البحث عن الطمأنينة والبحث عن الحقيقة
أ. د. عبد الجبار الرفاعي
2026-06-11 03:53
البحث عن الطمأنينة شيء، والبحث عن الحقيقة شيء آخر. الطمأنينة ثمرة الحياة الروحية، أما الحقيقة فتبحث عنها الفلسفة والعلوم الطبيعية والإنسانية. إثراء الحياة الروحية يهب الإنسان سلام القلب وسكينة الروح، فيما توقظ الفلسفة والعلوم قلق العقل، وتدفعه إلى التساؤل المفتوح، الذي لا يعرف خاتمة نهائية. الإنسانُ في أعماقه لا يطلب الحقيقة دائمًا بقدر ما يطلب الطمأنينة، لذلك يميل إلى كل ما يخفف قلقه الوجودي، ويمنحه شعورًا بالأمان والمعنى، حتى لو كان ما يتكئ عليه وهمًا لذيذًا.
كثيرٌ من البشر لا يحتملون مواجهة الحقيقة حين تكون قاسيةً أو عاريةً بلا قناع، لذلك يفضلون أحيانًا أوهامًا دافئة تداوي هشاشتهم، وتمنح أرواحهم شيئًا من السكينة.
من مظاهر افتقار الفلسفة إلى معناها: السعي إلى الظفر بالطمأنينة من خلالها، لا السعي إلى اكتشاف الحقيقة. الفلسفة لا تمنح يقينًا نهائيًا بقدر ما توقظ الأسئلة الكبرى، وتدفع العقل إلى التفكير المفتوح في معنى الوجود والقضايا المجهولة أو المنسية. الفلسفة تفكيرٌ متسائل يُنهك العقل، ويبعث القلق الوجودي، ويوقظ في الإنسان أسئلةً قد تفضي إلى الاكتئاب، لأنها تدفعه إلى مواجهة وهنه، والتحديق في الحياة والمصير والموت، من دون أن تهبه أجوبة نهائية مطمئنة.
يقول جيل دولوز: "وظيفة الفلسفة أن تبث الحزن، الفلسفة التي لا تُحزن أحداً ولا تُزعج أحداً ليست بفلسفة. فائدتها أن تُلحق الأذى بالغباء، أن تجعل الغباء شيئاً مخزيًا، وأن تفضح كل صور الدناءة الفكرية".
البحث عن الطمأنينة في الفلسفة استنزف عقل لاهوتيين أذكياء في الأديان المتنوعة، وعلماء كلام عباقرة في الإسلام. وظيفة الحياة الروحية في الدين اكتشاف منابع الطمأنينة، والخلاص من التساؤلات الأبدية المزعجة التي يطرحها باستمرار العقل الفلسفي، عبر أجوبة نهائية للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى وغلقها. تواصل الفلسفة إيقاظ السؤال، وتدفع العقل إلى الارتحال الدائم في الأسئلة من دون محطة أخيرة.
العقل اللاهوتي الذكي بارع، يمنح الإنسان الحائر فرصة للخلاص من مرارات القلق، لذلك يلجأ أحيانًا إلى تفكير ينتهي إلى غلق نافذة تلك الأسئلة. ولا يصل إلى ذلك إلا بالفرار من العقل الفلسفي، فينتهي إلى نتائج على الضد مما تقوده إليه الفلسفة. هكذا نراه يبدأ بمقدمات فلسفية ومنطقية، وينتهي إلى نتائج لاهوتية، بغية ترسيخ اليقين بمسلّمات اللاهوت وعلم الكلام، والظفر بكفّ العقل عن الأسئلة المثيرة.
الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت. لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةٌ لحدوده وآفاقه. لا تتكلم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغة اللاهوت والمتخيَّل والاسطورة واللامعقول ومفاهيمها، لأن لكلِّ حقلٍ لغته الخاصة في التعبير عن العالم وفهم الإنسان لوجوده. يظلّ العقل معيارًا وسلطةً على كل ضرب من أنشطة الذهن مهما كان.
واحدة من مشكلات التفكير الديني: التفكير بالفلسفة ضد الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة، إلا أنها تنتهي إلى نقيضها. يجري توظيف اللاهوت وعلم الكلم والتصوف داخل الفلسفة، كما يجري التفكير في فلسفة الدين بعقل كلامي أو فقهي، الأمرُ الذي ينقض كونها فلسفة دين. هذا ما نلمسه لدى مَن يفكرون في التعددية الدينية بعقل المتكلم أو الفقيه، إذ ينشدون الدفاع عن مسلّمات متوارثة، ولا ينشغلون بالتفكير الفلسفي في الدين، المولع بتفسير الظاهرة قبل الانشغال بالدفاع عنها، والتمحيص العقلي للأدلة على المعتقدات الدينية، وتبرير كل ما تتضمنه نصوصها وتفسيراتها عبر العصور، وقبوله كما هو، من دون مساءلة أو إعادة تفكير في سياقاته التاريخية ودلالاته الإنسانية، وما يعكسه من ظروف المجتمع الذي ولد الدين فيه، وما أنتجه المتخيَّل الفعّال للجماعات التي اعتنقته، وعاشت تحت إكراهات الواقع وتحولاته المتواصلة.
يتسيّد تفكير لاهوتي بالعربية يكتب الفلسفةَ برؤية علم الكلام للعالم ومقولاته، وذوق صوفي يكتب الفلسفةَ بمرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعةَ جماعة من المفكرين الذين نحتوا لأنفسهم أسماءً كبيرة، وأُغرم بهم شبابٌ عرب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتابات هؤلاء المفكرين مواقعَ متقدمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون في الفلسفة بعقلٍ كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصدرون مقولات كلامية وفتاوى فقهية لا صلة لها بالتفكير الفلسفي، وإن تنكرت بلغة الفلاسفة، وتحدثت بمصطلحاتهم، وحاكت أساليبهم في التعبير.
الإغواء في لغة هؤلاء يعود إلى توكئهم على لغة ومصطلحات ومفاهيم الفلسفة، وفلسفة المنطق، وفلسفة اللغة، والألسنيات، والعلوم الإنسانية الحديثة، وإن كانوا يعملون بمراوغة على تعبئتها بمضامين غريبة عنها، فتغدو وكأنها لاهوتٌ متنكر يتحدث بلغة الفلسفة، ويستعير معجمها، فيما يظلّ وفيًّا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة.
هذه المحاولات المتنوعة تسعى إلى خلع غطاء ديني على الفلسفة، وتعمل على أسلمتها. أسلمة الفلسفة ضربٌ من التفلسف ضدّ الفلسفة، وإن كان مَن يدعو إلى ذلك عبقريًّا. هذا ليس غريبًا، فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجال يقظ من عقله، وعلى الضد من ذلك في مجال آخر نائم من عقله، تحكمه فيه المسلّمات الموروثة، ويعجز فيه عن ممارسة التفكير النقدي الذي يمارسه في مجالات أخرى.
يتراجع العقل وينزاح بالتدريج، بعد أن تتسع المساحة النائمة فيه، فتعطّل ما هو يقظ. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ، للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغات الذهنية والثغرات المنطقية في تفكير العباقرة يتطلب تفسيرُها الانتباهَ إلى حضور هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. هذا هو السر الذي يجعل بعضهم يبدأ بمقدمات عقلية، وينتهي إلى نتائج غير معقولة، أو يشرع بالتفكير الفلسفي الحر، ثم ينتهي إلى يقين مغلق يناقض مقدماته الأولى .
العقل الفلسفي لا يتحقّق إلا أن تكون آفاقُه رحبة، يفكّر خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة. الأطر المقيِّدة للتفكير العقلي الحر تمارس تمويهًا بعنوانات مراوغة عبر الأدب والفن والدين والأسطورة، وأخطر أشكال هذا التمويه حين تتخفّى المعتقداتُ والأيديولوجيات والهويات من وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة.
العقل الفلسفي قلّما يتوطن في بيئة الثقافة الشعرية، لأن الفلسفة تعكس أعمق تجليات العقل البرهاني، فيما يتوالد الشعر ويزدهر في فضاء المخيّلة، ويعاند العقلَ البرهاني، ويحتفي بالإيحاء والحدس والصورة، أكثر من احتفائه بالاستدلال والبرهان.
إن كانت البيئةُ فلسفيةً بالأصل، كما في ألمانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، تصبح بيئةً خصبة لظهور شعراء يبدعون شعرًا مشبعًا برؤيا فلسفية، على غرار فريدريش هولدرلين (1770 - 1843)، وإن كانت بيئةُ الثقافة شعريةً بالأصل، فنادرًا ما نرى فيها ولادةَ فيلسوف، كما في تمركز الثقافة العربية على الشعر قبل الإسلام. الإنتاج الثقافي للبيئة يشبهها؛ ففي البيئة الفقيرة عقليًّا تسود ثقافةٌ تخيّلية، أما في البيئة الخصبة عقليًّا فتزدهر المعرفةُ المركبة العميقة، ويتسع أفقُ التفكير النقدي، وتتوالد أسئلةُ الفلسفة والعلوم والإنسانيات.