نحنُ الجيلُ الذي اختُزلت أحلامُه في «صمود» بلا أفق

فتح الله الكيلاني

2026-05-11 02:10

نحنُ الجيلُ الذي فتح عينيه على خرائطَ تتشظّى، وسياداتٍ تتآكل، وشعاراتٍ كبرى تذروها رياحُ الهزائم والتسويات المرتبكة. لم نرثْ زمنَ الصعود، بل وُلدنا في قلب الانكسار؛ حيث تحوّلت كثيرٌ من مشاريع النهوض العربي إلى صراعاتٍ على السلطة، وتقدّمت حساباتُ البقاء السياسي على مقتضيات البناء الوطني. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن ينشأ جيلٌ أُنهك بالشعارات، من غير أن يلامس انتصارًا يوازي حجم التضحيات أو يرمّم المعنى المتآكل للكرامة والسيادة.

ولئنْ تعددت أسباب هذا الإخفاق بين ضغوطٍ دولية، واختلالاتٍ اقتصادية، وتعقيداتٍ إقليمية، فإن جانبًا معتبرًا من المسؤولية يظل معقودًا بطبيعة الإدارة السياسية العربية؛ إذ أُديرت الدولة، في كثيرٍ من الأحيان، بعقليةٍ تُغلّب أمن السلطة على أمن المجتمع، وتُقدّم استقرار الحاكم على استقرار الوطن. وهكذا، تراكمت الهزائم الصغيرة حتى غدت واقعًا عامًا، وتحوّل «الصمود» من مقدمةٍ للنهوض إلى حالةٍ دائمة من إدارة التراجع.

أولًا: مصر... من مركز الفعل إلى إدارة الانكماش

شكّلت مصر، لعقودٍ طويلة، القلب السياسي والثقافي للعالم العربي، غير أنّ مسارها الحديث يكشف كيف يمكن للتحولات الكبرى أن تنقلب من مشروع ريادة إلى حالة انكفاءٍ تدريجي.

فقد مثّل تأميم قناة السويس لحظةً فارقة في التاريخ العربي الحديث، وأظهر قدرة الإرادة السياسية على تحدي الهيمنة الخارجية. غير أنّ الزخم المعنوي الذي أعقب ذلك الإنجاز لم يُترجم، على نحوٍ كافٍ، إلى بناءٍ مؤسسيٍّ يضمن توازن القرار وواقعية التقدير الاستراتيجي. ثم جاءت هزيمة عام 1967 لتكشف حجم الخلل في بنية الإدارة العسكرية والسياسية، بعدما فقدت مصر وسورية والأردن أجزاءً واسعة من أراضيها خلال أيام معدودة.

وفي السياق ذاته، استنزفت حرب اليمن قدرًا معتبرًا من طاقة الدولة المصرية البشرية والاقتصادية، في تجربةٍ تجاوزت حدود التأثير الإقليمي إلى إنهاك الداخل ذاته. ثم جاءت اتفاقيات كامب ديفيد لتفتح بابًا جديدًا في السياسة المصرية؛ إذ استعادت القاهرة أرضها، لكنها دخلت، في المقابل، مرحلةً اتسمت بتراجع دورها العربي المركزي، وبتنامي الارتهان للمساعدات والتوازنات الدولية. وهكذا، بدا الانتقال من موقع القيادة إلى موقع إدارة التوازنات الضيقة أحد أبرز ملامح التحول في الدور المصري الحديث.

ثانيًا: المشرق العربي... حين تحوّلت القضية إلى ذريعةٍ للاستنزاف

في المشرق العربي، بقيت القضية الفلسطينية عنوانًا جامعًا للوجدان العربي، غير أنّ بعض الأنظمة الحاكمة أحاطتها، أحيانًا، بسياجٍ من التوظيف السياسي الداخلي؛ فاختلطت ضرورات المواجهة الخارجية باعتبارات إحكام السيطرة الداخلية.

وفي سورية، تحوّلت حالة الصراع الطويل مع إسرائيل إلى مبررٍ لتوسيع القبضة الأمنية، وتأجيل الإصلاح السياسي، حتى تراكم الاحتقان وانفجرت الدولة في أتون حربٍ مدمرة أضعفت المجتمع والمؤسسات معًا. أما الأردن، فرغم نجاحه النسبي في الحفاظ على تماسك الدولة، فإنه ظل محكومًا بحساسية التوازنات الإقليمية وتعقيدات الجغرافيا السياسية المحيطة به.

وأما لبنان، فقد مثّل صورةً مكثفة لاختلال البنية العربية عمومًا؛ إذ تحوّل، بفعل الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية، إلى ساحةٍ مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. ومع تآكل مفهوم الدولة الجامعة، أصبح الاجتياح الإسرائيلي والحروب الأهلية المتعاقبة نتيجةً طبيعية لضعف البنية السياسية وعجز النخب عن بناء مشروع وطني متماسك.

ثالثًا: حين تتحوّل الدولة إلى رهينة الفرد... العراق وليبيا نموذجًا

وفي نماذج أخرى، تجاوزت الأزمة حدود سوء الإدارة إلى تغوّل الفرد على الدولة ذاتها، حتى غدت المؤسسات مجرد امتدادٍ لإرادة الحاكم.

ففي العراق، قادت الحرب الطويلة مع إيران إلى استنزافٍ هائل للموارد والطاقات، ثم جاء غزو الكويت ليُدخل البلاد في مواجهةٍ دولية مدمرة انتهت بإضعاف الدولة وتفكيك بنيتها لاحقًا. ولم يكن ذلك حصيلة ظرفٍ خارجي فحسب، بل نتيجةً مباشرة لاحتكار القرار وغياب المؤسسية والرقابة السياسية الفاعلة.

أما ليبيا، فقد أهدرت سنواتٌ طويلة من الثروة النفطية والإمكانات البشرية في مغامراتٍ خارجية وصراعاتٍ استنزفت الدولة وأضعفت مؤسساتها. ومع غياب البناء المؤسسي الحقيقي، تحوّل النظام السياسي إلى فضاءٍ تديره المزاجية الفردية أكثر مما تحكمه قواعد الدولة الحديثة، فكان الانهيار اللاحق أكثر حدّة واتساعًا.

رابعًا: صناعة العجز السياسي... حين يُقمع الوعي

ولعلّ أخطر ما أنتجته الأنظمة العربية لم يكن الهزائم العسكرية وحدها، بل ذلك التآكل البطيء في الوعي السياسي العام؛ إذ جرى، لعقودٍ طويلة، إضعاف المجال العام، وتهميش النقد، ومصادرة إمكانات المراجعة والتصحيح.

فقد تحوّلت أجهزة الاستخبارات، في كثيرٍ من البلدان، من أدواتٍ لحماية الأمن الوطني إلى وسائلَ لمراقبة المجتمع وضبط المجال السياسي والثقافي، الأمر الذي أضعف الحيوية الفكرية، وعمّق الخوف، وأفقد الدولة قدرتها على إنتاج التوازن الطبيعي بين السلطة والمجتمع.

وفي موازاة ذلك، لعب الإعلام الرسمي -ومعه كثيرٌ من الأبواق الدعائية- دورًا بالغ الخطورة في تزييف الوعي؛ إذ جرى تسويق الإخفاقات بوصفها انتصارات، وتحويل النقد إلى خيانة، وإحاطة السلطة بهالةٍ من العصمة السياسية. وهكذا، نشأت أجيالٌ كاملة داخل فضاءٍ مشوَّه الإدراك، يختلط فيه الواقع بالرغبات، والشعارات بالحقائق.

خاتمة

إن جيلنا لم يعش الهزيمة بوصفها حدثًا عابرًا، بل بوصفها مناخًا ممتدًا تشكّلت داخله رؤيته للعالم ولذاته. ومع ذلك، فإن استعادة الوعي تظل الخطوة الأولى في طريق الخروج من هذا الإرث الثقيل؛ إذ لا يمكن بناء مستقبلٍ مختلف بعقليةٍ تُقدّس الفرد، أو تُقصي النقد، أو تُعيد إنتاج الأخطاء ذاتها تحت عناوين جديدة.

إن النهوض الحقيقي لا يبدأ من تمجيد الماضي، ولا من اجترار المرارات، بل من بناء دولةٍ تُدار بالمؤسسات، ويُحتكم فيها إلى الكفاءة والعلم والمساءلة، لا إلى الولاءات الضيقة والهالات المصنوعة. وحين يصبح الوطن أكبر من الحاكم، والوعي أسبق من الدعاية، يمكن عندئذٍ فقط أن يتحوّل «الصمود» من شعارٍ يبرّر التراجع إلى إرادةٍ حقيقية تصنع المستقبل.

ذات صلة

الإيمان في مواجهة الأعاصير الفكرية المنحرفةأثر انسحاب الإمارات من منظمة أوبك على أمن الطاقة لدول الخليجتشكيل الحكومة العراقية وديناميات التوافق السياسيهندسة السياسة الرقمية والحوكمة البيانيةالإنسان القلق: كيف يصنع الخوف سلوكنا اليومي؟