمن الناحية التنظيمية تخضع هذه المؤسسات وكادرها التدريسي وموظفوها وطلابها وسياساتها ومناهجها وامتحاناتها والإشراف والتقويم والترقيات العلمية والإشراف التربوي وشروط القبول وهيكلها ووحداتها وتشكيلات مجالس الجامعات والكليات وفتح الأقسام والفروع العلمية، والأجور الدراسية والإعفاء منها والأقسام الداخلية وحتى حساباتها المالية وطريقة تدقيقها وفرض العقوبات المالية والإدارية، وتعيين القيادات الجامعية وعزلهم إلى قوانين وأنظمة وتعليمات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهذا ما نصت عليه المواد (10 و12 و16 و19 و34 و37) من القانون المذكور. أما من الناحية المالية فيتم إدارتها من قبل الجهة المؤسسة مع تقاضي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي نسباً مالية على شكل رسوم سنوية تبلغ (3%) من إجمالي الإيرادات السنوية للجامعة أو الكلية أو المعهد.

ووفقاً لما تقدم نرى أن طبيعة هذه المؤسسات أقرب إلى المرافق العامة الاقتصادية التي تدار بطريقة مزدوجة، فهي تستهدف تحقيق المنفعة العامة من خلال توفير الفرص الدراسية الجامعية والعليا ونشر المعرفة وتطوير البحث العلمي وحسب ما جاء بالمادة (2) من القانون التي حددت أهدافه، ولذلك فهي تخضع لإشراف وتقويم وسياسات وقوانين وزارة التعليم العالي مقابل رسوم مالية سنوية، فهي أقرب إلى امتياز مرفق التعليم حتى أن الوزارة تملك تعليق عمل هذه المرافق أو غلقها أو التوصية بإلغاء إجازة الجامعة أو الكلية في حال مخالفة الطرف الثاني للشروط التنظيمية والقانونية لإدارة هذه المرافق. وبالتالي نجد من وجهة نظرنا أن القرارات الصادرة عن هذه الجامعات والكليات الأهلية تعد قرارات صادرة عن مرافق عامة اقتصادية وبالتالي تعد قرارات إدارية من الناحية الشكلية، وأيضاً تعد قرارات إدارية من الناحية الموضوعية باعتبار موضوع هذه القرارات المتعلقة بالمراكز القانونية للطلاب في هذه الجامعات والكليات.

إن محكمة القضاء الإداري بإحالتها للطعون الواردة على قرارات هذه الكليات الأهلية إلى القضاء العادي فوتت عليه فرصة توسيع نطاق رقابة الإلغاء على هذه القرارات، كما فوتت فرصة ثمينة لتأسيس مبدأ يخص تحديد طبيعة المرافق العامة الاقتصادية التي تدار بطريقة مزدوجة على غرار القرارات الكبرى للقضاء الإداري الفرنسي، لذا ندعو القضاء الإداري ومحكمة التمييز الاتحادية إلى إعادة النظر في موقفهما من طبيعة هذه القرارات؛ لأن ذلك من شأنه التمييز في المراكز القانونية المتماثلة للطلبة، فيتم على سبيل المثال الطعن بعقوبة الفصل وفق تعليمات انضباط الطلبة أمام محكمة القضاء الإداري بالنسبة لطلبة الكليات الحكومية، وبالمقابل سيكون الطعن بذات العقوبة أمام القضاء العادي من قبل الطالب الذي ينتسب للكليات الأهلية، مما يؤدي إلى تمايز المراكز والأحكام القضائية لاختلاف الجهات التي تنظر بها وهذا ينسحب على بقية القرارات… والله الموفق.

ذات صلة

العراق.. موازنة البرامج في مواجهة موازنة البنود، تحديات ومتطلباتفجر محاسبة الفاسدين في العراق قد بزغالمال العام امتحان التوحيدالإمام الحسين (ع): مشروع إصلاحي خالد يصنع وعي الأجيالالتشجيع الذكي: كيف تبني مرونة طفلك بامتداح السلوك لا الذات؟