الدور الانساني للعراق وسط نيران الحرب

محمد علي جواد تقي

2026-04-04 04:52

الى جانب المشهد السياسي والعسكري، يتجلى المشهد الانساني كفاعل متميّز هذه الايام وسط نيران الحرب الدائرة بين المحور "الصهيوأميركي"، وايران المستفيدة من حملات الدعم الإغاثة المرسلة من العراق للشعب الايراني المتضرر من عمليات القصف الجوي. 

المبادرة انطلقت بداية من مشاعر دينية وأخلاقية للتضامن مع الشعب الايراني المسلم، متمثلة بنداء المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، الى جانب مرجعيات دينية اخرى، دعوا الى حملة تضامن وإغاثة، وقد وصلت طلائع هذه الحملة الى العاصمة طهران ومدن ايرانية في ظل موقف لا مبالاة من الحكومة و الدولة العراقية بشكل عام إزاء هذا الموضوع، ربما لانشغالها بالملف الأمني والسياسي المتأرجح بين الاهداف الايرانية داخل العراق وخارجه، والاهداف الاميركية التي تستهدف القوات العراقية بين فترة وأخرى يسقط من جرائها العديد من الشهداء والجرحى، وهي لاشك تمثل ضريبة التوازن في العلاقة المعقدة مع كلٍ من ايران والولايات المتحدة.

فاذا يتعذر الموقف العسكري والسياسي إزاء الصراع القائم، بإمكان العراق استثمار الجانب الانساني وتفعيل الدوافع الاخلاقية والدينية للمشاركة السلمية فيما يمكن تسميته؛ ب"ما بعد غبار المعركة"، وخلال متابعتي لأخبار قوافل الاغاثة من العراق الى ايران، لاحظت غياب العلم العراقي عن بعض الشاحنات، وهي ربما سقطة فنية ليس إلا، لأن الحضور العراقي بصفة البلد والوطن تحت راية الدعم الإنساني للمتضررين يعد محاولة لبلورة دور مستقبلي في المنطقة. 

ولمن يتحدث عن تباين الرؤى والقناعات بشأن المشاركة في إغاثة الشعب الايراني، نؤكد أن "الرسالة الوطنية" في هذا المضمار، قبل أن تصل الى المحتاجين للمأوى والطعام والدواء، تنعكس سريعاً على النسيج الاجتماعي العراقي موفرة ً له موقفاً متميزاً أمام الدول المتصارعة على النفوذ في المنطقة، وايضاً؛ خطاباً موحد –ولو بشكل نسبي- سمته الأساس السلم والدعم الانساني، و رسالة للعالم وللجوار بأن ليس من شأنه الانزلاق الى دوامة الصراع الدامي في المنطقة.

هذا الموقف والخطاب ربما يكون فرصة جديدة للتماسك الوطني والاجتماعي، وإذكاء مشاعر المسؤولية الجماعية بالمصير الواحد بعد أن جرب العراقيون تعدد المصائر على أمل تحقيق مصالح مناطقية وفق انتماءات معينة، وكانت النتائج كارثية لم يجنِ منها اصحابها سوى الخذلان كما حصل لتجارب الأخوة الكُرد في الشمال مع الاميركان، ولتجربة الطغيان عند الأخوة السُنة مع تنظيم داعش.  

في الوقت الراهن لا نعيش اللحظة فقط بقدر ما نعيش المستقبل القادم بملامحه الجديدة لخارطة المنطقة على الاصعدة كافة، فالاحداث الجارية تفرز يومياً مآلات مثل حبّات الرمل لتشكل هياكل الكيانات الجديدة في المنطقة بوجه جديد غير ما كان عليه قبل اندلاع الحرب، أبرزها؛ انتهاء ايران من بلورة الموقف من مضيق هرمز وتأميمه بشكل غير معلن وتغيير وضع كان معهوداً للعالم طيلة القرن الماضي، و"الحبل على الجرار"، حسب المثل العراقي، مما يضعنا أمام استحقاق مؤكد بأن نحدد موقعنا من الإعراب وسط هذه المتغيرات السريعة. 

إن الشيعة نجحوا في تقديم صور رائعة لموقف شجاع وبطولي إزاء التدخلات الخارجية، الصورة الأولى: كانت في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني عام 1920، والصورة الثانية: في تصدّيهم للاجتياح الارهابي –الداعشي- عام 2014 لحوالي ثلث الاراضي العراقية، وتمكنهم من إلحاق الهزيمة بالعناصر الارهابية، وتحرير المدن "السنية"، وإعادة الأمن والاستقرار اليها، وهذا يعود الى جذور دينية وأخلاقية وحضارية خلقت الدافع الأكبر لأن يضحي خيرة الشباب الشيعي بأرواحهم ويتركوا خلفهم أرامل وأيتام من أجل عراق واحد متماسك قويّ. 

هذا الدافع والحماس ينبغي ان يتعمم كخطوة أولى، ثم يتوجه الى للرفد الانساني في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ المنطقة، ليوفر على العراق الأمن والاستقرار والسلام، كما يبعث رسائل الخير والتضامن مع شعوب المنطقة جميعاً.

ذات صلة

هل نبحث عن الحقيقة فعلاً؟الدين العام العراقي.. أداة تمويل أم عبء مؤجل على الأجيال القادمة؟الإلتزام بالدستور مسؤوليةأمنٌ يتشكل تحت النارانتقادات حضارية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر للفلسفة الغربية