الحفرة

د. جليل وادي

2026-02-08 03:42

والله وما لكم عليّ يمين كما يُقال في أحاديثنا الشعبية صرت أكره الكلام في السياسة، والعراقية منها على وجه التحديد، فما عدت أعرف لها رأسا من ذيل، مع انها تستوجب منا طول حديث لما نراه من أنفاق مظلمة يُحتمل أن ننزوي فيها، وبعض تلك الأنفاق معدومة المخارج، وما علينا سوى الاستسلام للأقدار، وما تخبئه لنا من مصائر.

ليس غريبا أن يكون الحال هكذا، فعندما لا نبصر أبعد من أقدامنا، فتوقع ما تشاء من احتمالات، وجميعها لا نتمنى حصولها، فلولا انعدام البصيرة ما كان لعمليتنا السياسية أن تكون منبعا لجميع صراعتنا السياسية وأزماتنا الاقتصادية، وما يتبعها من تراجعات ثقافية وانهيارات تربوية وتعليمية وتناقضات مجتمعية، بينما أريد بها انتشالنا من واقع مأساوي قاسيناه طوال عقود قبل أن يحُل علينا فجر الديمقراطية كما يصفونها والتي انتهكها رعاتها أنفسهم قبل الناس التي استبشرت بها خيرا.

ومع ان تجربتنا قاربت أن تحتفل بيوبيلها الفضي، أي مضي عليها ما يقرب من الربع قرن، لكنها أوصلتنا الى مفترق طرق، كل منها يؤدي بنا الى كارثة، وها نحن اليوم نقف حائرين، والعالم يتفرج علينا مندهشا، ومازالت المناكفات والتخبط متواصلا دون أن يضعوا بالحسبان ان في رقابهم (45) مليون انسان، فهل يُعقل أن يقلق الناس على معاشاتهم، وكلما استلموا راتبا حمدوا الله تعالى غير واثقين من الشهر الذي يليه، تتقاذفهم الشائعات بأن الراتب سيصبح كل (45) يوما، او يزحف الشهر بأيامه ليتجاوز الموعد المحدد وغير المحدد في الوقت نفسه، او ان خزينة الدولة خاوية وتعاني عجزا، ومثقلة بديون داخلية وأخرى خارجية، صحيح لدينا احتياطي مقبول في البنك المركزي.

لكن من المؤسف أن ننفقه على أزمات من صنع أيدينا جراء قراراتنا غير الرشيدة، كل هذا يحدث ولدينا مئات المستشارين الذين يفترض بهم حماية المسؤول من الوقوع في الأخطاء، وأي أخطاء، ولكن عندما تكون المجاملات والمحسوبيات هي معيار تعيين المستشارين الذين يستنزفون من الخزينة ما لا نعرف قدره، عندها لا تستغرب أبدا ما نحن عليه.

هذا الواقع المقلق، وسيطرة امريكا على أموالنا، وقدرتها على التحكم بلقمة عيشنا، هي التي جرّأت رئيسها على مساومتنا في اختيار رئيس الوزراء، والتدخل دون حياء في شأننا الداخلي، طبعا امريكا ليست الوحيدة التي تتدخل، بل أغلب دول الجوار تتدخل حتى الصغير منها الذي كنا لا نتذكره الا عندما نراه.

أكيد ان الخلل ليس في المتدخلين، بل فينا، نحن من رضا أن تكون عمليتنا السياسية من الهشاشة بحيث تتيح للآخرين مساومتنا والتلاعب بمقدراتنا صراحة (وعينك عينك)، وليس في السر كما تفعل الدول فيما بينها، وعندما تشعر بعضها بتلك التدخلات تتخذ من الاجراءات ما يندم عليها المتدخل.

سأضرب لكم مثلا واحدا على تلك الهشاشة التي أسميتها (الحفرة) واتخذتها عنوانا لهذا المقال، حفرة نبشها السيد المالكي ووقع فيها قبل غيره، ولم يتحسب حينها لهذه الثغرة التي انطلقت منها المحاصصة أولا وقبل أي أزمة أخرى من أزماتنا المتلاحقة، ذلك ان حفرة (الكتلة الأكبر عددا) التي لجأ السيد المالكي للمحكمة الاتحادية لتفسيرها ابان فوز السيد اياد علاوي بالانتخابات على تحالفه بفارق صوت واحد، وفسرتها المحكمة على هوى السيد المالكي بأنها التي تتكون داخل قبة البرلمان وليس الفائز في الانتخابات، فابعد علاوي وفاز المالكي بتشكيل الحكومة، والسؤال هل يمكن لأحد، ترامب او غيره أن يتدخل لوكان الفائز في الانتخابات هو من يشكل الحكومة، وهل ستظل رئاسة الوزراء حكرا على المكون الشيعي؟، ربما لجرى التناوب عليها بحسب من يحصل على أعلى الأصوات، وبذلك نتخلص من المحاصصة على مستوى الرئاسات، بينما وصلت المحاصصة والديمقراطية العراقية في روعان شبابها الى مسؤولي الوحدات البسيطة في دوائرنا.

أظن علينا أن نفكر الآن بكيفية تمتين عمليتنا السياسية واستنادها الى ارادة الشعب وليس الى التوافقات، وكان الكثير من ذوي البصيرة نبّهوا الساسة لمشكلة (الكتلة الأكبر عددا) حتى بُحت أصواتهم، لكن أحدا لم يسمع لهم، وعدّوها أصواتا نشازا الى أن لوّح ترامب بمعاقبتنا ان لم يكن التوافق على هواه، ألم اخبركم بكرهي للسياسة، وسأحدثكم في مقالات لاحقة عن أسبابي الأخرى.

ذات صلة

كيف غيّرت التكنولوجيا مفهوم الصداقة؟رسائل إلى قلب المرأة في زمن الابتلاءلماذا لا ينتج النظام السياسي آلية تداول سلطة حقيقية؟بناء الإنسان قبل العمران: فلسفة التربية على المواطنةالمخاطر الحقيقية للخلاف السعودي الإماراتي