رحلة إلى ايكاريا: غير الشيوعيَّة
عبد الامير المجر
2026-02-26 04:26
في العام 1840 صدر للمفكر الفرنسي اتيان كابيه، كتابه (رحلة إلى ايكاريا)، الذي لفت الانتباه، كونه اسهم بتكريس مصطلح (الشيوعية) الذي كان رائجا في أوروبا منذ ثلاثينات القرن ذاك.. الكتاب كما يصفه المؤرخون يجمع بين السرد الروائي والطرح الفلسفي، ويتحدث عن شاب انكليزي يزور جزيرة اسمها ايكاريا، وهناك يجد نظاما مثاليا (طوباويا)، تسوده (الشيوعية) ومن خلال هذه الرحلة المتخيلة يوصل المؤلف رؤيته لعالم الغد الذي يريده قائما على المساواة وغياب الظلم والتفاوت الطبقي.
لقد كان من الطبيعي ان يصدر مثل هكذا كتاب في تلك المرحلة من تاريخ أوروبا، لأنه يتساوق مع طبيعة الحراك الثقافي والسياسي الذي كانت تعيشه أوروبا الناهضة على مختلف المستويات، ثقافيا وصناعيا وايضا محاولة جادة لبناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية. ومن يقرأ كتاب (الاشتراكية من فيكو إلى لينين) سيطلع على الجهد النضالي الثقافي والسياسي الذي قدمه مفكرون وفلاسفة هناك، ممن صدمهم التفاوت الطبقي الحاد الذي افرزته الثورة الصناعية، وكان لا بد من ثورة ثقافسياسية ترافقها، لكي تخلق توازنا مجتمعيا، بعد ان شلّت المكننة الحديثة حياة ملايين الحرفيين التقليديين ممن وجدوا انفسهم في العراء، فيما راح رأس المال يتعاظم بأيدي أقلية امتلكت الآلات الحديثة وعقول صانعيها معا.
لم يتحقق حتى الآن حلم العدالة الاجتماعية، وان كل ما جرى هو محاولات من اجل الاقتراب منه. واذا كانت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصعود الفكر الاشتراكي بمثابة البداية لخلق عالم مختلف، أو ظن كثيرون من ان البشرية اصبحت على اعتاب واقع جديد ولن تعود إلى الوراء، فإن الصدمة التي حصلت لاحقا لم تكن فقط بسبب سقوط الانظمة الشيوعية وتراجع الاشتراكية بشكل عام، بل بسبب يقظة نزعة الاستحواذ والغلبة التي طبعت العلاقات الدولية وبقوة من جديد، وكانت وراء الحروب المدمرة التي شهدتها الكثير من بقاع العالم منذ تسعينيات القرن الماضي وما زالت مستمرة في اكثر من مكان، وتغذيها قوى دولية تتحدث يوميا عن حقوق الانسان والحرية والعدالة.
اذ لم يعد انسان اليوم يحلم بان يجد نفسه في جزيرة (ايكاريا)، بل صار همّه الأمن والسلام ووضع اقتصادي يجعل حياته ميسرة لا غير، فتطور التقنيات الحديثة بمختلف اشكالها صنعت حلم الانسان في امكانية اقامة حياة مثالية، لكن نزعة الشر والتغالب حرفت بوصلة العقل أو جانب مهم منه من اجل تدمير هذا العطاء الذي بات تحت رحمة الاسلحة الفتاكة والماسكين بها من اصحاب النزعات الشريرة، ما جعل مأزق العالم يتعمق، فالأقوياء صاروا يتحكمون بمصير العالم بغياب الرؤية الواقعية لحل مشاكله، بل جرى استثمار الخلافات بين الدول كمنافذ للتدخل في حياة الشعوب التي بات بعضها بلا دول حقيقية، بفعل العمل الخبيث على إيقاظ الاصوليات الدينية فيها كجزء من تكتيكات سياسية للوصول إلى اهداف بعيدة مازالت الشعوب المنكوبة تتعثر في طرقها المرعبة ولا تدري متى ستنتهي.
لقد كانت جزيرة (ايكاريا) حلم الشيوعيين والحالمين من الاشتراكيين في العالم، ولم يصلوها، لأنهم سلكوا اليها طرقا غير عملية عندما قفزوا على الواقع وارادوا ان يختزلوا الزمن ليصلوا بالانسان اليها، وادركوا بعد حين انهم تركوا الانسان وراءهم ووقفوا على ابواب ايكاريا مختلفة تماما، ايكاريا سبقهم اليها رأس المال والجشع ومثيرو الصراعات والحروب .. انها ايكاريا المغتصبة التي باتت كابوسا مرعبا حين اصبحت ميدانا للحروب والحصارات التي اذلت الشعوب وصنعت عالما مفرغا من العدالة وزاخرا بالتفاوت الطبقي ويشكو غياب العدالة الاجتماعية وارتباك منظومة القيم .. نعم، كانت رحلة قاسية دفع ثمنها الجميع أو بالأدق الاكثرية منهم، لكي نكون عادلين في الوصف! .