العراق بين السياسة والاقتصاد: لماذا نحتاج إلى رئيس وزراء خبير بالاقتصاد؟

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-03-07 04:12

يتابع العراقيون في كل دورة سياسية النقاش المتكرر حول الأسماء المطروحة لتولي رئاسة الحكومة، وغالباً ما يدور الجدل حول الانتماءات السياسية والتوازنات الحزبية والطائفية أكثر مما يدور حول الكفاءة العلمية والقدرة الحقيقية على معالجة مشكلات الدولة. ولذلك يشعر كثير من المواطنين بأن الأسماء المتنافسة أو المطروحة لا تشفي الغليل، لأنها لا تقدم رؤية علمية واضحة لحل مشكلات العراق الكبرى، وفي مقدمتها المشكلات الاقتصادية التي تشكل جوهر الأزمة العراقية منذ عقود.

إن المشكلة الأساسية في العراق اليوم ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي أزمة بنيوية عميقة في الاقتصاد والدولة والمجتمع. فالعراق يمتلك ثروات هائلة من النفط والموارد الطبيعية، لكنه في الوقت نفسه يعاني من اقتصاد ريعي هش يعتمد على مورد واحد، ويتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية. وهذا النوع من الاقتصادات يظل عرضة للاهتزاز المستمر ما لم يتم التحول إلى اقتصاد متنوع يعتمد الإنتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات المتقدمة.

لقد أثبتت التجربة العراقية بعد عام 2003 أن إدارة الدولة بعقلية سياسية تقليدية لا تكفي لمعالجة هذه التحديات. فالسياسي الذي يجيد إدارة التحالفات أو الصراعات السياسية اوالحزبية اوالمكوناتية قد لا يمتلك بالضرورة القدرة على إدارة اقتصاد معقد بحجم الاقتصاد العراقي، الذي يحتاج إلى سياسات مالية ونقدية دقيقة، وإلى برامج إصلاح اقتصادي طويلة المدى، وإلى فهم عميق لقضايا الاستثمار والتنمية والبطالة والديون العامة والقطاع الخاص.

إن الاقتصاد اليوم هو العمود الفقري لأي دولة حديثة. فالقوة السياسية والاستقرار الاجتماعي وحتى الأمن الوطني كلها تتغذى في النهاية من قدرة الاقتصاد على خلق الثروة وفرص العمل وتحقيق العدالة في توزيع الموارد. وإذا كان الاقتصاد ضعيفاً فإن الدولة كلها تصبح ضعيفة، مهما امتلكت من مؤسسات سياسية أو عسكرية.

من هنا تبدو الحاجة ملحة لأن يقود الحكومة العراقية في هذه المرحلة شخص يمتلك معرفة علمية عميقة بالاقتصاد، لا مجرد معرفة عامة أو خبرة إدارية محدودة. فالعراق يحتاج إلى قائد يفهم طبيعة الاقتصاد الريعي وكيفية التحول منه إلى اقتصاد إنتاجي، ويعرف كيف يعيد بناء الطبقة الوسطى، ويستطيع وضع استراتيجية وطنية لتنويع مصادر الدخل القومي، وتطوير الزراعة والصناعة، وجذب الاستثمارات، وإصلاح النظام المالي والإداري للدولة.

كما أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق ليست بسيطة أو تقليدية. فهناك بطالة واسعة بين الشباب، وضعف شديد في القطاع الخاص، وتضخم في الجهاز الحكومي، واعتماد شبه كامل على عائدات النفط، إضافة إلى مشاكل الفساد والهدر المالي وسوء الإدارة. وهذه المشكلات لا يمكن حلها بالشعارات السياسية أو بالحلول الترقيعية المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة مبنية على العلم والخبرة والتخطيط الطويل الأمد.

إن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها الحديثة غالباً ما وضعت الاقتصاد في قلب مشروعها الوطني. فالصين الحديثة نهضت عندما تبنت إصلاحات اقتصادية عميقة قادها خبراء في الاقتصاد والتنمية، وكذلك فعلت دول شرق آسيا التي تحولت خلال عقود قليلة من دول فقيرة إلى اقتصادات قوية بفضل التخطيط العلمي والسياسات الاقتصادية المدروسة.

والعراق ليس أقل قدرة من تلك الدول، لكنه يحتاج إلى قيادة تفكر بعقل اقتصادي استراتيجي، لا بعقل سياسي يومي قصير المدى. فإدارة الاقتصاد الوطني ليست مجرد إدارة للموازنة السنوية، بل هي عملية تاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس إنتاجية حديثة.

إن الدعوة إلى أن يقود الحكومة العراقية عالم في الاقتصاد ليست دعوة تقنية ضيقة، بل هي دعوة لإعادة ترتيب أولويات الدولة العراقية نفسها. فبدلاً من أن تكون السياسة هي التي تقود الاقتصاد، ينبغي أن يصبح الاقتصاد هو البوصلة التي توجه السياسات العامة للدولة.

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً لعقود طويلة من سوء الإدارة الاقتصادية، وحان الوقت لأن تتقدم الكفاءة العلمية على الحسابات السياسية الضيقة. فالسفينة العراقية اليوم مثقلة بالمشكلات والتحديات، ولا يمكن إنقاذها إلا بقيادة تمتلك العلم والخبرة والرؤية الاستراتيجية.

ولذلك فإن الأمل يبقى معقوداً على أن تفرز الحياة السياسية العراقية في لحظة ما شخصية اقتصادية قادرة على قيادة سفينة العراق المعطوبة نحو شاطئ الاستقرار والتنمية. لأن العراق، بثرواته البشرية والطبيعية، يستحق اقتصاداً قوياً يليق بتاريخه ومكانته ومستقبل أجياله.

ذات صلة

الدعاء وشهر رمضان.. لغة الصمود واغتناء الذاتالحرب الأمريكية- الإسرائيلية المباشرة على إيرانالمجالسُ الرمضانية: حينَ تتحولُ الضيافةُ إلى دبلوماسيةٍ تصنعُ الوئامَ المجتمعيالكتلة النيابية الأكثر عدداً، جدلٌ متجدد‏الردع وعقيدة الخوف بين طهران وتل ابيب