اختيار رئيس الوزراء بين الاستقلالية والتمثيل الانتخابي في العراق
د. صابرين ستار جبار
2026-06-09 02:58
ان منصب رئيس الوزراء من المناصب السياسية المهمة في الأنظمة البرلمانية، فقيادة السلطة التنفيذية ومع إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية تقع على عاتقه.
بناءً على ما تقدم تنبني إشكاليتنا في ضرورة توضيح الفرق بين شخصية رئيس الوزراء التي تفرزها نتائج الانتخابات التي تُعد الأساس الديمقراطي لتشكيل الحكومة وشخصية رئيس الوزراء المستقلة، فهل ينبغي أن يكون رئيس الوزراء ممثلاً مباشراً للقوى السياسية الفائزة في الانتخابات؟ أم يمكن اختيار شخصية مستقلة بعيدة عن الأحزاب لتحقيق التوازن والاستقرار السياسي؟
وتظهر هذه الإشكالية في الدول التي تعاني من الانقسامات السياسية أو الأزمات الحكومية، حيث يُطرح خيار الشخصية المستقلة كحل لتخفيف الصراعات الحزبية وتحقيق الإصلاحات المطلوبة.
أولاً: مفهوم رئيس الوزراء والشخصية المستقلة
تختلف صلاحيات رئيس الوزراء من دولة إلى أخرى بحسب النظام السياسي، فقد يكون صاحب سلطة واسعة كما في النظام البريطاني، أو تكون صلاحياته مقيدة بالتوازنات السياسية والبرلمانية كما في بعض الدول العربية.
لكن المتفق عليه هو أي رئيس الوزراء المسؤول الأول عن إدارة الحكومة، ويقوم بتنسيق عمل الوزارات وتنفيذ السياسة العامة للدولة وفقاً للدستور والقانون. وفي الأنظمة البرلمانية يُكلَّف عادةً من قبل رئيس الدولة بعد الانتخابات البرلمانية.
أما مفهوم الشخصية المستقلة لرئيس الوزراء فهو الذي لا ينتمي لأي تنظيم، أو لا يخضع لتوجهات حزبية مباشرة، ويمتلك غالباً الحياد النسبي في إدارة الدولة.
له صفات معينة منها:
الحياد السياسي النسبي.
الكفاءة الإدارية والخبرة.
القدرة على التوفيق بين الأطراف السياسية.
الابتعاد عن المصالح الحزبية الضيقة.
الاستقلالية تلجأ إليها الدول عند حدوث أزمات سياسية أو احتجاجات شعبية أو تعثر تشكيل الحكومات وهو ما حصل في العراق.
ثانياً: نتائج الانتخابات وأثرها في اختيار رئيس الوزراء
تمثل نتائج الانتخابات المخرجات النهائية للعملية الديمقراطية التي تُحدد حجم تمثيل الأحزاب والقوى السياسية داخل البرلمان. وهي الأساس الدستوري لتشكيل الحكومة في الأنظمة الديمقراطية.
إذ تعكس نتائج الانتخابات إرادة الشعب، لذلك فإن القوى الفائزة تطالب بحقها في تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء.
في الأنظمة البرلمانية غالباً ما يتم تكليف مرشح الكتلة الأكبر أو التحالف الفائز بتشكيل الحكومة. والهدف من ذلك مايلي:-
1- احترام إرادة الناخبين.
2- تعزيز الشرعية الديمقراطية.
3- تحقيق الاستقرار السياسي.
4- ضمان وجود دعم برلماني للحكومة.
أما في الحالات التي تؤدي فيها نتائج الانتخابات إلى انقسام سياسي يمنع تشكيل حكومة مستقرة، تلجأ القوى السياسية إلى البحث عن شخصية مستقلة لها حظوظ قوية في القبول واسع.
ودعاة هذا التوجه لديهم حججهم وهي كالآتي:-
يرى المؤيدون لاختيار رئيس وزراء مستقل أن ذلك يحقق عدة فوائد، منها:
1- تقليل الصراع الحزبي: الشخصية المستقلة قد تكون أقل ارتباطاً بالمنافسات السياسية، مما يساعد على تهدئة التوترات.
2- تعزيز الكفاءة: غالباً ما يتم اختيار المستقلين على أساس الخبرة والكفاءة الإدارية.
3- مكافحة الفساد والمحاصصة: قد يكون المستقل أكثر قدرة على مواجهة النفوذ الحزبي والمحاصصة السياسية.
4- كسب ثقة الشارع: في حالات فقدان الثقة بالأحزاب التقليدية، يطالب الرأي العام بشخصيات مستقلة لإدارة الدولة.
وهذا لا يعني أن انصار اختيار رئيس الوزراء بناءً على ما تفرزه نتائج الانتخابات لا يمتلكون الحجج بل لديهم حججهم التي يطرحونها وهي كالآتي:-
1- احترام الإرادة الشعبية: الانتخابات هي الوسيلة الأساسية للتعبير الديمقراطي، وتجاوز نتائجها يُعد إضعافاً للديمقراطية.
2- الشرعية السياسية: رئيس الوزراء المدعوم من الكتل الفائزة يمتلك غطاءً سياسياً وبرلمانياً أقوى.
3- الاستقرار الحكومي: وجود دعم حزبي وبرلماني يساعد الحكومة على تمرير القوانين وتنفيذ البرامج.
4- منع التدخلات غير الديمقراطية: اختيار شخصية مستقلة خارج السياق الانتخابي قد يفتح الباب للتدخلات السياسية أو الخارجية.
ثالثاً: رئيس الوزراء العراقي بين الانتخاب والاستقلال
بعد عام 2005، واقرار الدستور العراقي مر العراق بأزمات سياسية متعددة جعلت النظام السياسي قائماً على أساس برلماني نيابي دستورياً لكن واقعاً ذا تشكيل بعيد كل البعد عما اتفق عليه في الدستور، ومن بين هذه الأزمات تلك المرتبطة بتشكيل الحكومات واختيار رؤساء الوزراء. والتي غالباً ما يثار حولها جدل الترشيح بين شخصيات حزبية تمثل الكتل الفائزة وبين شخصيات مستقلة.
على الرغم من الدستور العراقي لسنة 2005 نظم آلية اختيار رئيس مجلس الوزراء، حيث نصت المادة (76) على أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" بتشكيل الحكومة خلال مدة محددة. ويُفهم من هذا النص أن نتائج الانتخابات تمثل الأساس الدستوري لتشكيل الحكومة، لأن الكتلة الفائزة أو التحالف الأكبر داخل البرلمان هو الذي يمتلك حق ترشيح رئيس الوزراء.
غير ان التطبيق العملي في العراق كشف عن وجود تفسيرات سياسية متعددة لمفهوم "الكتلة الأكبر"، الأمر الذي أدى إلى أزمات سياسية متكررة عند تشكيل الحكومات.
وقد زادت من هذه الأزمات الاحتجاجات الشعبية التي طالبت بحكومة مستقلة بعيدة عن الأحزاب والمحاصصة السياسية، في مقابل تمسك القوى السياسية بحقها الدستوري المستند إلى نتائج الانتخابات.
وتُظهر التجربة العراقية أن نجاح رئيس الوزراء لا يعتمد فقط على كونه مستقلاً أو حزبياً، بل يرتبط بعوامل متعددة منها مايلي:
1- الدعم البرلماني.
2- الكفاءة السياسية والإدارية.
3- القدرة على إدارة التوازنات.
4- الاستجابة لمطالب المواطنين.
رابعاً: اختيار رئيس الوزراء على أساس نتائج الانتخابات
يقصد بالتمثيل الانتخابي أن يتم اختيار رئيس الوزراء من الكتلة أو التحالف الذي حقق أعلى عدد من المقاعد البرلمانية، باعتبار أن ذلك يعبر عن إرادة الناخبين ويحافظ على الشرعية الديمقراطية.
ومن أمثلة على اختيار رئيس الوزراء وفق نتائج الانتخابات
1- إبراهيم الجعفري (2005): تم اختيار إبراهيم الجعفري بعد فوز "الائتلاف العراقي الموحد" بأغلبية المقاعد في أول انتخابات بعد الدستور، مما جعل اختياره انعكاساً مباشراً للنتائج الانتخابية
2- نوري المالكي (2010): بعد انتخابات عام 2010 حصلت قائمة "العراقية" بزعامة إياد علاوي على عدد مقاعد أكبر من ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، لكن التحالفات السياسية داخل البرلمان أدت إلى تشكيل “الكتلة الأكبر” لصالح المالكي، الذي كُلّف بتشكيل الحكومة.
وتُعد هذه الحالة مثالاً على اعتماد التفسير البرلماني للكتلة الأكبر وليس فقط نتائج الانتخابات الأولية.
3- محمد شياع السوداني (2022): جاء تكليف محمد شياع السوداني بعد تحالف قوى "الإطار التنسيقي" وتشكيلها الكتلة الأكبر داخل مجلس النواب، رغم الانقسام السياسي الذي أعقب انتخابات 2021، وقد استند اختياره إلى التوافق البرلماني وامتلاك الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
خامساً: اختيار رئيس الوزراء على أساس الاستقلالية
ظهر مفهوم "رئيس الوزراء المستقل" بقوة في العراق بعد تصاعد الأزمات السياسية والاحتجاجات الشعبية، خصوصاً احتجاجات تشرين 2019، حيث ارتفعت المطالب بتكليف شخصيات بعيدة عن الأحزاب والمحاصصة.
ومن أمثلة على اختيار رئيس وزراء بناءً على الاستقلالية
1- عادل عبد المهدي (2018): تم تكليف عادل عبد المهدي كرئيس وزراء توافقي، رغم أنه لم يترشح للانتخابات بصفته زعيماً لكتلة كبيرة.
وجاء اختياره نتيجة اتفاق سياسي بين تحالفي "سائرون" و"الفتح"، وتم تقديمه بوصفه شخصية مستقلة نسبياً تمتلك خبرة سياسية وإدارية.
2- مصطفى الكاظمي (2020): يُعد مصطفى الكاظمي أبرز مثال على اختيار شخصية ذات طابع مستقل نسبياً، إذ جاء تكليفه بعد احتجاجات شعبية واسعة واستقالة حكومة عادل عبد المهدي.
ولم يكن الكاظمي زعيماً لحزب فائز في الانتخابات، بل تم اختياره كشخصية توافقية مقبولة داخلياً وخارجياً، بهدف تهدئة الأزمة السياسية وإجراء انتخابات مبكرة.
3- محاولات ترشيح شخصيات مستقلة بعد احتجاجات تشرين: بعد احتجاجات عام 2019 طُرحت أسماء عديدة لشخصيات أكاديمية وقضائية مستقلة لتولي رئاسة الوزراء، في محاولة للاستجابة لمطالب الشارع الرافض للأحزاب التقليدية والمحاصصة السياسية.
وقد برز خلال تلك المرحلة جدل واسع حول إمكانية تجاوز منطق الكتلة الأكبر لصالح اختيار شخصية مستقلة تحظى بقبول شعبي وسياسي.
سادساً: المفاضلة بين الاستقلالية والتمثيل الانتخابي
فالتمثيل الانتخابي مزايا عدة منها
1- احترام إرادة الناخبين.
2- تعزيز الشرعية الديمقراطية.
3- توفير دعم برلماني للحكومة.
4- تحقيق الاستقرار السياسي النسبي.
أما الشخصية المستقلة فلها مزايا منها
1- تقليل الصراع الحزبي.
2- تهدئة الشارع المحتج.
3- الابتعاد عن المحاصصة السياسية.
4- الاعتماد على الكفاءة والخبرة.
ورغم أهمية نتائج الانتخابات، فإن الواقع السياسي العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على التوافقات السياسية بين الكتل، مما يجعل اختيار رئيس الوزراء لا يعتمد دائماً على الحزب الفائز فقط.
كما أن فكرة "الاستقلالية" تبقى نسبية، لأن أي رئيس وزراء يحتاج إلى دعم الكتل البرلمانية لنيل الثقة وتمرير القوانين.
ويمثل تكليف علي فالح كاظم الزيدي محطة مفصلية مهمة في الجدل العراقي المستمر حول اختيار رئيس الوزراء بين "الاستقلالية" و"التمثيل الانتخابي". فبحسب التطورات السياسية الأخيرة، جاء تكليف الزيدي ضمن توجه يهدف إلى تقديم شخصية توصف بأنها مستقلة نسبياً وتحظى بقبول توافقي بين القوى السياسية، مع التركيز على تشكيل حكومة كفاءات قادرة على إدارة الأزمات والتحديات التي تواجه العراق.
ويعكس هذا التكليف استمرار النمط السياسي الذي ظهر في العراق خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت بعض القوى السياسية تميل إلى ترشيح شخصيات غير مرتبطة مباشرة بالواجهة الحزبية، خصوصاً في أوقات الانقسام السياسي أو ضعف الثقة الشعبية بالأحزاب التقليدية.
وفي هذا الأطار، يمكن فهم تكليف علي الزيدي بوصفه مرشحاً مستقلاً نسبياً ضمن إطار التوازنات الداخلية والخارجية التي تحكم المشهد السياسي العراقي.
وتكليف علي الزيدي له عدة أبعاد سياسية ودستورية، أهمها:
1- محاولة تحقيق التوازن بين الشرعية والتوافق: رغم أن النظام البرلماني العراقي يقوم على مبدأ الكتلة الأكبر، إلا أن الواقع السياسي أثبت أن التوافق بين القوى السياسية أصبح عاملاً حاسماً في اختيار رئيس الوزراء.
ويبدو أن ترشيح الزيدي يمثل محاولة للجمع بين:
أولاً: احترام نتائج الانتخابات والتحالفات البرلمانية.
ثانياً: وطرح شخصية أقل ارتباطاً بالصراع الحزبي المباشر.
2- الاستجابة لمطالب الشارع العراقي: شهد العراق منذ احتجاجات تشرين 2019 تصاعد المطالب الشعبية بتقليل نفوذ الأحزاب والمحاصصة، والاتجاه نحو شخصيات مستقلة أو تكنوقراط.
من هذا المنطلق، فإن تقديم الزيدي بصفته مرشحاً مستقلاً نسبياً قد يهدف إلى:
أولاً: تهدئة الرأي العام.
ثانياً: استعادة الثقة بالمؤسسات.
ثالثا: تقديم صورة مختلفة عن الحكومات الحزبية التقليدية.
3- استمرار نموذج “الاستقلالية المدعومة سياسياً: التجربة العراقية أثبتت أن رئيس الوزراء "المستقل" غالباً لا يصل إلى السلطة من دون دعم الكتل السياسية الكبرى.
وهذا ما حدث سابقاً مع" مصطفى الكاظمي سنة 2020" و"عادل عبد المهدي سنة 2018"
إذ تم تقديمهما بوصفهما شخصيتين مستقلتين أو توافقيتين، لكنهما اعتمدا عملياً على دعم القوى السياسية داخل البرلمان.
وتكشف تجربة علي الزيدي أن النظام السياسي العراقي ما زال يعيش حالة انتقالية بين نموذجين:
أولاً: نموذج الشرعية الانتخابية: الذي يقوم على أن نتائج الانتخابات هي الأساس في اختيار رئيس الوزراء.
ثانياً: نموذج الاستقلالية التوافقية: الذي يعتمد على اختيار شخصية مقبولة من مختلف الأطراف لتجنب الصدام السياسي.
ومن المرجح أن يستمر العراق في المزج بين النموذجين خلال السنوات المقبلة، بسبب:
1- طبيعة النظام البرلماني.
2- التعدد الحزبي.
3- الانقسامات السياسية والاجتماعية.
4- الحاجة المستمرة إلى التوافقات.
سابعاً: الدور الامريكي والايراني في ترشيح الزيدي كشخصية مستقلة
لا يمكن دراسة مسألة اختيار رئيس الوزراء في العراق بمعزل عن التأثيرات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الدوران الإيراني والأمريكي، نظراً لما يتمتع به العراق من أهمية استراتيجية وسياسية في المنطقة. ومنذ عام 2003 أصبح تشكيل الحكومات العراقية يرتبط بدرجات متفاوتة بالتوازن بين النفوذ الإيراني والتأثير الأمريكي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
أولاً: الدور الإيراني في اختيار رؤساء الوزراء في العراق: تُعد إيران من أكثر الدول تأثيراً في الساحة السياسية العراقية بعد عام 2003، بحكم:
1- العلاقات مع الأحزاب الشيعية.
2- النفوذ السياسي والأمني.
3- الروابط الاقتصادية والجغرافية.
4- دعم بعض الفصائل والقوى المسلحة.
وغالباً ما تسعى إيران إلى دعم شخصية لرئاسة الوزراء تحقق عدة أهداف، منها:
1- الحفاظ على استقرار النظام السياسي القريب من مصالحها.
2- منع وصول شخصية معادية لنفوذها.
3- ضمان استمرار التنسيق الأمني والسياسي.
4- حماية نفوذ حلفائها داخل الدولة العراقية.
وفي العديد من التجارب السابقة، كان الموقف الإيراني مؤثراً في التوافق على رؤساء الوزراء، كما حدث مع: نوري المالكي، وعادل عبد المهدي، ومحمد شياع السوداني.
ثانياً: الدور الأمريكي في تشكيل الحكومات العراقية: ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك تأثيراً مهماً في العراق، خاصة في:
1- الملف الأمني والعسكري.
2- مكافحة الإرهاب.
3- العلاقات الاقتصادية.
4- دعم الاستقرار السياسي.
وعادةً ما تركز الولايات المتحدة على دعم شخصية:
1- قادرة على حفظ التوازن الداخلي.
2- لا تكون مرتبطة بالكامل بإيران.
3- تحافظ على التعاون الأمني مع واشنطن.
4- تمنع تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة.
ولهذا دعمت الولايات المتحدة في بعض المراحل شخصيات توصف بأنها "توافقية"أو "معتدلة"، مثل:حيدر العبادي، ومصطفى الكاظمي.
ويمكن تحليل تكليف علي الزيدي ضمن إطار "التوازن السياسي الخارجي"، إذ إن اختيار شخصية مستقلة نسبياً غالباً ما يكون محاولة لتجنب الصدام بين النفوذين الإيراني والأمريكي داخل العراق.
إذا حظي الزيدي بدعم أو قبول القوى القريبة من إيران، وهذا يعني:
1- أنه لا يمثل تهديداً مباشراً لمصالح طهران.
2- أنه قادر على الحفاظ على التوازن مع الفصائل والقوى الشيعية.
3- أن اختياره جاء ضمن تفاهمات سياسية داخلية تراعي النفوذ الإيراني.
وفي المقابل، فإن تقديم الزيدي كشخصية مستقلة أو تكنوقراط مقبولاً نسبياً لدى الولايات المتحدة، خصوصاً إذا:
1- ركز على الإصلاح الإداري والاقتصادي.
2- حافظ على التعاون الأمني مع التحالف الدولي.
3- تبنى خطاب"حصر السلاح بيد الدولة".
4- ابتعد عن التصعيد ضد المصالح الأمريكية.
ويتضح مما تقدم ان رئاسة الوزراء في العراق ومنذ سنوات تمثل نقطة توازن بين:
1- الإرادة الداخلية للقوى السياسية.
2- النفوذ الإيراني.
3- المصالح الأمريكية.
وعليه ان أي مرشح لرئاسة الوزراء يحتاج عملياً إلى:
1- قبول داخلي من الكتل السياسية.
2- عدم الرفض الإيراني.
3- عدم الاعتراض الأمريكي القوي.
فرئيس الوزراء العراقي يعد"نتاج توازن داخلي وإقليمي ودولي أكثر من كونه نتاج الانتخابات وحدها".
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية لشخصية رئيس الوزراء المستقل
1- نجاح نموذج رئيس الوزراء المستقل: الذي يتمكن فيه من تشكيل حكومة كفاءات، وتقليل نفوذ المحاصصة، مع تحقيق التوازن بين القوى السياسية، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية.
ونجاح ذلك يؤدي إلى تعزيز فكرة اختيار شخصيات مستقلة مستقبلاً، تقوية الاتجاه الشعبي نحو الحكومات التكنوقراطية، مع التقليل هيمنة الأحزاب التقليدية على السلطة التنفيذية.
الأمر الذي ينعكس بشكل جيد على طبيعة النظام السياسي العراقي ليتحول من "حكومة المحاصصة" إلى "حكومة الكفاءة".
2- خضوع المستقل للتوافقات الحزبية: وان التجارب السابقة تجعل من هذا السيناريو الأكثر حظوظاً في التحقيق، وهو ما يجعل رئيس الوزراء المستقل مقيداً بالتوازنات السياسية داخل البرلمان، ويواجه الآتي:-
1- ضغوطاً من الكتل السياسية.
2- صعوبة في اختيار وزراء مستقلين بالكامل.
3- تحديات في تمرير القوانين والإصلاحات.
لتتحول "الاستقلالية" إلى استقلالية شكلية أكثر من كونها فعلية.
3- عودة هيمنة التمثيل الانتخابي المباشر: ان فشل الشخص المستقل يفتح بابًا أمام القوى السياسية مستقبلاً للعودة إلى مبدأ: "رئيس الوزراء يجب أن يكون ممثلاً مباشراً للقوى الفائزة في الانتخابات". وان هذا السيناريو يعزز من:
1- دور الأحزاب الكبرى.
2- مفهوم الأغلبية السياسية.
3- الربط المباشر بين الانتخابات وتشكيل الحكومة.
وعلى صعيد العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الاسلامية في ايران فإن سيناريوهات الشخصية المستقل قد ترتسم كما يلي:
1- سياسة التوازن الناجح: الذي يتمثل في الحفاظ على العلاقات مع إيران.
واستمرار التعاون مع الولايات المتحدة.
2- الميل نحو أحد المحورين: فإن اقتراب الزيدي بشكل واضح من أحد الطرفين، قد يؤدي إلى:
1- زيادة الانقسام الداخلي.
2- تصاعد الضغوط السياسية.
3- تعقيد علاقات العراق الخارجية.
3- ضعف الحكومة تحت تأثير الصراع الخارجي: ان استمرار التنافس الإيراني–الأمريكي داخل العراق يؤدي إلى إضعاف أي حكومة، حتى لو كانت مستقلة نسبياً، بسبب:
1- تضارب المصالح.
2- الضغوط السياسية.
3- استخدام الساحة العراقية كساحة نفوذ إقليمي.
الخاتمة
يتضح أن العلاقة بين الشخصية المستقلة ونتائج الانتخابات تمثل قضية معقدة في الأنظمة السياسية البرلمانية. فنتائج الانتخابات تمنح الشرعية الديمقراطية، بينما قد توفر الشخصية المستقلة فرصة لتحقيق التوازن والإصلاح في أوقات الأزمات.
لذلك فإن الحل الأمثل يتمثل في الجمع بين الشرعية الانتخابية والكفاءة والاستقلالية النسبية، بحيث يتم اختيار رئيس وزراء قادر على تمثيل إرادة الشعب وتحقيق الاستقرار السياسي والإداري في الوقت نفسه.
إن تكليف علي الزيدي يمثل امتداداً للجدل السياسي والدستوري في العراق حول العلاقة بين الاستقلالية والتمثيل الانتخابي في اختيار رئيس الوزراء. فرغم اعتماد الدستور على مبدأ الكتلة الأكبر، فإن الواقع السياسي أوجد نمطاً قائماً على التوافق واختيار شخصيات تُقدَّم بوصفها مستقلة نسبياً لتحقيق التوازن والاستقرار.
وستبقى نجاحات أو إخفاقات تجربة الزيدي عاملاً مؤثراً في تحديد مستقبل النظام السياسي العراقي، وما إذا كان العراق سيتجه نحو ترسيخ نموذج “رئيس الوزراء المستقل” أو العودة إلى نموذج “التمثيل الانتخابي المباشر” المرتبط بالأحزاب الفائزة.
كما أن تكليف علي الزيدي لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي العراقي الذي يتأثر بالتوازنات الداخلية والخارجية معاً. فاختيار رئيس الوزراء في العراق لم يعد يعتمد فقط على نتائج الانتخابات أو الاستقلالية الشخصية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بدرجة القبول الإقليمي والدولي، خاصة من قبل إيران والولايات المتحدة.
ومن ثم فإن نجاح الزيدي سيعتمد إلى حد كبير على قدرته في إدارة هذا التوازن المعقد، والحفاظ على استقلال القرار العراقي، ومنع تحول العراق إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية، مع الاستجابة في الوقت نفسه لمطالب الداخل العراقي بالإصلاح والاستقرار
النتائج:
1- ان الأساس الديمقراطي لتشكيل الحكومة نتائج الانتخابات.
2- قد تسهم الشخصية المستقلة في تهدئة الأزمات السياسية.
3- ان استقرار الحكومة يتطلب الشرعية البرلمانية.
4- نجاح رئيس الوزراء يعتمد على الكفاءة والدعم السياسي معاً.
5- ابرزت التجربة العراقية التحديات بين الاستقلالية والمحاصصة الحزبية.
وما تقدم يدفعنا إلى وضع توصيات لشخص رئيس الوزراء بغض النظر عن طريق وصوله لرئاسة الوزراء سواء كان التمثيل الانتخابي أم الاستقلال وهي كالآتي:-
التوصيات:
1- ضرورة احترام نتائج الانتخابات وفق الدستور.
2- اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في اختيار رئيس الوزراء.
3- تقليل تأثير المحاصصة الحزبية في تشكيل الحكومات.
4- تعزيز الرقابة البرلمانية على أداء الحكومة.
5- دعم الإصلاحات السياسية التي تحقق التوازن بين الإرادة الشعبية والاستقرار السياسي.
6- ضرورة الحفاظ على استقلالية القرار الحكومي بعيداً عن الضغوط الحزبية، لكي يتمكن رئيس الوزراء المكلف من تنفيذ برنامجه الإصلاحي بصورة فعّالة.
7 -اعتماد معيار الكفاءة والنزاهة في اختيار الوزراء وأصحاب المناصب العليا، وعدم إخضاع تشكيل الحكومة للمحاصصة السياسية التقليدية.
8- تعزيز ثقة الشارع العراقي بالحكومة من خلال الشفافية في إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية، خصوصاً أن الزيدي يُقدَّم كشخصية ذات خلفية اقتصادية وإدارية.
9- دعم التوازن في العلاقات الخارجية للعراق، بما يحفظ السيادة الوطنية ويُبعد البلاد عن الصراعات الإقليمية والدولية.
9- منح الحكومة مساحة كافية للعمل بعيداً عن الصراعات السياسية والإعلامية، لأن نجاح أي شخصية يعتمد على وجود دعم مؤسساتي حقيقي.
10- تفعيل دور المؤسسات الرقابية والقضائية لمكافحة الفساد، باعتبار أن هذا الملف يمثل أحد أهم مطالب الشارع العراقي.
11- التركيز على الإصلاح الاقتصادي وتطوير بيئة الاستثمار.
12- بناء برنامج حكومي يعتمد على أولويات المواطن.
13- تعزيز الحوار مع القوى السياسية المختلفة لتقليل حالة الانقسام وضمان الاستقرار السياسي خلال مرحلة تشكيل الحكومة.
14- ضرورة أن تثبت الحكومة استقلاليتها عملياً من خلال القرارات والإصلاحات، لأن بعض الآراء الشعبية ما تزال تشكك بقدرة أي شخصية "مستقلة" على التحرر من تأثير الأحزاب السياسية.