سلطة هجينة

مازن صاحب

2026-03-29 05:13

ربما يُعد مقال الدكتور فائق زيدان الأخير نموذجاً صارخاً في توصيف السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بوصفها (هجينة)، ما بين النص الدستوري وإنفاذ القانون!! كيف ولماذا؟ حينما يكتب الدكتور زيدان، مذيلاً المقال بصفته رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، ليوضح صلاحيات إعلان الحرب والسلام.. لا تكمن الإشكالية في التوضيح بحد ذاته، بل في السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك القدرة على إنفاذ هذا التوضيح؟

لا أعرف لماذا تذكرت مضمون قول الله في القرآن الكريم عن حمل الأسفار في سورة الجمعة، والوصيف الذي ورد فيها... المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في تعطيلها وتحويلها إلى عبء شكلي لا ينعكس في الواقع. لذلك قيل دائماً إن توضيح الواضحات من أصعب الأمور، لأن الموقف المطلوب ليس في نصوص تُكتب، بل في أفعال تُنفَّذ. غير أن هذا الإنفاذ ما زال غائباً في صخب تضارب المصالح وتناقض الأجندات، التي لم تعترف ببوصلة عراق واحد، وطن للجميع، كما هي في مضمون وروح الدستور والقوانين النافذة.

فيما تتوالى وقائع وأحداث طيلة سنوات مضت، تتجسد اليوم بأبسط مظاهرها في تلك المسيرات التي تُنظَّم من قِبل الفصائل الحزبية المسلحة، وتحت حماية الأجهزة الأمنية الرسمية في شوارع بغداد، أو تلك المقرات المعروفة لذات الجهات، والتي باتت اليوم أهدافاً للطائرات الأمريكية. في المقابل، تصرح هذه الفصائل علناً بأن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون من دون بصمة واضحة لها. وهذا لا يعكس مجرد طموح سياسي، بل حقيقة بنيوية مفادها أن القرار لم يعد حكراً على المؤسسات الدستورية، بل بات رهيناً بميزان القوة على الأرض. فالنص الدستوري شيء، ومن يمسك السلاح شيء آخر.

تطرح هذه المفارقة تساؤلات كبيرة، لعلها من كبائر الإثم في العمل السياسي: لماذا تحوّل النص الدستوري إلى إطار نظري، فيما يُصاغ القرار الفعلي خارج حدوده؟ كما سبق أن تعامل الكل مع الاحتلال الأمريكي والرضا بمرور ريع النفط تحت حماية الفيدرالي الأمريكي.. بما جعل التناقض صارخاً بشعاً.. في صخب فوضى الشعارات بما جعل السفير زلماي خليل زاده يذكر في تغريداته بـ (تحرير العراق) كل برلماني (يهتف ضد أمريكا).

لا يخرج تفسير هذا الصمت عن كونه جزءاً من بنية السلطة الهجينة ذاتها.. نظام يقوم على مفاسد المحاصصة، ويعيد إنتاج ذاته عبر تدوير ذات القوى على كرسي السلطة في كل دورة برلمانية، من دون بناء (دولة مؤسسات) قادرة على فرض القانون في مسار امتد من القبول بواقع الاحتلال ما بعد 2003، إلى إدارة ملفات كبرى كعقود النفط، ضمن توازنات سياسية لا تُبنى على أساس المصلحة الوطنية الحقة. لعل السؤال الأكثر واقعية: كيف يمكن لدولة بهذا التوصيف أن تدير أزمة كبرى أو حرباً معقدة؟ من يقرر؟ ومن ينفّذ؟ وأي مركز سلطة يمكن أن يُحسم لصالح القرار في ظل هذا التداخل بين سلطات هجينة كل منها يدعي الوصل بالدولة ودستورها.

كل ذلك يقود إلى نتيجة واضحة: نحن أمام (سلطة هجينة) تتعايش فيها؛ مشروعية الدستور وشرعية السلاح... سلطة لها أذرع أخطبوط، تمتد بين داخل النظام وخارجه، تتكيّف مع الظرف، وتغيّر موقعها وفق ميزان المصالح، لا وفق ثوابت الدولة. يُضاف إلى ذلك نمط صارخ من التناقض في السلوك السياسي؛ فبينما يُرفع شعار مواجهة أمريكا وإسرائيل، تُدار في الوقت ذاته علاقات واتفاقات استراتيجية معها، لاسيما في النفط. هذا تناقض لا يعكس براغماتية بقدر ما يكشف غياب تعريف واضح للعدو والصديق ولا تتحكم في جوهره المصالح العراقية البحتة، بل ما يُقرَّر خارج العراق. ومع استمرار هذا المسار، فإن خطر الانزلاق نحو تفكك وظيفي حتى للسلطة الهجينة لم يعد احتمالاً نظرياً، بل مساراً تدريجياً يمكن ملاحظته في التحول إلى دور التوسط بين الفصائل والقوات الأمريكية!!!

لذلك لن يغير مجرد مقال لإعادة شرح الدستور هذا الواقع، كما أن توصيف الخلل لم يعد كافياً. فالمسألة تتعلق بغياب عقد دستوري لمواطنة فاعلة يعيد توحيد مصادر القوة داخل إطار الدولة، ويضع حداً لازدواجية الشرعية التي تُنتج هذا الاضطراب المستمر. في المحصلة، لا تكمن الأزمة في غياب النص، بل في غياب القرار. وبين دستور واضح وسلاح منفلت، تستمر هذه السلطة الهجينة في إنتاج ذاتها؛ حيث تتعدد الفصائل ما بين منضبط ومنفلت وتضيع المسؤوليات، ويُعلَّق مصير السلطة بين من يكتب النص ومن يفرض الواقع... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون.

ذات صلة

سيولة السيادة في العراق.. جدلية الدولة الهشة والدولة الوطنيةمآلات الصراع الصهيوني–الأمريكي مع إيرانالذكاء الاصطناعي وتغيير الوعيأهداف طهران السهلةالتغافل الذكي: مهارة العبور نحو الرفاهية النفسية