الربا بين التحريم الشرعي والتجريم القانوني: خطر صامت يهدد استقرار المجتمع
شبكة النبأ
2026-02-12 07:57
بقلم: المحامية سحر عبد الرسول الاعاجيبي
في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي يواجهها بلدنا الحبيب، تبرز ظاهرة الربا بوصفها واحدة من أخطر الإشكاليات المالية التي تهدد العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. إذ تُعد الربا مرضًا اقتصاديًا خطيرًا يسهم في تفاقم الفجوة بين فئات المجتمع، ويقوّض أسس التكافل الاجتماعي، ويحول دون تحقيق التنمية الشاملة والاستقرار المالي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة ليست حديثة العهد أو طارئة، بل تمتد جذورها إلى عصور قديمة، الأمر الذي يستدعي تكاتف الجهود للحد منها والعمل على معالجتها بوسائل فعّالة تضمن حماية المجتمع وتعزيز القيم الاقتصادية العادلة.
المفهوم العام للربا هو إقراض مبلغ من النقود مقابل فائدة مالية قد تكون خفيه او ظاهره تدفع بطريقة تزيد على الحد المسموح به تفوق قدرة المقترض على السداد. اي هو زيادة غير مشروعة على الدين الأصلي، ومن منظوره القانوني/تمثل هذه الزيادة اخلالا بمبدأ العدالة التعاقدية وخرقا لقاعدة التوزان بسبب الالتزامات المتقابلة بما يجعل العقد أداة استغلال بدل أن يكون وسيلة تعاون وتبادل مشروع حيث يتبع المقرضون أساليب عند إقراض المال بفائدة تزيد عن الحد المسموح به إلى إعطاء المبلغ مقابل توقيع أو البصمة على صك فارغ من الرصيد أو وصل امانه من قبل المقترض لكي يكون هناك حجه على المقترض في مراجعه المحاكم كونه ملزما قانونا وصحيحا شكلا ومضموناً.
التحريم الشرعي للربا وفلسفته في الإسلام
يُعدّ الربا من المحرّمات القطعية في الشريعة الإسلامية، وقد جاءت النصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية بتجريمه واعتباره من الكبائر المغلّظة، بل قرنه الشرع بإعلان الحرب من الله ورسوله، لما فيه من فساد اقتصادي واجتماعي عظيم. وقد شُبِّه إثمه بعظيم الآثام لما يترتب عليه من ظلم واستغلال وإفساد للعلاقات المالية بين الناس.
وتكمن الفلسفة الشرعية لتحريم الربا في حماية الإنسان من الاستغلال، خاصة في حالات الحاجة والضعف، ومنع الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، إضافة إلى توجيه المال نحو العمل والإنتاج والاستثمار الحقيقي، بدلاً من الكسب السهل القائم على ضمان الربح دون تحمّل المخاطر. كما يسهم تحريم الربا في تحقيق العدالة والتوازن في المعاملات المالية، وترسيخ مبدأ التكافل والتراحم داخل المجتمع.
التحريم الشرعي للربا
في القرآن الكريم:
حرّم الله تعالى الربا تحريماً صريحاً، وبيّن خطورته وآثاره المدمّرة، فوصف آكليه بأنهم يقومون قيام المصروع من مسّ الشيطان، قال تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾،
وقال سبحانه مؤكداً الوعيد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
في السنة النبوية:
شدّدت السنة على تحريم الربا، فلعن النبي ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وبيّن أنهم شركاء في الإثم، مما يدل على خطورة هذا الفعل وسعة دائرة مسؤوليته. كما وصفت السنة الربا بأنه من أخبث المكاسب، وأنه مال ممحوق البركة، يجلب غضب الله وعقابه.
أنواع الربا
ينقسم الربا إلى نوعين رئيسيين:
ربا القروض: وهو الزيادة المشروطة على أصل القرض عند السداد، ويُعدّ أشد أنواع الربا وأوضحها تحريماً.
ربا البيوع: ويندرج تحته:
ربا الفضل: وهو الزيادة في مبادلة أصناف معينة متفقة في الجنس.
ربا النسيئة: وهو تأخير القبض في مبادلة الأموال الربوية.
موقف القانون العراقي
تعد المراباة من الجرائم المتعلقة بالتجارة وقد نصت عليها المادة 465 من قانون العقوبات رقم111لسنه 1969المعدل (يعاقب بالحبس وبغرامه لا تزيد على الف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين من أقرض آخر نقودا بأية طريقه بفائدة ظاهره أو خفيه تزيد على الحد الأقصى المقرر للفوائد الممكن الاتفاق عليها قانوناً وتكون العقوبة السجن المؤقت بما لا يزيد على عشر سنوات اذا ارتكب المقرض جريمة مماثله للجريمة الأولى خلال ثلاث سنوات من تاريخ صيروة الحكم الأول نهائياً) عدلت الأحكام الخاصة بالربا موضوع المادة ٤٦٥من القانون وذلك بمقتضى أحكام قرار مجلس قيادة الثورة المنحل ذو الرقم 68في ٢٣/٦/١٩٩٧المنشور في الوقائع العراقية بالعدد ٣٦٧٦في ٣٠/٦/١٩٩٧والذي نص على الآتي
اولا (يعاقب بالحبس مده لا تقل عن ثلاث سنوات كل من أقرض نقودا بأية طريقه بفائدة ظاهرة أو خفيه تزيد على الحد المقرر قانوناً وتعتبر هذه الجريمة من الجرائم المخلة بالشرف
ثانيا/تكون عقوبة الجريمة. المنصوص عليها في البند اولا من هذا القرار السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات إذا ارتكب المقرض جريمة مماثله خلال ثلاث سنوات من تاريخ صيرورة الحكم الأول نهائيا أو في ظروف الحرب.
بعد بيان موقف القانون العراقي من هذه الجريمة، نجد أن المشرّع العراقي كان من أشدّ المشرّعين في تجريم جريمة الربا والمعاملات المترتبة عليها، كما جرّم حالة العود والاعتياد على ارتكاب هذه الجريمة.
فإن التصدي لظاهرة الربا لا يقتصر على تجريمها بنصوص قانونية أو معالجتها بأحكام قضائية فحسب، بل يتطلب وعيًا مجتمعيًا رشيدًا يُدرك خطورتها على الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. ومن ثمّ، تبرز أهمية توجيه الأفراد والمؤسسات إلى تبنّي ممارسات مالية قائمة على النزاهة والتكافل، والابتعاد عن كل ما من شأنه تكريس الاستغلال أو الإضرار بالغير، إسهامًا في بناء نظام مالي عادل يحقق التنمية ويحفظ التوازن الاجتماعي.