الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشروع بقاء
د. مظهر محمد صالح
2026-02-22 04:02
في علم الاقتصاد تُعرَف ظاهرة “الركوب المجاني” بأنها استغلال منافع الجماعة دون المساهمة في تكاليف إنتاجها. إنها لحظة اختلال في ميزان العدالة، حين يتمتع الفرد بثمار النظام دون أن يتحمل نصيبه من أعبائه. وحين تنتشر هذه الظاهرة، تتآكل القاعدة التي يقوم عليها الفعل الجماعي، لأن التضامن يتحول إلى سذاجة، والمساهمة إلى عبء تتحمله القلة.
غير أن الركوب المجاني لا يظل حبيس الاقتصاد. إنه يتسرّب إلى السياسة، ويتحوّل من امتناع عن دفع ضريبة إلى امتناع عن دفع ثمن الشرعية.
فالخلود في السلطة – حين يصبح هدفًا بذاته – يمكن قراءته بوصفه شكلاً من أشكال الركوب المجاني السياسي. فالحاكم الذي يستمر في الإمساك بزمام الحكم دون تجديد للشرعية، ودون مساءلة، ودون إعادة إنتاج للعقد الاجتماعي، إنما يستهلك الرصيد الرمزي للدولة كما يستهلك الفرد سلعة عامة لم يساهم في تمويلها.
العقد الاجتماعي ليس وثيقة جامدة، بل عملية مستمرة من الأخذ والعطاء:
سلطة مقابل مساءلة،
قرار مقابل مسؤولية،
استقرار مقابل عدالة.
وحين تختل هذه المعادلة، تتحول السلطة من أداة تنظيم إلى موضوع شغف، ومن وظيفة عامة إلى ملكية خاصة. لا يعود الهدف حماية الدولة بل حماية الموقع، ولا يصبح الهمّ بناء المستقبل بل تأجيل لحظة الحساب.
وفي هذا السياق، يعرج المفكر السياسي الكبير حسين العادلي في مقاله المعنون «حين تصبح السياسة، بقاء السياسي» إلى فكرة محورية حيث يقول إن “سياسة البقاء” توهم أصحابها أنهم ضرورة تاريخية، وأن غيابهم فراغ، وأن استمرارهم بقاء للدولة. وهنا تنحرف السياسة حين يُختزل معناها في سؤال واحد: كيف نبقى؟
فحين يتحول البقاء إلى أولوية، يتبدل جوهر السياسة قبل أدواتها. تتحول من إدارة للشأن العام إلى إدارة للشأن الخاص. لا يعود السؤال: ماذا نُنجز؟ بل: كيف ننجو؟ ولا: أي أثر نترك؟ بل: أي خسارة نتفادى؟
في تلك اللحظة تُختزل الدولة في أشخاص، وتنكمش السياسة إلى غريزة، ويغدو الحكم إدارة قلق لا إدارة معنى. تصبح السلطة غاية لا وسيلة، والموقع أهم من المشروع، والاستمرار أهم من الإنجاز، حتى وإن استدعى ذلك الحيلة والفساد والاستبداد.
حين يصبح البقاء سياسة، لا تعود السياسة فعل مسؤولية بل فعل تحوّط. تُدار الدولة بعقلية التحصين لا بعقلية البناء، وتتخذ القرارات لتأجيل السقوط لا لصناعة الصعود. يُعامل الزمن كخصم، وكل استحقاق عبء، وكل إصلاح مخاطرة، وكل مراجعة تهديد.
أخطر ما في الركوب المجاني السياسي أنه لا يستهلك الموارد المادية فحسب، بل يستهلك الثقة. والثقة هي رأس المال غير المنظور لأي مجتمع. وحين تنهار الثقة، تتآكل شرعية المؤسسات، ويتحوّل القانون إلى نص بلا روح، وتغدو الدولة جسدًا بلا أعصاب.
إن الخلود في السلطة، في هذا السياق، ليس مجرد رغبة في الاستمرار، بل هو شكل من أشكال الاستحواذ على العقد الاجتماعي ذاته. إنها دكتاتورية داكنة ترى العقد يتهاوى بين يديها، لكنها تظل متمسكة بآخر عظم بعد أن ابتُلِع اللحم. تمسكٌ لا يعكس قوة، بل خوفًا من الفراغ.
فالقوة حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى عبء، والسلطة حين تنفصل عن الخدمة تتحول إلى عزلة. وما يبدو صلابة قد يكون في حقيقته هشاشة مؤجلة.
الدول المتقدمة لا تُقاس بطول بقاء الحاكم، بل بقدرة النظام على الاستمرار بدونه. فالمؤسسة التي لا تتجدد تموت، والسلطة التي لا تُتداول تتخشب، والشرعية التي لا تُختبر تذبل.
الدراما الحقيقية ليست في سقوط الدولة، بل في لحظة إدراكها المتأخر أنها كانت تعيش على رصيد مستنفد من عقدها الاجتماعي. عندها لا ينفع القبض على العظم، لأن الجسد يكون قد فقد حيويته.