القضاء بين الحق والعدل في ضوء القرآن الكريم

القاضي سالم روضان الموسوي

2026-04-12 04:23

القضاء في القرآن الكريم ليس مجرد نظام بشري، بل هو جزء من المنظومة الإلهية التي تنظم حياة الناس. وقد ورد في القرآن الكريم استعمال عبارتين مختلفتين في باب الحكم بين الخصوم (الحكم بالحق والحكم بالعدل) وعند التدقيق في النصوص نجد أن لكل منهما دلالة خاصة، تعكس طبيعة المخاطَب ومصدر الحكم.

أولًا: الحكم بالحق: قال تعالى: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) (غافر: 20). هذا الحكم هو الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقض، لأنه صادر عن علم الله الكامل الذي لا يخفى عليه شيء، وقال تعالى مخاطبًا داوود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (ص: 26). فالنبي المؤيد بالوحي يحكم بالحق، لأن حكمه يستند إلى علم الله، فلا مجال فيه للخطأ أو التبديل، وبذلك فان الحكم بالحق هو المطابقة التامة للواقع والشرع، وهو معيار إلهي مطلق لا يتغير بتغير الظروف أو الأهواء.

ثانيًا: الحكم بالعدل: قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58). هنا الخطاب موجّه لعامة الناس والقضاة، أي أن المطلوب منهم هو بذل الوسع في الإنصاف، لا الوصول إلى الحقيقة المطلقة التي لا يعلمها إلا الله، والحكم بالعدل يعني أن القاضي يحكم بما يُعرض أمامه من أدلة وشهادات، وقد يكون حكمه عادلاً من حيث الإجراءات، لكنه لا يضمن أن يكون مطابقًا للحق المطلق، لأنه يحكم بالظاهر، بينما الباطن عند الله، ولهذا جعل الشرع أحكام القضاة قابلة للنقض والاستئناف إذا ظهر خطأ أو بينة جديدة. وسابقا قال الفقهاء (ان القاضي يحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر).

ثالثًا: الفرق بين الحق والعدل: ان الحق هو الحقيقة النهائية غير القابلة للنقض، لأنه صادر عن علم الله أو عن وحيه لأنبيائه، بينما العدل، هو الإنصاف البشري الممكن، وهو قابل للنقض والمراجعة لأنه مبني على ظاهر الأدلة لا على العلم المطلق، لذلك استُعمل لفظ الحق عند نسبة الحكم إلى الله أو إلى نبي مؤيد بالوحي، بينما استُعمل لفظ العدل عند خطاب عامة الناس، لأنه يطلب منهم الإنصاف بحسب طاقتهم، لا الحقيقة المطلقة التي لا يحيطون بها.

رابعًا: التسليم المطلق لحكم الله: قال تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65). هذه الآية تؤكد أن الإيمان الحق لا يكتمل إلا بالتحاكم إلى حكم الله ورسوله، والتسليم المطلق بما قضى به، دون اعتراض أو ضيق.

الخلاصة: يتضح أن القرآن الكريم فرّق بين الحكم بالحق والحكم بالعدل، لان الحكم بالحق هو الحقيقة المطلقة عند الله والأنبياء المؤيدين بالوحي، بينما الحكم بالعدل هو الإنصاف البشري الممكن عند القضاة والناس، وهو أقصى ما يمكنهم الوصول إليه، لكنه لا يساوي الحق المطلق، وبهذا يظهر أن القضاء في الإسلام يقوم على الجمع بين الحق الإلهي المطلق والعدل الإنساني الممكن، ليكتمل نظام الحكم بين الخصوم في ضوء القرآن الكريم.

* قاضٍ متقاعد

ذات صلة

ماذا لو طبَّقنا أخلاق الإمام الصَّادق (ع) في حياتنا؟جيل زد في العراق: قوة ناشئة في ظل أزمات إدارية واقتصاديةباكستان من دولة منبوذة الى واجهة المشهد الإقليميالصبر مفتاح النجاة: قراءة أخلاقية روائية وتحليل نفسي في بناء الشخصية المؤمنةفانس وقاليباف وجها لوجه.. طموح رئاسي وتشدد برغماتي