إداراتٌ لا شعارات
عبد الامير المجر
2026-05-25 01:09
من بين التفاصيل الكثيرة التي أسمعها باستمرار، أتذكر ما قاله لي صديق في جلسة خاصة، اذ قال؛ أعرف شابا في منطقتنا، لم تربطني به علاقة شخصية، ولكنه يلفت انتباهي بمظهره الانيق وتسريحة شعره وحذائه اللمّاع دائما.
وواصل الصديق كلامه قائلا؛ حصل وإن التقينا وتعرفنا الى بعضنا، وأصبحنا صديقين، وصارت بيننا ميانة جعلتني أعبّر عن إعجابي بملابسه وأثنيت على حسن اختياره لها، وربما غبطته على وضعه المادي الذي يسمح له بأن يشتري هكذا ملابس وأحذية، بل حتى العطر الذي أشمه فيه كان لطيفا إلى حد ما. وقد أدهشني ما قاله لي هذا الصديق وهو يبتسم ويسرّني، بما لم أصدقه في حينه ولم يعرفه الكثيرون من أمثالي عنه، إذ قال إن دخله المالي المحدود لا يسمح له بشراء الملابس والأحذية الفاخرة، لكنه وكما شرح لي، يعرف كيف يقتني الملابس من بين أكوام الملابس المستعملة (البالة)، ثم يعمل على تقريمها ليجعلها تناسبه، وكذلك يحرص باستمرار على أن يصبغ حذاءه، فيبدو دائما كما لو إنه جديد، يضاف الى هذا والقول له، إنه لم يخرج ما لم يستحم ويتعطر، وإن كان عطرا بسيطا لكنه يتجنب العطور الحادة، وبذلك يخرج بشكل متناسق وأنيق ويلفت الانتباه.
الدول كالأشخاص تماما، فحينما يقودها من يعرف كيف يدير أمورها تبدو غنية وإن كانت قليلة الموارد، وجميلة وإن كانت تفتقر للطبيعة المميزة، ومتمدنة وإن كانت من دول العالم الثالث أو الرابع، إذ تكفي ثلاثة عقود من التعليم الرصين والإدارة الناجحة لمرافق الحياة العامة والنظافة، لتجعل من بلد متخلف وغير متعلم بلدا مميزا وشعبه متحضرا، وهذه الخدمات كلها لا تكلف الدولة كثيرا، كونها مشاريع عادية وليست استراتيجية عملاقة.
قد يرى البعض في هذا الكلام مبالغة، لكنه حقيقة لمسناها وشاهدناها في أكثر من بلد، فحين تعبّد شوارع أي منطقة مهملة وتمد فيها المجاري وتنشأ فيها الأسواق الحديثة، وتنشط فيها البلدية وتحرص الدولة على توفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء وغيرها، فسيجد أبناء هذه المنطقة، وان كانوا بسطاء، انفسهم في واقع حياتي يفرض عليهم أن يتعاملوا مع تفاصيل واقعهم الجميلة هذه، فيبدون هم جميلين أيضا، مع مراعاة أن تكون الدولة حازمة مع من يميل الى الفوضى والتمرد على القوانين، لأن الحزم مع هؤلاء يكرس حضور الدولة بصورتها المركّبة، أو بوصفها خادمة للناس وحامية لحقوقهم، وبذلك تتحقق هيبة الدولة وتسود لغة القانون، ومن ثم يصبح المجتمع متحضرا بسلوكه اليومي، وإن لم يكن أغلبه يمتلك ثقافة عامة، لأن هذه الأمور تعود الى جهد الانسان الشخصي ومقدار ميله الى تطوير نفسه بالاتجاه الذي يريده وينجذب إليه، فأنت لا تستطيع أن تجعل شخصا متصحرا من الداخل، متلقيا للشعر والأدب والفن، وكذلك لا تستطيع أن تجبر من لا يحب الرياضة على الذهاب إلى الملاعب، والعكس صحيح.
لكنك كمسؤول تستطيع أن تشذّب سلوكه وتجعل منه إنسانا عصريا، سواء برضاه أو بجعله منصاعا للقوانين التي ترتقي بالحياة، وهنا يكمن سر نجاح الإدارات العظيمة للدول وتميزها عن الإدارات الفاشلة، فالمعروف إن الكثير من الدول لا تمتلك موارد كبيرة لكنها أجمل وأنظف، وشعوبها أكثر تمدنا من دول بموارد ضخمة وإدارات فاشلة.
مؤخرا، قرات نقلا عن خبير اقتصادي تكذيبه مقولة اعتماد خزينة الدولة العراقية بالكامل على النفط، ويستعرض بشكل موجز مصادر تمويلها من النفط المباع محليا والتي تبلغ نحو 40 ترليون دينار، وكذلك واردات وزارة الكهرباء والمنافذ الحدودية والمجال الجوي والمرور وامانة بغداد وغيرها، ليصل المبلغ المقّدر الى نحو مائة ترليون، وهذه تكفي لرواتب الموظفين وتجعل الدولة في وضع مالي مستريح.
قد تبدو الأرقام مبالغ فيها، لكن من الصعب نفي الحصول على اكثر من نصفها في اقل تقدير، لا سيما ان نفوس العراق ووجود هذه الاعداد الضخمة من السيارات في العراق يؤكد صحة المبالغ الواردة للخزينة من بيع المشتقات النفطية، وكذلك المنافذ الأخرى، والسؤال هو كيف تتحصل الدولة على هذه الموارد وكيف تنفقها؟! واقعنا الخدمي المتردي يعيد علينا طرح السؤال بصيغة أخرى؛ هل لدينا إدارات ناجحة لمؤسسات الدولة.. ونترك الإجابة للقارئ.