نقاش الساعة

مصطفى ملا هذال

2026-04-19 05:05

نسعى في هذا المقال لمناقشة ما يدور نقاشه في الأوساط الاجتماعية خلال الأيام الحالية، فما لبث المواطنين مغادرة الحديث عن ازمة الغاز والبنزين، تجدد الحديث عن قرار المرور العامة القاضي بإجراء "الهزة" قبل ان يتم الغاءها، وهو اجراء جديد ادخلته وزارة الداخلية لفحص العجلات قبل تسجيلها، وجعلها اجراء سنوي اجباري على المواطنين الذين لا يزالون يعانون من نقص الخدمات الأساسية.

أحاديث الناس عن شح الغاز والبنزين وأخيرا القرارات المرورية، وكأن العراقيين كُتب عليهم الحديث عن الازمات ولا يحق لهم الحديث بغيرها من القضايا، حتى أصبحت هذه الأحاديث أشبه بـنقاشات يومية إلزامية لا يمكن الفكاك منها، تتكرر في المقاهي ووسائل النقل، ومواقع التواصل الاجتماعي، تطرح نفس الأسئلة: متى تنتهي الأزمة؟ من المسؤول؟ وهل هناك حل قريب؟

أحد أبرز أسباب هذه النقاشات المستمرة هو الطابع الدوري للأزمات، فبدل أن تكون حالات طارئة تُحل بشكل جذري، تعود نفس المشكلات في كل موسم تقريبا، خصوصا في الشتاء مع الغاز، أو في فترات الأزمات الاقتصادية مع الوقود، وهذا التكرار يخلق شعورا عاما بعدم الاستقرار، ويفقد المواطن ثقته بقدرة الجهات المعنية على تقديم حلول دائمة.

إلى جانب ذلك يلعب ضعف التخطيط الاستراتيجي دورا محوريا في تغذية هذه الأزمات، فغياب رؤية بعيدة المدى لإدارة الموارد، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع أو التخزين، يجعل أي خلل بسيط يتحول إلى أزمة عامة، كما أن الاعتماد الكبير على الاستيراد، أو على مصادر غير مستقرة، يفاقم المشكلة ويجعلها رهينة للظروف الإقليمية والدولية.

لكن ما هو أخطر من الأزمة نفسها، هو أثرها النفسي والاجتماعي، إذ تخلق هذه النقاشات حالة من الاستنزاف الذهني، حيث ينشغل الناس بنفس القضايا بشكل متكرر، على حساب قضايا أخرى لا تقل أهمية مثل التعليم، الصحة، أو التنمية، وهنا يتحول النقاش من كونه وسيلة للوعي والمطالبة بالحقوق، إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج الإحباط.

كما أن هذه الحالة تسهم في تشكيل وعي جمعي محدود الأفق، يركز على الأزمات الآنية دون النظر إلى جذورها أو التفكير بحلول بعيدة المدى، فبدل أن يكون النقاش مدخلا للإصلاح، اصبح مجرد تفريغ للغضب أو تبادل للاتهامات دون نتائج ملموسة.

على المدى البعيد قد تؤدي هذه الظاهرة إلى انهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات، فحين يشعر الفرد أن الأزمات تتكرر دون معالجة حقيقية، يبدأ بفقدان الإيمان بجدوى المشاركة أو المطالبة، ما قد يؤدي إلى حالة من اللامبالاة أو الانسحاب من الشأن العام، وهذا بدوره يضعف من قدرة المجتمع على الضغط باتجاه التغيير.

في المقابل فأن لهذه النقاشات المتوالية جوانب مشرقة، فهي تحمل جانبا إيجابيا، إذ تعكس وعيا متزايدا لدى المواطنين بحقوقهم، ورفضهم للواقع القائم، لكن هذا الوعي يحتاج إلى توجيه، ليتحول من مجرد حديث يومي إلى فعل جماعي منظم، يطالب بحلول مستدامة ويشارك في صياغتها.

الخروج من دائرة النقاش يتطلب أولا الاعتراف بأن المشاكل وليدة الأزمات المتتالية وكذلك طريقة إدارتها، لذا يتطلب بناء سياسات واضحة تعتمد على الشفافية، والتخطيط طويل الأمد، وإشراك المواطن في فهم التحديات والحلول، فبدون ذلك ستبقى الأحاديث تدور في نفس الحلقة، وسيبقى المواطن حبيسا لنقاشات لا تنتهي.

ذات صلة

بناء الشخصية الشبابية بين معرفة الحقِّ واستثمار المعرفةالإبلاغ والوظيفة الإبلاغية في القرآن الكريم وفق لسانيات النصقراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيلقنابل بيولوجية في المسيب.. دراسة المعموري تكشف تزييف سجلات النفايات الطبيةالهدنة والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران