الشخصية العراقية وبؤرة التناقض
حكمت السيد صاحب البخاتي
2026-04-27 02:58
لعل من العسير المعرفي تعريف الشخصية الإنسانية تعريفا جازما حادا وقد نجد تفسير ذلك العسر المعرفي في الرؤية القديمة حول الإنسان، فالإنسان من وجهة نظرها مكون من العناصر الكونية الأربعة الماء والتراب والهواء والنار، وطبيعة التناقض في تلك العناصر يصعّب من إجراء التعريف في الشخصية الإنسانية ونعتمد ذلك التوصيف المعرفي القديم كحالة إجرائية في بحث المسألة.
وفي تلك الدلالة على غموض أو تعقيد المعنى في الشخصية الإنسانية كتب كارليل توماس كتابه الشهير آنذاك "الإنسان ذلك الكائن المجهول" ويقول (كل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة)، ولكن من جهة أخرى يمكن إجراء التوصيف المعرفي والعلمي الخاص في الشخصية الإنسانية من جهة المعنى الذاتي-النفسي في علم النفس ومن جهة المعنى الاجتماعي في علم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا الذي تكتشف فيه الشخصية من خلال الثقافة الاجتماعية.
وأول من تعرض الى دراسة الشخصية الاجتماعية العراقية وأثار الحديث حولها هو الدكتور علي الوردي، ولكن قبل ذلك كانت حكايات وروايات التراث تنقل إلينا الكثير عن تصورات وأفكار حول الشخصية العراقية من خلال ما كانت توسم به مجتمعات أهل العراق في الذاكرة الإسلامية وطبائعهم ومفارقاتهم لا سيما في عصور كان العراق فيها فاعلا سياسيا وثقافيا وحضاريا.
وفي ذلك تجيء عبارة الجاحظ الشهيرة في أهل العراق إذ يقول "أن أهل العراق أهل نظر و ذوو فطن ثاقبة ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث مع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء"، ولعلها أول شرح وتنقيب في الشخصية العراقية وهي تصورات ناتجة عن خبرات اجتماعية وتجربة فردية متداخلة في صميم حياة هذا المجتمع الذي تسكن روحه أو ذاته الاجتماعية طبيعة حركية غير ساكنة فهو مجتمع يتحرك وفق اتجاهات متعددة وبدوافع شتى حتى صار صعبا أن يحظى العراقيين بإجماع أو اتفاق داخلي، ولكن في تلك التناقضات وما تنطوي عليه من الحركة الذاتية نشأت مدارس فكرية وثقافات علمية ومعرفية وهي تتزود من تلك الطبيعة الحركية في الشخصية العراقية.
وقد نظر الدكتور الوردي الى تلك التناقضات الشخصية والاجتماعية في العراق من خلال ازدواجية القيم والسلوك وتناقضات الحضارة والبداوة في تأثيراتها على الشخصية العراقية، ومن المهم التذكير بأن تلك التناقضات البنيوية في الشخصية العراقية كانت قائمة وفاعلة ومنتجة في ظل الحضارات المتعاقبة التي نشأت وتكونت في العراق، وبدلالة مقولة الجاحظ وبشرط نقلها من السياق السياسي الذي حصرها به الجاحظ الى السياقات الفكرية والثقافية والمعرفية، وبذلك فإن نظرية الوردي لا تفسر أو تشرح الشخصية العراقية التاريخية وتقتصر على شؤون الشخصية العراقية التي نشأت وتكونت في ظل التداخل الحداثي الطارئ وغير الناضج الذي رافق التأسيس الأول للدولة العراقية الحديثة.
وفي تفسير حديث تبنى شكله ومضمونه الدكتور عبد علي سفيح في التأثيرات المناخية لا سيما في ما يحمله النهرين خالدين دجلة والفرات من تأثيرات على المزاج الطبيعي والعام في الشخصية العراقية، وقد حاول التعميم في استنتاجاته على الشخصية العراقية التاريخية والعامة فالنهر العراقي في سقيه الأرض ونماء الزراعة فيه يكون مصدر خير ونعمة، ولكن في طوفانه وما تتسبب به من الفيضانات من هدم البيوت واكتساح المحاصيل واختفاء القرى وأحيانا سكانها يكون مصدر بؤس ونقمة مما يورث هذا التناقض أو تلك الثنائية غير المنسجمة في الشخصية العراقية ويخلق روح القلق وعدم الاستقرار ويصاحبها روح التحدي والمخاطرة، وهي عوامل تشكل التركيبة النفسية القارة في الشخصية العراقية وتسبب التناقضات في هذه الشخصية ولكنه لا يفسح مجالا للتأثير التاريخي والموروث الثقافي في تركيب الشخصية العراقية لا سيما في طبيعة التناقض فيها.
ويرى الدكتور عبد الجليل الطاهر أن الفرد العراقي مجموعة ولاءات بين الطائفية والدين والقبيلة والحزب والعائلة ويعزو الدكتور متعب مناف ازدواجية الشخصية العراقية الى المحيطين العربي الاسلامي وكل منهما له قيمه الخاصة.
وتكاد تجمع كل تلك الآراء على الطبيعة المتناقضة في الشخصية العراقية وفي غالبها فإنها تفسر الصراعات الداخلية في بنية تلك التناقضات بأنها صراعات قيمية وثقافية، ولاشك أن هيمنة العوامل القيمية في توجيه هذه الصراعات في الداخل العراقي ظاهرة تكشف عنها التوصيفات والتلقيبات الإزدرائية السائدة والمتبادلة بين الفئات والعناصر الاجتماعية في المجتمع العراقي.
وقد نجد أسباب تلك التناقضات ومسؤوليتها عن الصراعات الاجتماعية في مسارات تطورات وتكوين المجتمع العراقي وهي أسباب ومسارات تاريخية بشكل ومضمون أساسي، وأما إحالتها الى عوامل الثقافة كما يذهب د. الوردي أو الى عامل الجغرافيا كما يذهب د. سفيح أو عامل الإنتماء كما يذهب د. الطاهر ود. متعب فإنها تحيل الى نوع من الحتمية وأحيانا المفرطة.
فالصراعات في المجتمع العراقي ترتبط حصرا بالبعد الاجتماعي الناشئ في حياة العراقيين، في ظل تشكل طارئ ومتأخر للمجتمع العراقي الحديث، وهنا بعيدا عن المجازات الثقافية والعاطفية العراقية التي تحرص على استغراق الامتداد في تاريخ العراق القديم فضلا عن الوسيط والذي نشأت فيه تاريخيا مجتمعات عراقية غير متسلسلة وغير متواصلة لا سيما في الجوانب التكوينية والبنى التركيبية.
فالمجتمعات التي تكونت في العراق ظلت عبر التاريخ مجتمعات آنية غير دائمة تفني تكويناتها الحروب والغزوات المستمرة وغير المنقطعة في تاريخ العراق، وكذلك الأوبئة والجائحات ونقم النهرين الكبيرين في لحظات غضبهما المدمرة مما يؤدي الى توقف مفاجئ في مسارات التكوين في المجتمع العراقي، ليعيد دورة التشكيل من جديد وكل دورة تحمل معها عناصر تناقضاتها على مستوى أولا التكوين الطارئ وثانيا على مستوى التركيب الأعراقي والثقافي غير المنسجم وهي تشكل بؤرة التناقض في الشخصية العراقية.