العدوان الصهيوني-الأمريكي على إيران.. الدوافع والتداعيات
د. عمار أحمد إسماعيل المكوطر
2026-03-14 04:42
مقدمة
يشهد النظام الدولي في العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة الصراعات الدولية، إذ لم تعد الحروب مجرد صدامات عسكرية تقليدية، إنما أصبحت أدوات مركبة تستخدم لتحقيق أهداف إستراتيجية، اقتصادية وجيوسياسية بعيدة المدى.
وفي هذا السياق يبرز التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفه أحد أبرز مظاهر الصراع في منطقة الشرق الأوسط وأخطرها، ويثير هذا التصعيد تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية للعدوان الصهيوني-الأمريكي على إيران، وما إذا كان الهدف منه مجرد احتواء النفوذ الإيراني أم أنه جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي؟
إن تحليل هذا الصراع يكشف أنه لا يتعلق بإيران بوصفها دولة بعينها فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل توجيه رسائل سياسية وعسكرية إلى بقية دول العالم، ولا سيما دول العالم الثالث، وذلك بهدف تكريس نمط من الهيمنة الدولية قائم على استعراض القوة وإرهاب الخصوم وإخضاعهم لمنطق القوة المتغطرسة.
أولاً- استعراض القوة وترسيخ الهيمنة الدولية: يعد أحد أهم دوافع العدوان الصهيوني-الأمريكي، هو استعراض القوة العسكرية والتكنولوجية على المسرح الدولي. فالحروب الحديثة كثيراً ما تُستخدم كمنصات لتجريب الأسلحة المتطورة وتقييم فعاليتها في ظروف ميدانية حقيقية، وهو ما يسمح للدول الكبرى بتطوير صناعاتها العسكرية وتعزيز تفوقها الإستراتيجي.
وتأصيلاً عليه، تشكل إيران ساحة اختبار مهمة لهذه الإستراتيجيات، وذلك لما تمتلكه من قدرات عسكرية وبشرية وتعقيدات جغرافية، فضلاً عن نظام سياسي ذي طابع عقائدي مؤسسي يرفض الهيمنة الغربية، ومن خلال استهداف دولة بهذا الحجم، تسعى القوى الكبرى إلى إرسال رسالة واضحة مفادها، أن أية دولة تحاول تحدي الإرادة الغربية ستواجه مصيراً مشابهاً.
إن هذه الرسالة موجهة بشكل خاص إلى دول العالم الثالث، وبخاصة منها الدول العربية مضمونها، أن ميزان القوة في النظام الدولي لا يزال يخضع لمنطق الهيمنة الغربية، وأن مخالفة هذا النظام يترتب عليها أثمان باهظة.
ثانياً- إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط: يمثل الشرق الأوسط أحد أهم الأقاليم الجيوسياسية في العالم، ذلك لما يمتلكه من موارد طاقة هائلة وموقع جغرافي إستراتيجي يربط بين قارات العالم القديم الثلاث (آسيا، أوروبا، أفريقيا)، وعناصر نادرة تستخدم في الصناعات التقنية الحديثة وثروات هائلة مخبؤه تحت ترابه. وعليه فإن أي صراع في هذه المنطقة يتجاوز حدوده المحلية ليؤثر في التوازنات الدولية.
في هذا الإطار، يُنظر إلى إيران بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع الإستراتيجي الذي تسعى كل من الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي إلى ترسيخه في المنطقة، فإيران تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات الإقليمية، فضلاً عن قدرات عسكرية متنامية، هو ما يجعلها عنصراً مؤثراً في معادلات القوة الإقليمية.
ومن ثم فإن إضعاف إيران أو تغيير نظامها السياسي قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط بما يتلاءم مع المصالح الغربية، ويتيح تمرير مشاريع سياسية واقتصادية كبرى في المنطقة، من بينها ما يُعرف بالمشاريع الإقليمية لإعادة ترتيب العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول المنطقة، وجعل الكيان الإسرائيلي القوة المهيمنة الوحيدة فيه.
ثالثاً-توجيه رسائل ردع إلى الدول العربية: لا يمكن فهم التصعيد ضد إيران بمعزل عن الرسائل غير المباشرة التي يحملها إلى بقية دول المنطقة. فاستهداف دولة كبيرة مثل إيران، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وجغرافية شاسعة، وعنصر بشري كثيف، يهدف إلى خلق حالة من الردع النفسي والسياسي لدى الدول الأخرى، إذ أنه حين ترى دول المنطقة حجم القوة العسكرية المستخدمة ضد إيران، فإن الرسالة الضمنية لها، تتمثل في أن أي دولة ترفض الانصياع والإذعان للسياسات الغربية، ستواجه ضغوطاً جدية مشابهة، وتهديدات وجودية حقيقية.
وهذا النمط من الردع لا يتكئ على القوة العسكرية حسب، إنما يعتمد أيضاً على التأثير النفسي والسياسي في صناع القرار في تلك الدول. وبذلك يتحول الصراع إلى أداة لإعادة ترتيب أولويات الأنظمة السياسية في المنطقة، ودفعها إلى تبني سياسات أكثر انسجاماً وانصياعاً للرؤية أو الإرادة الإستراتيجية للقوى الغربية.
رابعاً- البعد الاقتصادي والصراع مع القوى الصاعدة: لا تقتصر دوافع الصراع على البعد السياسي والعسكري فحسب، إنما تمتد كذلك لتطال البعد الاقتصادي العالمي، ولا سيما في ظل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة مثل الصين وروسيا. فالشرق الأوسط بما يمثله من مصدر رئيس للطاقة في العالم، والتحكم في تدفق النفط والغاز وأسعارهما يمنح الدول الكبرى أداة إستراتيجية للتأثير في الاقتصاد العالمي.
وعلى هذا الأساس، فإن أي اضطراب في المنطقة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصادات الصناعية الكبرى.
وفي ذات السياق، قد يسهم الضغط على إيران في إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية بطريقة تسمح بالتحكم في حجم الإمدادات وأسعارها، الأمر الذي يمكن استخدامه كأداة ضغط اقتصادية على الدول المنافسة، وبخاصة الصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من المنطقة.
خامساً- الأهداف الإستراتيجية لحلف شمال الأطلسي: يرتبط الصراع أيضا بالتوسع الإستراتيجي لحلف حلف شمال الأطلسي، الذي يسعى منذ نهاية الحرب الباردة إلى توسيع نطاق نفوذه العسكري خارج أوروبا، فوجود قواعد عسكرية متقدمة في مناطق قريبة من روسيا والصين يتيح للحلف تعزيز قدراته الردعية وفرض توازنات جديدة في النظام الدولي. ومن ثم فإن أي تغيير في التوازنات السياسية في إيران قد يفتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، بما يسمح بزيادة الوجود العسكري الغربي وتعزيز شبكة القواعد العسكرية المحيطة بروسيا والصين.
سادساً- التداعيات المحتملة للعدوان: فيما إذا استمرار التصعيد العسكري ضد إيران قد يؤدي إلى مجموعة من التداعيات الخطيرة على المستويين الإقليمي والدولي. فمن جهة، قد يؤدي إلى زيادة حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس سلباً على الأمن العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل التوريد والإمداد والإنتاج.
ومن جهة أخرى، قد يدفع هذا التصعيد القوى الدولية المنافسة إلى تعزيز تعاونها في مواجهة الهيمنة الغربية، الأمر الذي قد يسرّع من عملية التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. فضلا عن أن أية مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية وإنسانية كبيرة، ليس على صعيد المنطقة حسب، بل في الاقتصاد العالمي بأسره.
سابعاً- استشراف انتهاء العدوان الصهيوني-الأمريكي:
1. إن هذه الحرب لم تؤد إلى النتائج التي أعلن عنها ترامب، ومن بينها، إسقاط النظام السياسي الإيراني أو تغييره، أو استسلام إيران، وتدمير برنامجها النووي وقدرتها الصاروخية، والسيطرة على اليورانيوم الإيراني المخصب بدرجة 60% الذي يقدر بحوالي 480 كغم والذي يصلح لإنتاج حوالي عشر قنابل نووية تكتيكية، وتخلي إيران عن دعم حلفائها. إن هذا الفشل سوف يعرض ترامب إلى المسائلة عن سبب شن هذه الحرب ونتائجها غير المتوقعة بالنسبة للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وحلفاؤهما أو شركائهما.
2. الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن توافق على إيقاف الحرب، مالم تلحق بأعدائها أضراراً فادحة، كي لا يعاودوا بعد مدة ما، على شنها ثانية، وتحافظ على سيادتها واستقلالها وهيبتها، ولكيلا تكون بموقف ضعيف أمام شعبها، قد يعيد لها الاضطرابات والتظاهرات والاحتجاجات، مما يهدد أمن النظام، كما أنها تطالب بمسائلة ترامب عن سبب شنها للحرب وطلب التعويضات كاملة، وهذا يعني إدانة لترامب واعتراف أمريكي بالعدوان، مما يجعله بموضع حرج محلياً ودولياً.
3. جلاء القوات الأمريكية من المنطقة، بسبب تدمير كثير من قواعدها، فضلاً عن احتمالية اندلاع احتجاجات شعبية في دول الخليج عن جدوى تواجدها دون أن تحقق لهم أي قدر من الحماية، وبالتالي طلب رحيلها، مما يعني تقليص النفوذ والهيمنة الأمريكية في المنطقة.
4. نتنياهو وكيانه لن يسمحا لترامب بوقفها، فهما من دفعاه إليها، ولم يحققا أهدافهما منها، التي هي ذات الأهداف التي أعلن عنها ترامب، فضلاً عن أنهما يسعيان، بعد تدمير إيران إلى الهيمنة على الشرق الأوسط، وإن الفشل في تحقيق ذلك سوف يعرض نتنياهو الى المسائلة أيضاً.
5. طبيعة المرشد الجديد، الذي قتل والده وأمه وزوجته وابنه، وكثير من أقاربه وأصدقائه، فضلاً عن المئات حتى الآن من أفراد شعبه الصامد المقاوم، وتدمير الكثير من منشآت ومؤسسات في بلاده، ليس من المتوقع أن يقبل بإنهاء الحرب، دون الانتصاف لشهداء الجمهورية الإسلامية من المعتدين المتغطرسين.
6. ليس من السهل ترميم أو إعادة العلاقات مع دول الخليج الى طبيعتها بسبب ما حصل من تداعيات في هذا العدوان، وما قامت به إيران من ضرب القواعد والمصالح الأمريكية المتواجدة على أراضيها، ومالم تزال هذه القواعد الأجنبية من دول المنطقة.
خاتمة
تأصيلاً على ما تقدم، يتضح من خلال هذا التحليل، أن الصراع بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن تفسيره بوصفه نزاعاً إقليمياً محدوداً، بل هو جزء من صراع أوسع يتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي.
أن هذا الصراع يحمل في طياته أبعاداً سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع توازنات الشرق الأوسط. ومن ثم فإن فهم دوافعه الحقيقية يقتضي النظر إليه في إطار التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، إذ تسعى القوى المهيمنة إلى الحفاظ على تفوقها الإستراتيجي في مواجهة القوى الصاعدة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبقى مستقبل هذا الصراع مفتوحاً على مشاهد عديدة، لعل من أبرزها، أن يتراوح بين استمرار حالة الردع المتبادل، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم خريطة التوازنات الدولية في العقود المقبلة، ويبدو أن الاحتمال الثاني هو الأكثر ترجيحاً حتى الآن.