هيبة الدولة تبدأ من حماية رغيف المواطن.. خارطة الطريق لكسر غول الغلاء
احمد عبدزيد الجبوري
2026-03-25 03:54
في المنظور التقليدي للأزمات، تنصرف الأذهان فوراً إلى الجبهات العسكرية وخطوط التماس، لكن التاريخ يثبت أن الجبهات الداخلية هي التي تحسم مصير الحروب الطويلة، فلا تُقاس مناعة الدول اليوم بترسانتها العسكرية أو مخزونها من الذخيرة فحسب، بل بقدرتها العضوية على حماية مواطنها من السقوط في براثن الجوع والاحتياج، إن تأمين (لقمة العيش) لأصغر فرد في المجتمع ليس مجرد دور خدمي للدولة، بل هو الركن الأساسي في مفهوم الأمن القومي الشامل.
ما نشهده في أوقات الاضطرابات من محاولات محمومة لاستغلال الظروف الدولية وتذبذب سلاسل الإمداد لرفع أسعار السلع الأساسية، لا يمكن تصنيفه تحت بند (قانون العرض والطلب) أو (الذكاء التجاري)، بل هو في جوهره عدوان اقتصادي وخيانة للأمانة الوطنية، إن التلاعب بقوت الناس في هذه الظروف يستوجب رداً سيادياً حازماً لا يعرف المهادنة، لأن استقرار سعر الرغيف والزيت هو الضامن الفعلي لصمود الشعب في وقت الأزمات.
ولترجمة هذا الرد السيادي إلى واقع ملموس يحمي الجبهة الداخلية، تبرز أربعة محاور استراتيجية لا تقبل التأجيل:
أولاً: تثبيت الأسعار وضمان التدفق
عندما تندلع الحروب، يتوقف السوق عن كونه مكاناً للمنافسة الحرة ويتحول إلى (مرفق عام) يجب إدارته بحذر شديد، فالسلع الأساسية كـ(القمح، الأرز، السكر، الزيت، الألبان، البقوليات، والدواجن) ليست سلعاً ترفيهية يمكن للمواطن الاستغناء عنها أو استبدالها، بل هي مكونات بيولوجية للبقاء. ولتحقيق هذا الاستقرار، يرتكز هذا المحور على ركيزتين أساسيتين:
1. كسر نظرية العرض والطلب الاستغلالية:
في الظروف الطبيعية، نترك للسوق حرية التوازن، لكن في زمن الحرب، تصبح هذه النظرية سلاحاً في يد المحتكر، فالتثبيت الجبري للأسعار هنا ليس اعتداءً على حرية التجارة، بل هو حماية لحق الحياة، وعلى أصحاب القرار تفعيل قوانين الطوارئ الاقتصادية التي تمنح الدولة الحق في تحديد هوامش الربح، بل وتحديد الأسعار النهائية للمستهلك بناءً على التكلفة الحقيقية مضافاً إليها ربح عادل لا يتغول على جيوب الفقراء.
2. ضمان تدفق السلع ومنع (التعطيش):
تثبيت الأسعار يجب أن يرافقه ضمان لتدفق السلع، فالمحتكر عادة ما يلجأ لسياسة (التعطيش) عبر تخزين البضائع بانتظار قفزات سعرية جديدة، وهنا يأتي دور الدولة في إدارة المخزون الاستراتيجي، حيث يُجبر المستوردون والمصنعون على طرح كميات محددة دورياً في الأسواق تحت طائلة المصادرة.
ثانياً: المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للقطاع الخاص
إن التجارة في جوهرها ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل هي عقد اجتماعي وثيق بين التاجر والمجتمع؛ فبعد سنوات من الرخاء والاستفادة من استقرار الدولة وقوتها الشرائية لتحقيق ثروات طائلة، حان الوقت ليثبت القطاع الخاص استحقاقه لهذه البيئة من خلال مسارين لا يقلان أهمية عن الجهد العسكري:
1. ضريبة الانتماء وترجمة الولاء لواقع ملموس:
لا يُطلب من التاجر اليوم تقديم تبرعات رمزية، بل يُطلب منه (موقف وطني) شجاع يتمثل في امتصاص جزء من عبء التكلفة بدلاً من إلقائه بالكامل على كاهل المواطن، فإن رد الجميل للوطن في وقت الشدة يتجسد في القبول بهوامش ربح أخلاقية تضمن بقاء السلعة في متناول الجميع، واعتبار هذا التنازل المالي استثماراً طويل الأمد في استقرار المجتمع الذي هو الضامن الوحيد لاستمرار النشاط التجاري مستقبلاً.
2. صون الأمانة الوطنية ونبذ الاستغلال:
إن أي محاولة لاستغلال ندرة السلع أو اضطراب الأسواق لتحقيق أرباح فاحشة، تسقط عن التاجر الشرعية الأخلاقية قبل أن تطاله المساءلة القانونية، فالتاجر الذي يرى في الأزمات فرصة للاغتناء السريع على حساب (أوجاع الناس)، يخرج نفسه من دائرة النسيج الوطني ويحول نشاطه من تجارة مشروعة إلى عدوان اقتصادي صريح، مما يجعله شريكاً في إضعاف الجبهة الداخلية بدلاً من تعزيز صمودها.
ثالثاً: تفعيل القبضة الرقابية.. استراتيجية (الميدان المفتوح)
إن القوانين، مهما بلغت قوتها، تظل مجرد حبر على ورق ما لم تدعمها (قبضة حديدية) في الميدان، فالرقابة في زمن الحرب لا يجب أن تكون روتينية، بل يجب أن تتخذ صبغة أمنية وعسكرية أحياناً من خلال:
1. الرقابة الميدانية واليقظة المستمرة:
يجب تشكيل (غرف عمليات مشتركة) تضم ممثلين عن وزارة التجارة، والداخلية، والأجهزة الاستخباراتية المعنية بالأمن الاقتصادي.
أ. النزول الميداني: يجب أن تنتشر فرق التفتيش في الأسواق الشعبية والمولات الكبرى والمستودعات في القرى والمدن على مدار الساعة.
ب. الرقابة الرقمية: تفعيل أنظمة تتبع البضائع من الميناء وحتى وصولها للمستهلك النهائي لضمان عدم تسربها للسوق السوداء.
2. العقوبات الرادعة (قانون الجريمة الاقتصادية):
العقوبات التقليدية مثل (الإنذار) أو (الغرامات البسيطة) لا تردع محتكراً يجني الملايين من التلاعب، نحن بحاجة إلى:
أ. الغرامات التصاعدية: غرامة تعادل عشرة أضعاف قيمة البضاعة المحتكرة.
ب. الإغلاق والمصادرة: إغلاق المنشأة فوراً ومصادرة محتوياتها لتباع في المنافذ الحكومية بالسعر الرسمي.
ج. التشهير القانوني: نشر أسماء وصور التجار المخالفين في وسائل الإعلام الرسمية، لأن (السمعة) هي الركن الذي يرتكز عليه التاجر، وهدمها هو أقسى عقاب له.
3. سياسة (صفر تسامح):
يجب أن يتم تصنيف التلاعب بالأسعار كجريمة تمس السلم المجتمعي والأمن القومي، في هذه الحالة، لا مجال للوساطات أو التفاهمات الجانبية، فالقانون يجب أن يطبق بصرامة ومساواة على حيتان السوق قبل صغار التجار، إن هيبة الدولة تُستمد من قدرتها على حماية الضعيف من جشع القوي.
رابعاً: آليات عملية لدعم صمود المواطن
إلى جانب الرقابة، يجب على الدولة والمجتمع المدني ابتكار آليات تخفف العبء عن كاهل المواطن:
1. المنافذ الحكومية البديلة: توسيع شبكة المجمعات الاستهلاكية والمنافذ المتنقلة التي تبيع السلع بسعر التكلفة لكسر احتكار القطاع الخاص.
2. الرقابة الشعبية: تفعيل تطبيقات هواتف ذكية وخطوط ساخنة تتيح لكل مواطن أن يكون (مراقباً)، بحيث يتم الإبلاغ عن أي مخالفة وتتحرك السلطات فوراً للتحقق.
3. دعم الإنتاج المحلي: تشجيع المزارعين والمنتجين المحليين (خاصة في الدواجن والبقوليات) عبر توفير الأعلاف والمدخلات بأسعار مدعومة لضمان استمرارية الإنتاج بعيداً عن تقلبات الدولار والاستيراد.
إن حماية المواطن من غول الغلاء في زمن الحروب هي الاختبار الحقيقي لكفاءة الإدارة الحكومية وصدق انتماء النخبة الاقتصادية، إننا اليوم في خندق واحد؛ التاجر الذي يضحي بجزء من ربحه، والموظف الذي يراقب بضمير، والمواطن الذي يثق في إجراءات دولته، جميعهم يشكلون حائط الصد المنيع ضد أي محاولة لزعزعة استقرار الوطن.
إننا ندعو أصحاب القرار لضرب يد من حديد على كل من يحاول التكسب من أوجاع الناس، فليس من المقبول أن يدافع الجندي بروحه على الحدود، بينما يطعن المحتكر الوطن في ظهره من خلال تجويع أبنائه، الشعب الذي يثق بأن لقمة عيشه مصونة، هو شعب صامد، صابر، ومستعد للتضحية بكل شيء من أجل وطنه. تكاتفوا، راقبوا، وحاسبوا، لنعبر هذه المرحلة العصيبة بكرامة وكبرياء.