الضمان الاجتماعي في الإسلام.. للفئات الأكثر ضعفاً
د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
2026-02-22 04:23
حين نتتبع التشريعات الإسلامية لاسيما التي تتصل بالإنسان نشعر بعظمة المشرع الذي أبدع في وحدة الموضوع وترابط الأفكار وسمو الهدف المركزي المتمثل بحماية الكرامة الإنسانية بالدرجة الأساس وتحقيق مصلحة المجموع، ويمكننا استخلاص درس أساسي من التشريع الإسلامي مقتضاه المسؤولية الحتمية للدولة إزاء الفرد والمجتمع ضد المخاطر أياً كان نوعها سواءً منها المادية التي تتهدد حياة الفرد والأسرة أو المعنوية التي تتسبب في انهيار الجانب الأخلاقي أو القيمي.
وإزاء ما تقدم أدرك الحكام المسلمون أهمية تطوير برامج الضمان الاجتماعي والتي من شأنها أن تحد من المخاطر المتقدمة، فتم التأسيس لبيت المال كألية رسمية لإدارة المال العام أو أموال الدولة، وضمان تخصيصها للصالح العام عبر النهوض بوظائف اقتصادية واجتماعية وثقافية، ومنها الضمان الاجتماعي، ويأتي ما تقدم وسط توجه إسلامي محكم للتعامل مع الأموال بالتركيز على أصل ملكيتها وأنها لله تبارك وتعالى لترويض النفوس وتوجيهها محو البذل في سبيل الله لتحقيق أهداف التضامن.
كما أكدت الأدبيات الإسلامية أن المال وسيلة لا غاية ليصرف عنها اهتمام الإنسان ولبناء نظام اقتصادي قائم على أسس إنسانية بالدرجة الأساس لا تحكمها معايير الجشع والطمع، لهذا تم تشريع وسائل من شأنها ان تحقق التكافل والتضامن تتمثل مصادرها في (الزكاة، الفيء، الخمس، الجزية، والصدقة)، وتحتل الزكاة والخمس أهمية كبيرة جداً في النظام المالي في الإسلام، دل على ما تقدم تواتر القرآن الكريم على ذلك بعبارات مختلفة لكن مضامينها مترادفة تؤكد حتمية المساهمة الجماعية في تمويل برامج الرعاية أو الضمان الاجتماعي إذ يقول تعالى "فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" وقال تعالى "وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ..." وقال تعالى أيضاً "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" وورد في أية أخرى قوله تعالى "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ".
ثم أردف القرآن الكريم القول ان مصاريف ما تقدم بالدرجة الأساس في الفئات الأكثر ضعفاً وقدرة على تحصيل قوتها حيث تقول الآية المباركة "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ"، وموارد الخمس وردت في موطن آخر بقول تعالى "وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ"، وعند التمعن في الآيات المباركات نجد عظمة التشريع الإسلامي وتنظيمه المحكم لبرامج ضمان اجتماعي أكثر شمولاً كونها لم تخص المسلمين بهذه الموارد وحدهم إنما جميع بني الإنسان.
يذكر أن أمير المؤمنين علي عليه السلام سار في الكوفة فرأى رجلاً كبيراً يتكفف الناس فعجب من قسوة المنظر وقال ما هذا؟ استنكاراً للفعل فأجيب أنه نصراني فوبخ المسؤولين في الدولة آنذاك وقال قولته المشهورة استعملتموه حتى إذا عجز تركتموه، فالتفت الإمام إلى خازن بيت المال وقال له "خذه وأعطه ما يغنيه"، وما تقدم دلالة على ان الحاكم الإسلامي أمير المؤمنين وجد في موارد بيت المال سببا لحفظ كرامة الانسان أياً كانت ديانته بلا تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين.
وما تقدم من شأنه ان يحقق الأمن الإنساني ولا شك فيأمن الناس على مستقبلهم وحياتهم ومتعلقيهم ويكون ذلك سبباً في ترسيخ مفاهيم التعايش السلمي، فالتشريع الإسلامي يقوم على أساس العدالة والمساواة والتكافل كأسس عامة لتوزيع العبء العام وكذلك المال العام الذي يترجم إلى خدمات عامة تقدمها الدولة نقداً أو عيناً لكل فرد، فمن نافلة القول ان الشريعة السمحاء أسقطت حكم الجهاد وسائر العبادات والتكاليف العامة عن العاجز يقول تبارك وتعالى في محكم الكتاب المجيد "لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنينَ مِنْ سَبيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ".
ففي النهاية الغاية العليا التي يبغيها المشرع الإسلامي صيانة الكرامة وعدم تكليف الناس بما لا يطيقون، فالضمان الاجتماعي في الإسلام غاية يرجى من وراءها حماية أكثر من مصلحة وطبقة من الأفراد لاسيما (مصلحة الفرد، والأسرة والمجتمع ككل) إذ يمكننا ان نتلمس من تعاليم القرآن المجيد والسنة النبوية المشرفة ان الفرد في الإسلام غاية بحد ذاته والسعي إلى بناءه يعني تحقق مقدمة صالحة لبناء دولة متماسكة تحفظ لأفرادها سبل العيش الكريم، فهو في النهاية كيان مادي وروحي يمكن للآفات ان تمزق ذاته وتعبث في قناعاته إذ يمكن للفقر أن يمزق كيان الإنسان ويؤدي به إلى الخروج عن وظيفته الاجتماعية التي أرادها الله له ليكون خليفة في الأرض فيسعى لاستصلاحها وصلاح من عليها، وبهذا يصون الأمانة ويحفظ العهد ويحقق الغاية المثلى، يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".
ويقوم الضمان الاجتماعي في الإسلام على أساس فكرة التكافل بين فئات المجتمع حيث يتعين على المسلمين كفالة بعضهم البعض ومد يد العون للضعيف، وما تقدم يمكن اعتباره فريضة على المسلم في حدود إمكانياته وظروفه الخاصة، ويروى أن أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام سأل الأمام جعفر بن محمّد عن قومٍ عندهم فضل، وبإخوانهم حاجة شديدة، وليس يسعهم الزكاة، أيسعهم أن يشبعوا ويجوع إخوانهم، فإنّ الزمان شديد؟ فردّ الإمام عليه قائلاً: "إنّ المسلم أخُ المسلم، لا يَظلِمه ولا يَخذله ولا يَحرمه".
نستنتج من هذه القصة والموعظة أنه أيما مسلم قادر على نجدة أخوه المسلم فيجب عليه ذلك فلا يسعه ان يترك أخاه في الشدة وحالة الضيق، وما تقدم مصداق للأخوة التي يقول عنها تبارك وتعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"، والأساس الثاني لحق الضمان الاجتماعي والتكافل هو وظيفة الدولة بوصفها نائب عن سائر أفراد الشعب في استثمار الموارد الطبيعية التي أودعها الله تبارك وتعالى في الأرض والماء كونها خلقت للجماعة الإنسانية كافة لا لتكون حكراً على فئة دون أخرى فمن كان قادراً على العمل تكفل بشؤون نفسه وأسرته ومن عجز عن ذلك ضمنت الدولة له سبيل العيش الكريم.
وفي جميع الأحوال يقع واجباً على الدولة ان تهيء للجميع الفرصة المتساوية في الكسب الحلال، والاعتراف بحرمة الملك أو المال الخاص والى ما تقدم تشير الآية الكريمة "ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ"، فالمال العام المتحصل من موارد خزينة الدولة الإسلامية يفترض أن يجد طريقه إلى الفئات الأكثر ضعفاً، يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في كتابه إلى مالك الأشتر رضوان الله تعالى عليه "ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَـهُمْ، وَالْـمَسَاكِين وَالْـمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً، وَاحْفَظْ لِـلّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَـهُمْ قِسْمَاً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسْمَاً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الإِسْلاَمِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، فإِنَّ لِلأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلاَ يَشْغَلنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهِ لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْـمُهِمَّ.
فَلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَـهُمْ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ، فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْـخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِم بِالإِعْذَارِ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيهِ.
وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ، وَلا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ، وَالْـحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهِ لَـهُمْ.
وَاجْعَلْ لِذَوِي الْـحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَـهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَـهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَواضَعُ فِيهِ لِـلّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ: «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ".