الدور الإسرائيلي في تأجيج الحرب على إيران
دوافع إستراتيجية وأبعاد جيوسياسية
د. عمار أحمد إسماعيل المكوطر
2026-02-22 04:16
مقدمة
شهد الشرق الأوسط في منتصف عام 2025 تصعيداً عسكرياً غير مسبوق بين الكيان الإسرائيلي وإيران، تجلّى في سلسلة من الهجمات الجوية "الإسرائيلية" على إيران وردود فعل إيرانية بالضربات الصاروخية، ما أدى إلى حرب امتدت 12 يوماً، إذ عكست توتّراً متأصّلاً بين الخصمين التاريخيين. لا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن الدوافع الإستراتيجية التي دفعت الكيان الإسرائيلي إلى التحوّل من سياسة الاشتباك المحدود إلى خيار عسكري واسع النطاق ضد الجمهورية الإسلامية.
أولاً- الخلفية الإستراتيجية للصراع:
لطالما مثّلت إيران والكيان الإسرائيلي قطبين متناقضين في جغرافيا الصراع الإقليمي في المنطقة، فإيران، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، تسعى إلى توسيع نفوذها من خلال دعم الكيانات الإقليمية المؤيدة لها والتي تنسجم مصالحها معها (مثل حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحلفاء في سوريا -قبل سقوط النظام- والحوثيين في اليمن)، بينما ينظر الكيان الإسرائيلي إلى هذا التمدد باعتباره تهديداً وجودياً مباشراً لأمنها القومي وحاجزاً صلداً ضد مشروعها التوسعي للهيمنة على الشرق الأوسط.
لا شك في أن أحد أهم جذور التصعيد، هو خوف الكيان الإسرائيلي من امتلاك إيران للأسلحة النووية، وهو ما يعده هذا الكيان المصطنع تهديداً وجودياً حقيقاً له.
ثانياً- الأسباب المباشرة لتأجيج الحرب من جانب الكيان الإسرائيلي:
1. تدمير أو تعطيل البرنامج النووي الإيراني:
تُظهر الأحداث العسكرية في حزيران (يونيو) 2025 أن الكيان الإسرائيلي ركزت ضرباتها على المنشآت النووية الإيرانية مثل نطنز وفوردو، معتبرة أن تعطيل هذه القدرات يخفّف من التهديد الوجودي المفترض.
وهذا الهدف لم يكن عسكرياً بحتاً، إنما سياسياً إستراتيجياً، إذ أراد الكيان الإسرائيلي أن يؤكد رسالة مفادها أنه لن يتردد في استخدام القوة العسكرية لمنع إيران من تحقيق أي تقدم نووي حتى في المجالات السلمية.
وفي زيارة بنيامين نتنياهو السادسة الى الولايات المتحدة منذ تنصيب دونالد ترامب رئيساً للمرة الثانية، في أوائل شباط 2026، أكد الطرفات استمرار تواصلهما السياسي والدبلوماسي وتحالفهما الأمني، وبيان تأثير الكيان الإسرائيلي في توجهات الولايات المتحدة تجاه الإجراءات المزمع اتخاذها من جديد بشأن البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية وتأسيس شرق أوسط جديد. وللتأثير في المباحثات غير المباشرة التي تعقد في سلطنة عُمان بشأن إنهاء برنامج إيران النووي، والتخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب، وعدم السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم أو وجود إمكانيات تسمح بعملية التخصيب مع نقل اليورانيوم المخصب من إيران، وتخفيض مدى الصواريخ الإيرانية الى 300 كيلومتر، وكذلك تفكيك الأذرع العسكرية الإيرانية في المنطقة.
2. تدمير القدرات النوعية الإيرانية:
يسعى الكيان الإسرائيلي وبالتعاون الجاد مع الولايات المتحدة إلى تفكيك البُنية الصاروخية وقدرات الردع الإيرانية، فضلاً عن تدمير المنشآت النووية ومواقع تصنيع الصواريخ الباليستية والمنشآت العسكرية التي يعتقد الكيان الإسرائيلي أنها جزءاً من قدرات إيران المصممة على تهديد أمنه، وبخاصة عبر أذرعها العسكرية مثل الحرس الثوري وشركاؤها مثل حزب الله اللبناني.
3. ضرب قيادة النظام وإضعاف الإرادة السياسية الإيرانية:
لقد أصبح من المعروف توظيف الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة لعملائها وجواسيسها في الداخل الإيراني، ووسائل إعلامها الضخمة وتمويلاتها المشبوهة من أجل إثارة الفوضى الشعبية ضد النظام السياسي الإيراني من خلال التظاهرات المناهضة له وعمليات التخريب والفوضى المرافقة لها، واستغلال ملف حقوق الإنسان برؤية ازدواجية.
4. إضعاف القدرات الاستراتيجية الإيرانية المخصصة لمواجهة الكيان الإسرائيلي:
ان من بين أهم مبررات استمرار الضربات هو إضعاف قدرة إيران على الاستمرار في المواجهة واستنزافها إلى الحد الذي يدفع بها إلى تنازلات سياسية أو حتى تغيير سياسي في طبيعة أو شكل النظام.
5. توجيه أنظار المجتمع الإسرائيلي نحو الخارج لتأخير أو إعاقة مسائلة بنيامين نتنياهو:
لاشك في أن ما يعانيه رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو من مشكلات قد يدفع به القضاء بسببها إلى السجن ونهاية حياته السياسية، إذ منها ما يتعلق بتهم الفساد، وآخر مرتبط بأحداث 7 أكتوبر (طوفان الأقصى) وغيرها.
ثالثاً- العوامل غير المباشرة والمحفزات الجيوسياسية:
1. دور الأجهزة الاستخبارية:
ان حرب الكيان الإسرائيلي ضد إيران تضمنت عمليات استخباراتية استهدفت علماء نوويين وقادة عسكريين وسياسيين، وهي إستراتيجية تستهدف تقويض القدرة التقنية والمعرفية والقيادية لإيران.
2. التحالفات والشراكات الدولية:
ان ارتفاع التوترات لم يكن نتيجة فعل الكيان الإسرائيلي وحده، بل تأثر أيضاً بالتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، حيث ضغط الكيان الإسرائيلي على الولايات المتحدة لتفكيك أو احتواء البرنامج النووي الإيراني وتوسيع شروط أي مفاوضات لتشمل البرنامج الصاروخي ودعم إيران حلفاءها وشركائها.
وفي أوائل شباط 2026 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 15 كيان، وشخصين، و14 سفينة تابعة لما أسمته "أسطول الظل الإيراني"، عدتها مرتبطة بالتجارة غير المشروعة في النفط الإيراني ومشتقاته ومنتجاته البتروكيماوية.، ومتهمة إيران "بتمويل أنشطة محظورة تهدد الاستقرار في المنطقة والعالم، وتصعيد القمع الجماهيري في الداخل".
رابعاً- الأبعاد الإقليمية والدولية لتصعيد الكيان الإسرائيلي ضد إيران:
1. تأثير على أسعار الطاقة والأسواق العالمية:
إذ يؤدي التصعيد العسكري إلى ارتفاع أسعار النفط، وتهديد طرق التجارة الدولية، ما يعكس المخاوف الاقتصادية العالمية من تأثير الحرب على إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط والعالم، والأمر نفسه ينسحب على التبادل التجاري.
2. ردود الأفعال الدولية:
أثار التصعيد إدانة من بعض القوى الدولية، بينما لم تذهب تنديدات أخرى إلى مستوى فاعل ومؤثر، ما يعكس تباين المواقف الدولية حيال الصراع.
خامساً- تقييم علمي لنوايا الكيان الإسرائيلي:
من منظور تحليل سياسات الأمن القومي، يمكن تفسير دور الكيان الإسرائيلي في تأجيج الحرب على إيران كجزء من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة ضد إيران، وذلك بإضعاف قدراتها العسكرية والتقنية والسياسية. كما يمكن تفسير ذلك على أنه محاولة من الكيان الإسرائيلي لإعادة فرض شروطها في المفاوضات المستقبلية المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي.
خاتمة
إن دور الكيان الإسرائيلي في تأجيج الحرب على إيران لم يكن رد فعل عابر، إنما هو نتاج سلسلة أسباب متداخلة تشمل التهديدات الأمنية المتصورة، والحسابات الإستراتيجية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والأهداف السياسية لإضعاف النظام أو إسقاطه، وتحالفات دولية أوسع يتحدد فيها الكيان الإسرائيلي كفاعل رئيس في مواجهة إيران.
ويبقى فهم هذا الدور الذي لعبه الكيان الإسرائيلي في اندلاع الحرب وتحولها إلى صراع مسلح واسع الأثر ذا أهمية كبرى لفهم ديناميات الصراع في الشرق الأوسط، وبخاصة في سياق علاقات القوى بين الدول الإقليمية الكبرى والتحالفات الدولية المعقدة.